
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
منذ الأمس…ولأول مرة منذ أعوام طويلة، لم أكن أنظر إلى الساعة لأعرف كم بقي من الوقت، بل شعرت أن الساعة هي التي تنظر إليّ. كانت عقاربها تتحرك كعادتها… إلا أنني لم أرها هذه المرة تقيس الزمن، بل تقيس الإنسان.
جلست مع نفسي أربعًا وعشرين ساعة كاملة… دون ضجيج… دون هاتف… ودون أن أراجع أخطاء أحد. كان بيني وبين نفسي موعد تأخر كثيرًا. وفي تلك الساعات، اكتشفت حقيقة لم أقرأها في كتاب، ولم أسمعها في محاضرة… بل همس بها العمر في أذني: كلما تقدم بك العمر… لم تعد الأيام تسألك: ماذا أنجزت؟ بل أصبحت تسألك: ماذا تركت في قلوب الناس؟
كانت آخر ورقة في أجندة عام مضى… ورقة لا تختلف في لونها عن بقية الأوراق… لكنها تختلف في معناها. فالورقة الأخيرة لا تكتب فيها المواعيد… بل تُكتب فيها المراجعات. لا تُحصى فيها الأرباح… بل تُوزن فيها الأرواح. وتذكرت قول الإمام ابن القيم رحمه الله: “السعيد من كانت أيامه زيادةً في حسناته.” وسألت نفسي… هل كانت أيامي كذلك؟ كم بابًا فتحه الله لي ولم أشكره كما ينبغي؟ كم إنسانًا عبر حياتي، فكان فضل الله عليّ أعظم من فضلي عليه؟ وكم موقفًا ظننته خسارة، فإذا به أعظم مكاسب العمر؟
قبل أشهر قليلة فقط… أغلقت بابًا خلفي، خرجت منه بهدوء. بابًا بقي مفتوحًا لي ما يقارب اثنين وثلاثين عامًا. اثنان وثلاثون عامًا… ليست عنوانًا في جواز سفر… ولا رقمًا في سجل إقامة… بل عمرًا كاملًا من الذكريات. في تلك الأرض… تعلمت أن الإنسان لا يُبنى بالراتب، بل بالرسالة. وفيها عرفت رجالًا تركوا في القلب ما لا تتركه السنون. وفيها ضحكت… وتعبت… وأخفقت… ونجحت… وشهدت ولادة أفكار، ورحيل أحلام، وبناء مؤسسات، ووداع أحبة. ولم يكن الرحيل يومًا مما تمنته النفس… لكنه كان مما اختاره الله. وعندما يختار الله… لا يبقى للمؤمن إلا الرضا. قال عمر بن عبد العزيز: “ما سررت بقضاء بعد الإسلام مثل سروري بالقضاء الذي لا يكون لي فيه اختيار.” فأدركت أن الرضا ليس أن تأتي الحياة كما نريد… بل أن نحب ما اختاره الله لنا.
ثم اكتشفت شيئًا آخر… في بدايات العمر، كنا نجمع الأشياء. وفي منتصفه، نجمع الإنجازات. أما حين ينضج القلب… فإنه لا يجمع إلا البشر. فالإنسان في نهاية الطريق لا يسأل: كم بيتًا امتلكت؟ ولا كم حسابًا ادخرت؟ ولا كم منصبًا تقلدت؟ بل يسأل: كم قلبًا دخلته دون استئذان؟ وكم دمعةً مسحت؟ وكم مظلومًا أنصفت؟ وكم إنسانًا خرج من عندك وهو يدعو لك؟
قرأْتُ يومًا كلمة لأحد الحكماء يقول فيها: “إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله، فانظر فيما أقامك.”فتأملت… فوجدت أن أجمل ما وهبني الله، لم يكن مالًا… ولا منصبًا… ولا لقبًا… بل نعمة السير بين الناس بقلب يحاول أن يحب الجميع، وأن يلتمس لهم العذر، وأن يفرح لنجاحهم كما يفرح لنفسه .ولعل هذا هو الرصيد الوحيد الذي لا تنقصه الأيام.
كلما كبرت… صغرت الدنيا في عيني. ولم تعد أحلامي أن أملك أكثر… بل أن أحتاج أقل. ولم أعد أبحث عن مكان أكون فيه مشهورًا… بل عن موضع أكون فيه مقبولًا عند الله. وأدركت معنى قول الإمام الشافعي: “من أراد الآخرة كفاه الله أمر دنياه.”
ومنذ الأمس… وأنا أراجع شريط العمر… وجدت أن أكثر المحطات التي صنعتني… لم تكن أيام النجاح… بل أيام الانكسار. فالنجاح يعلمك كيف تتقدم… أما الابتلاء فيعلمك كيف تعرف الله. والخسارة تعلمك قيمة النعمة. والرحيل يعلمك أن الأوطان ليست جدرانًا… بل سكينة يضعها الله في القلب.
اليوم… لا أحتفل بمرور ثلاثة وستين عامًا… فالسنوات ليست إنجازًا. الإنجاز الحقيقي… أن تمر السنوات… ولا يمر معها ضميرك. أن يشيب الرأس… ويبقى القلب حيًا. أن يضعف الجسد… ولا تضعف المبادئ. أن يقل العمر… ويزداد الأثر.
وأقف الآن أمام أول صفحة من عام جديد… لا أحمل قائمة أمنيات طويلة… بل دعاءً واحدًا: اللهم إن كنت قد أحسنت فيما مضى فزدني إحسانًا… وإن قصّرت فاغفر لي… وإن بقي من العمر شيء، فاجعله خيرًا مما مضى. واجعل آخر أوراق أجندتي يومًا ما… شاهدةً لي… لا شاهدةً علي.
وأخيرًا… تعلمت بعد رحلة العمر كلها… أن الإنسان لا يخلّده ما جمع… بل ما زرع. ولا يرفعه ما قال… بل ما عمل. ولا يبقى منه ما كتب في بطاقته… بل ما كتبه في قلوب الناس. فالعمر ليس عدد الأعوام التي عشناها… بل عدد الأرواح التي غادرناها وهي تدعو لنا.