
محمد تهامي
هناك مواقف لا تحتاج إلى كثير من الكلمات، لأن أصحابها يتحدثون بأفعالهم قبل ألسنتهم. وفي رحلة الإنسان بين البلدان والمواقف، يكتشف أن أجمل ما يُهدى إليه ليس شيئًا يوضع في اليد، بل معنى يستقر في القلب.
كان ذلك مساء الأربعاء، الخامس عشر من يوليو 2026، في كمبالا – أوغندا. بعد يومٍ جديد من أيام رحلة التحول المؤسسي، وبعد مغادرة المكتب قرابة الثامنة مساءً، كان الطريق إلى الفندق يحمل شيئًا من هدوء الليل، وشيئًا من السكينة بعد ساعات العمل الطويلة. كنت مطمئنًا هذه المرة. فقد دار حديث واضح مع الفاضل أحمد عيد “أبو حمزة” في اليوم السابق. اتفقنا… وأكدنا… أن مائدة الأمس كانت كافية، بل إن ما تبقى من الطعام يكفي ليومين أو أكثر. وكان في داخلي يقين أن أبا حمزة، بما عرفته عنه من احترامه للكلمة، سيأخذ الأمر كما اتفقنا. كنت أفكر في الراحة فقط. في الوصول إلى الغرفة. في استكمال بقية أعمال اليوم، ومراجعة أجندة الغد. في قليل من السكون بعد أيام ممتلئة بالحوار والعمل.
كان الطريق هادئًا. والحديث بيننا بسيطًا، عابرًا، يحمل طيبة الصحبة. حتى توقفت السيارة في باحة الفندق. نظرت إلى وجه أحمد… ولأن القلوب التي تعرف أصحابها تقرأ التفاصيل الصغيرة، شعرت أن هناك شيئًا لم يُذكر. ابتسمت وسألته: “أحمد… أحضرت طعامًا إلى الغرفة؟” تغير وجهه قليلًا. ذلك التغير الذي يحمل اعتراف الإنسان الكريم حين يُكشف أمرٌ أراد أن يقدمه بصمت. قال: “نعم.” في تلك اللحظة… شعرت بمزيج من الدهشة والمحبة. حزنت قليلًا، ليس من الطعام، فكيف يحزن الإنسان من كرم؟ ولكن لأنني كنت أخشى أن يحمّل نفسه وأهل بيته ما لا يحتاج. تماسكت، وقلت له برفق: “يا أبا حمزة… على ماذا اتفقنا؟” لم يكن عتابًا. بل كان عتاب المحبة. عتاب من يخاف على صاحبه من كثرة عطائه. وكانت المفاجأة الأولى… وجود أطباق من الفاكهة بالسيارة نظرت إليه، واستغربت، عساه خيرًا يا أحمد! قلت في نفسي: “حتى الفاكهة؟” لقد كانت مفاجأة جديدة. ثم صعدنا الغرفة…وكانت الحقيبة هناك.
أعدت الحديث معه مرة أخرى. أكدت عليه: “أبو حمزة… أرجوووووك، لا تتكرر.” وكنت أعلم أنه يعرف أنني لا أستخدم الأيمان في مثل هذه الأمور، لكنني كنت أريد أن تصل إليه الرسالة بوضوح: أن تقديري لكم لا يقاس بما تقدمون، وأن مكانتكم عندي أكبر من أي مائدة.
ولم تنتهِ المفاجآت عند الحقيبة…اتجهت إلى الثلاجة، وأنا أظن أن طعام اليومين السابقين ما زال في مكانه، فقد كنت مطمئنًا أن ما تبقى يكفيني، بل وربما يزيد. لكن… كانت المفاجأة الثالثة. فتحت الثلاجة… فلم أجد شيئًا من بقايا الطعام. توقفت لحظة. ليس لأن الطعام غاب… ولكن لأنني تساءلت: “عساه خيرًا يا أحمد؟ أين ذهب الطعام المتبقي؟” سألته بهدوء. فقال بما يحمل شيئًا من التردد: هل أوصى السائق أن يأخذه؟ في تلك اللحظة شعرت بشيء من الحزن… ليس حزنًا على الطعام. فالطعام يذهب ويأتي. ولكن الحزن كان على نفسي، لأنني كنت أتمنى أن أكون قد أوصلت رسالتي بوضوح: أنني لا أريد أن أحمّله ولا أهل بيته أي مشقة إضافية.
