حين تكشف صورة قديمة أعظم ما في الإنسان قصة عبد الغفار نيشيان ” أبو إسراء”: من عامل بوفيه إلى ذاكرة مؤسسية لا تُنسى

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

هناك صور لا تصل إلينا من الماضي فقط… بل تعود إلينا محمّلة برسائل لم نكن ندرك قيمتها في لحظتها. وصلتني اليوم، في 12 يوليو 2026، صورة التُقطت قبل أكثر من ستة عشر عامًا، وتحديدًا في 27 مارس 2010. صورة بسيطة في ظاهرها… لكنها تحمل قصة إنسان، وفلسفة إدارة، ودرسًا عميقًا في اكتشاف الطاقات التي قد تختبئ خلف المسميات الوظيفية.

في الصورة يظهر الأخ العزيز عبد الغفار نيشيان، وكان يعمل آنذاك في إحدى المؤسسات الإنسانية الرائدة بوظيفة عامل بوفيه. لكن من يعرف عبد الغفار جيدًا لم يكن يرى فيه مجرد مسمى وظيفي، فقد كان يرى إنسانًا يحمل داخله كنزًا من القيم، والانضباط، والشغف، والحرص على أن يكون وجوده إضافة حقيقية للمكان الذي يعمل فيه. التُقطت الصورة وهو يقوم بتجليد مادة مؤسسية، في مشهد قد يبدو عاديًا لمن ينظر بعين الوظيفة، لكنه لمن ينظر بعين القيادة كان مشهدًا يكشف عن شخصية مختلفة.

كان عبد الغفار يمتلك دقة نادرة، واهتمامًا بالتفاصيل، وحرصًا على جودة العمل، حتى بدأت الإدارة تستفيد من قدراته في أعمال تتجاوز حدود وظيفته الرسمية، فأصبح قريبًا من مهام السكرتارية، ومساندًا في أعمال الأرشفة، وتجهيز الوثائق، والتنسيق، والتصوير، وتجليد المواد المؤسسية. لم يكن انتقاله من مهمة إلى أخرى نتيجة مجاملة أو محاباة، بل نتيجة قاعدة إدارية عظيمة: الإنسان أكبر من المسمى الوظيفي، والطاقة الحقيقية لا تُقرأ دائمًا من بطاقة العمل. لقد كان عبد الغفار نموذجًا للموظف الذي لا ينتظر أن يُطلب منه الإبداع، بل كان يبحث عن فرصة ليترك أثرًا.

واليوم، وبعد مرور هذه السنوات، ما زال التواصل قائمًا بينه وبين رفقاء المسيرة، رغم وجوده في الهند وتفرق الزملاء في بلدان مختلفة. وهذا بحد ذاته شهادة أخرى، فبعض العلاقات المهنية تنتهي بانتهاء الوظيفة، أما العلاقات التي بُنيت على الاحترام والإنسانية فإنها تعبر الحدود والزمن. لكن أجمل ما في قصة عبد الغفار ليست الصورة فقط… بل موقف كشف معدن الإنسان.

في أحد الأيام، كان مدير المؤسسة آنذاك يستمع إلى شكوى من أحد الزملاء حول موقف حدث مع عبد الغفار. كان الزميل قد طلب منه إعداد مشروب، فأخبره عبد الغفار بكل أدب أن يؤجل الأمر قليلًا بسبب وجود ضيوف لدى رئيس المؤسسة، والحاجة إلى تجهيز بعض الطلبات الخارجية لهم. بدل أن يفهم الزميل طبيعة الموقف، جاء غاضبًا إلى المطبخ، وتعامل مع عبد الغفار بأسلوب لا يليق ببيئة إنسانية يفترض أنها تقوم على الاحترام.

وصل الأمر إلى مدير المؤسسة، فاختار ألا يحكم من طرف واحد. استدعى الزميل، واستدعى كذلك من كان سببًا في تزكيته وانضمامه للمؤسسة، وبدأ الحوار بحثًا عن الحقيقة. وعندما بدأ النقاش، قال الزميل في بداية حديثه: “هو هندي…” فتوقف المدير عند هذه العبارة، ليس لأنها تقدم تفسيرًا، بل لأنها كشفت خللًا في زاوية النظر. فالإنسان لا يُقاس بجنسيته، ولا بوظيفته، ولا بموقعه في الهيكل التنظيمي… وإنما بما يحمل من قيم وسلوك وأثر.

ثم بدأ المدير يتحدث عن عبد الغفار، لا بوصفه عامل بوفيه، بل بوصفه إنسانًا صاحب مشروع ذاتي في التطوير. ذكر أنه كان يقرأ كتابًا كل شهر، ويتابع أربع مجلات شهريًا، ويحفظ من القرآن، ويحافظ على عباداته ومواعيدها، ويتمتع بثقافة واسعة وانضباط شخصي قلّ أن يوجد عند كثير ممن يحملون مناصب أعلى. وهنا ظهر الفرق الحقيقي بين شخصين: شخص رأى أمامه “عامل بوفيه”. وشخص آخر رأى إنسانًا يحمل عقلًا وروحًا وطموحًا. لقد أدرك المدير أن المشكلة لم تكن في المشروب الذي تأخر، بل في نظرة إنسان إلى إنسان. فكانت الرسالة واضحة: إما أن يعتذر الزميل لعبدالغفار أمام من أساء أمامهم، وإما أن يختار طريقًا آخر خارج المؤسسة، لأن بيئة العمل الإنسانية لا تسمح بإهانة الكرامة. ولم يكن أمامه إلا الاعتذار.

وهنا يظهر درس إداري عظيم: المؤسسات لا تبنى باللوائح وحدها، بل تبنى بالثقافة التي تجعل احترام الإنسان قيمة لا تخضع للمنصب أو الجنسية أو الوظيفة. لقد أعادت لي صورة عبد الغفار اليوم سؤالًا مهمًا لكل قائد: كم من عبد الغفار يعمل في مؤسستك الآن؟ كم من موهبة صامتة تختبئ خلف وظيفة بسيطة؟ كم من إنسان لم تمنحه الإدارة فرصة ليُظهر ما بداخله؟ إن أعظم خطأ إداري أن نحصر الإنسان في الوصف الوظيفي المكتوب أمام اسمه.

فقد يكون عامل النظافة حافظًا للقرآن، وقد يكون موظف الخدمات قارئًا نهمًا، وقد يكون السائق صاحب فكر وتجربة، وقد يكون أصغر موظف في المؤسسة يحمل بذرة قائد المستقبل. القائد الحقيقي لا يبحث فقط عن أصحاب المناصب، بل يبحث عن أصحاب القيمة.

واليوم، حين عادت صورة عبد الغفار” أبو إسراء ”  بعد ستة عشر عامًا، لم تعد مجرد ذكرى من أرشيف مؤسسة… بل أصبحت وثيقة إنسانية تقول لنا: أن الإنسان الذي يعمل بإخلاص، ويتعلم باستمرار، ويحفظ كرامته وكرامة الآخرين… لا يبقى في ذاكرة المكان بوظيفته، بل يبقى بأثره. سلامٌ على عبد الغفار نيشيان أينما كان… فبعض الأشخاص لا ترفعهم المناصب، بل ترفعهم أخلاقهم. وبعض الصور لا تُلتقط بالكاميرا… بل تُلتقط بالقلوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top