
محمد تهامي
في رحلات التحول المؤسسي الحقيقية، لا تكون أعظم الاكتشافات دائمًا في قاعات الاجتماعات، ولا في التقارير، ولا في العروض التقديمية. أحيانًا تختبئ أعظم الدروس في لحظة بسيطة… حول مائدة. وفي مكان لا يتوقع الإنسان أن يجد فيه قصة. كان ذلك في رحلة المعايشة المؤسسية والتحول التنظيمي مع فريق عمل جاست هيومان أوغندا، حيث كانت الأيام تمضي بين الحوارات العميقة، وقراءة الواقع، والاستماع إلى الفريق، ومحاولة اكتشاف ما وراء الهياكل والأنظمة والأرقام.
ففي المؤسسات، كما في الحياة، لا يكفي أن ترى ما يظهر أمامك… بل عليك أن تبحث عما يختبئ خلف الظاهر. وكما يقول أحد الحكماء: “أخطر ما تفعله المؤسسات أنها ترى الوظائف وتنسى الإنسان.” كان البرنامج حافلًا بالنقاشات حول رأس المال البشري، والتوظيف الأمثل، وكيف يمكن للمؤسسة أن تستثمر قدرات أفرادها الحقيقية، لا فقط ما هو مكتوب في بطاقاتهم الوظيفية. وفي أثناء الحديث، جاء ذكر أحد العاملين في المؤسسة… “داود”. شاب يعمل في مجال النظافة. وظيفة قد يختصرها البعض في مهام محددة، وقد يظن البعض أنها بعيدة عن دوائر الإبداع والقيادة. لكن المؤسسات التي تفهم الإنسان تعرف حقيقة مختلفة: ليس هناك موظف صغير… بل هناك مواهب لم تُكتشف بعد.
الأربعاء 08 يوليو 2026… يوم تغيّر فيه معنى الوظيفة
كان موعد الغداء متأخرًا في ذلك اليوم، قرابة الساعة السادسة مساءً. ولم يكن أحد يتوقع أن تحمل تلك الساعة درسًا سيبقى في الذاكرة. قيل لنا إن داود هو من سيقوم بإعداد الغداء. ومرت الدقائق… ولم يكن في الأذهان سوى أنها وجبة عادية ضمن برنامج طويل. لكن حين اقترب موعد المائدة… بدأت المفاجأة. لم تكن أمامنا مائدة أُعدت لإكمال جدول الطعام. بل كانت أمامنا قصة شغف. كان داود يقف أمام عمله وكأنه طاهٍ محترف أمضى سنوات طويلة في مدرسة الطبخ. لم يكن يُعد طعامًا فقط… كان يقدّم رسالة. كانت المائدة لوحة من الإبداع: دجاج أُعد بأكثر من طريقة، منها الشواء على الفحم الذي حمل رائحة الأصالة، ولحم “كباب الحلة” بإعداد متقن، وأرز أبيض متوازن، وصوصات أضافت للمائدة روحها الخاصة، وإناء من الشيبس المتميز، وطبق سلطة بدا كأنه بستان صغير اجتمعت فيه ألوان الطبيعة. ثم جاءت اللمسة الأوغندية الأصيلة… طبق الموز المطهو ( ما توكي)، ذلك الطعام الذي يحمل جزءًا من ذاكرة المكان وثقافته. كانت المائدة أكبر من الطعام… كانت حكاية إنسان.