كنت أعلم في أعماقي أن الأمر لم يكن ليحدث إلا بتوجيه منه، وأن حرصه هو الذي دفعه لذلك، لكنه ــ من شدة أدبه وتواضعه ــ لم يرد أن يشعرني أنه أصر على ما طلبت منه ألا يفعله. وكأن لسان حاله يقول: “دعني أُكرمك دون أن أثقل عليك.” وهنا ظهر جمال آخر من أخلاقه… فليس كل إخفاء للحقيقة نقصًا، أحيانًا يكون محاولة لحماية مشاعر الآخر. وقد قال أحد الحكماء: “بعض الكرام يخفي معروفه مرتين، مرة حين يقدمه، ومرة حين يخشى أن يشعر صاحبه بأنه أحسن إليه.”
لقد أدركت أن أحمد لم يكن يبحث عن أن يُرى كرمه، بل كان يبحث فقط عن أن يصل أثره. فهو لم يأخذ الطعام القديم ليُفسح مكانًا للجديد فحسب… بل ربما كان يريد أن يضمن أن يصل ما أعدته أم حمزة طازجًا وفي أجمل صورة، وأن تبقى المائدة تحمل معنى العناية لا مجرد حفظ الطعام. ومع ذلك بقي في قلبي ذلك الشعور الجميل: أن الإنسان حين يحيط به أهل المروءة، يصبح حتى عتابه لهم نوعًا من المحبة، ويصبح اختلافه معهم اختلاف القلوب التي تريد الخير لبعضها. فقلت له مؤكدًا بمحبة: “يا أبا حمزة… أرجوك، لا يتكرر الأمر مرة أخرى.” لم تكن جملة منع… بل كانت جملة تقدير. فمن شدة محبتي لكم، لا أريد أن يتحول كرمكم إلى تعب عليكم. فأجمل العطاء هو ما يبقى معه صاحب العطاء مرتاح القلب مطمئن النفس.
غادر أحمد بعد السلام. ومضى. فتحت الحقيبة. وهنا… بدأ فصل جديد من الحكاية. لم تكن حقيبة طعام. كانت رسالة صامتة. فتحتها… فوجدت إناءً من الشيبسي وقد أُضيف إليه الفلفل الأسود بعناية، كأن حتى التفاصيل الصغيرة لها نصيب من الاهتمام. ثم إناء الأرز الأصفر. بلونه الجميل ورائحته التي تحمل دفء البيوت. ثم طبق الصوص الذي يكمل الحكاية. ثم الطبق الكبير… اللحم مع الشوربة. وهنا توقفت. فبعض الأطعمة لا تستوقفك لأنها فاخرة… بل لأنها جاءت في الوقت الذي تقول فيه القلوب: “نحن نفكر فيك.”
تأملت الموقف كله. وأدركت أن المشكلة لم تكن في الطعام. بل في إنسان تعود أن يعطي حتى أصبح التوقف عنده أمرًا صعبًا. هناك أشخاص إذا قلت لهم: “يكفينا.” فهم يسمعونها: “ما زال هناك مجال لأن أطمئن عليك أكثر.” وقد قال أحد الحكماء المغمورين: ” بعض الناس لا يعرفون معنى الاكتفاء في العطاء، لأن قلوبهم لا تعرف معنى التقصير.” وقال آخر: “حين يصبح الكرم طبعًا، يصبح المنع هو الشيء الغريب.”
اللهم بارك للعزيز أحمد عيد “أبي حمزة”، واجزه عن حسن خلقه وطيب نفسه خير الجزاء، وأدم عليه الصحة والعافية، وبارك له في عمره ورزقه وأهله، واجعل كل معروف قدمه سببًا لفتح أبواب الخير عليه. اللهم بارك للفاضلة الكريمة أم حمزة، واحفظها بعينك التي لا تنام، واشفها وعافها، وألبسها لباس الصحة والطمأنينة، واجعل كل ما صنعته يداها من خير وبركة في ميزان حسناتها. اللهم اجعل بيتهما بيتًا قائمًا على التقوى، عامرًا بالمودة، مملوءًا بالرحمة، واجعل بينهما سكينة لا تزول، ومحبة لا تنقص، وبركة لا تنقطع. اللهم ارزقهما الذرية الصالحة المباركة، واجعل أبناءهما قرة عين لهما، واجعلهم من أهل الخير والعلم والخلق، وبارك لهم في كل خطوة ومستقبل.
وفي نهاية تلك الليلة… أدركت أن بعض الناس إذا حاولت أن تمنع عنهم العطاء… زادوك منه. وأن هناك قلوبًا لا تحمل الطعام فقط… بل تحمل دعاءً صامتًا يقول: “اللهم لا تجعلني سببًا في جوع قلبٍ أحبه، ولا تجعل يدي خالية من خيرٍ أقدمه لمن حولي.” وهكذا بقيت مائدة الأربعاء… ليست في الأطباق التي امتلأت بها الحقيبة. بل في القلب الذي امتلأ بها المعنى.