الموهبة لا تسأل عن المسمى الوظيفي
في تلك اللحظة ظهر معنى عميق من معاني الإدارة الحديثة: أن أعظم ثروات المؤسسات ليست في المباني، ولا في الأنظمة، ولا حتى في الميزانيات… بل في الإنسان الذي قد يجلس يوميًا أمامنا ولا نعرف ماذا يحمل. لقد كان داود في نظر البعض “عامل نظافة”. لكن في تلك اللحظة ظهر جانب آخر: إنسان يمتلك ذوقًا، ومهارة، وحرصًا، وقدرة على الإنجاز. وهنا نتذكر حكمة عميقة: ” قد تخسر المؤسسة موهبة عظيمة، فقط لأنها وضعتها في خانة ضيقة.” كم من إنسان في مؤسسات العالم يحمل قدرات لم تُمنح فرصة الظهور؟ كم من فكرة عظيمة ماتت لأنها لم تجد من يستمع؟ كم من مبدع بقي خلف مسمى وظيفي لم يعكس حقيقته؟
القيادة التي ترى الإنسان قبل الوظيفة
كان الجميل في المشهد أن داود لم يكن وحده. كان هناك تعاون من الفاضل جواره، السائق، الذي شاركه المساعدة والإعداد. وفي هذه الصورة الصغيرة ظهرت قيمة كبيرة: حين تسود الثقافة الإنسانية، لا يقول الإنسان: “هذه ليست مهمتي.” بل يقول: “كيف أساعد؟” وهذه هي روح الفريق التي تبحث عنها المؤسسات الناجحة. فالمؤسسة ليست مجموعة وظائف متجاورة… بل أرواح متعاونة تحمل هدفًا واحدًا. وكما قال أحد المفكرين: “الثقافة المؤسسية لا تظهر في اللوائح… بل تظهر عندما لا يراقب أحد أحدًا.”
الابتسامة التي هزمت المشقة
ربما كان إعداد هذه المائدة أمرًا شاقًا. وربما كان الوقوف ساعات في المطبخ بعد يوم عمل طويل ليس أمرًا سهلًا. لكن ما بقي في الذاكرة لم يكن التعب… بل الابتسامة. كان داود، وجواره يؤديان العمل بروح جميلة، وكأنهما لا يقدمان طعامًا، بل يقدمان محبة. وهنا يظهر الفرق بين من يؤدي العمل لأنه مطلوب منه… ومن يؤديه لأنه يؤمن بقيمته. فالعمل حين يخلو من الروح يصبح عبئًا. أما حين تسكنه النية الطيبة، يتحول إلى أثر.
المائدة التي تحولت إلى درس مؤسسي
في نهاية الغداء، لم يكن الحديث عن الطعام فقط. كانت المائدة حديث الساعة. لأن الجميع أدرك أن أجمل ما فيها لم يكن الدجاج، ولا الأرز، ولا تنوع الأطباق… بل الإنسان الذي صنعها. كانت الرسالة واضحة: قبل أن تبحث المؤسسات عن موظفين جدد… ابحثوا عن الكنوز الموجودة بين أيديكم. قبل أن تعلنوا عن حاجتكم إلى المواهب… افتحوا أعينكم على المواهب الصامتة. قبل أن تبنوا الأنظمة… ابنوا الإنسان.
أحيانًا تأتي أعظم الدروس على مائدة
في عالم الإدارة، نتحدث كثيرًا عن التحول المؤسسي. لكن التحول الحقيقي يبدأ حين تتغير طريقة رؤيتنا للإنسان. حين لا نرى عامل النظافة مجرد عامل. ولا السائق مجرد سائق. ولا أي موظف مجرد رقم في كشف الرواتب. بل نراه إنسانًا يحمل قصة، وموهبة، وكرامة، وقدرة على الإضافة. لقد علّمنا داود، وجواره في مساء الأربعاء 08 يوليو 2026 درسًا لم يكن في جدول الزيارة: أن أعظم الطاقات قد تكون قريبة منا جدًا… لكنها تنتظر عينًا ترى. وأن المؤسسات لا تصبح عظيمة بكثرة الأنظمة فقط… بل بقدرتها على اكتشاف الإنسان. فربما يكون الشخص الذي يهيئ لك مكتبك… هو نفسه الذي يستطيع أن يدهشك بإبداعه. وربما يكون الشخص الذي لا يتصدر الاجتماعات… هو من يحمل روح المكان.
وفي النهاية… ليست أعظم موائد الحياة هي التي تمتلئ بالطعام. بل التي تكشف لنا جمال الإنسان. وهناك فقط… ندرك أن التحول المؤسسي الحقيقي لا يبدأ من الهياكل… بل يبدأ من القلب.