
محمد تهامي
ليست كل الدعوات تُلبّى بالأقدام… بعضها يُلبّى بالقلوب قبل أن تتحرك الخطوات. وهناك دعوات لا تبدأ برسالة هاتف، ولا تنتهي بمصافحة عند الباب، وإنما تبدأ في مكانٍ أبعد، في مساحةٍ من المحبة الصادقة، حيث يصبح الاعتذار مستحيلًا، لأن أصحابه لا يعرفون إلا لغة واحدة: “وجودكم يُسعدنا.”
كان ذلك يوم السبت، الخامس والعشرين من يوليو 2026. وردني اتصال من العزيز الفاضل د محمود الجزار “أبو أيمن” يدعوني إلى الغداء. ابتسمت وأنا أستمع إليه. لكنني كنت أحمل في داخلي حرجًا كبيرًا. فهذا الرجل، ومنذ أن عرفته، لم يدع مناسبة تمر إلا وأحاطها بفيضٍ من الكرم، حتى غدوت أشعر أن كثرة إحسانه دينٌ يعجز الشكر عن وفائه. قلت له معتذرًا: ” يا أبا أيمن… لقد أكرمتمونا كثيرًا.”
وقبل أن أكمل اعتذاري… جاءني جوابه الذي أنهى كل أبواب الاعتذار: ما عندنا اعتذار.” لم تكن جملة. كانت قرارًا. وكانت تحمل من المحبة أكثر مما تحمل من الإصرار. وقد قال أحد الحكماء: “إذا أغلق الكريم باب الاعتذار، فاعلم أنه فتح باب المودة على مصراعيه.”
اقترب الموعد. وانطلقنا. لكن كمبالا في ذلك اليوم قررت أن تختبر صبرنا. ازدحامٌ طويل. وتوقفٌ متكرر. وكلما تقدمنا قليلًا، عاد الطريق ليزدحم من جديد. وفي وسط ذلك كله… كان الهاتف يرن. “أين وصلتم؟” لم يكن سؤالًا عن الوقت. بل سؤال قلبٍ ينتظر ضيفًا. وهنا أدركت أن الانتظار نفسه لونٌ من ألوان الكرم. فالذي يتابع وصولك خطوةً خطوة… قد استقبلك في قلبه قبل أن يستقبلك في بيته.
وصلنا أخيرًا. وقبل أن نعبر الباب… استقبلتنا ابتسامة أبي أيمن. ابتسامة لا تعرف الرسمية. ولا تُشعرك أنك زائر. بل تقول بصمتها: ” أهلًا بكم… لقد تأخرتم على مكانكم.” ومن أجمل ما قاله حكيم من أهل البادية: “البيوت لا تتسع بجدرانها… وإنما تتسع بابتسامة أصحابها.”
دخلنا… وكان هناك صحبة كريمة من المدعوين. تعارفٌ هادئ. وأحاديث تنساب كما ينساب الماء بين ضفتيه. لا تكلف. ولا تصنع. فالنفوس إذا تشابهت في الصفاء، اختصرت الطريق إلى الألفة. ثم… جاءت اللحظة التي أعلنت فيها المائدة عن نفسها. لكنها لم تبدأ بطبق. بل بدأت برائحة. شوربة السي فود. كانت أول رسولٍ يعلن أن ما ينتظرنا ليس غداءً عاديًا. بل رحلة بحرية كاملة. حقًا … بحيرة فيكتوريا نفسها أرسلت أمواجها إلى تلك المائدة.
ثم انكشف المشهد… فإذا بي أمام بوفيه بحري لا يشبه ما اعتدناه في المطاعم، بل يتجاوزه تنظيمًا، ويضاهيه احترافًا، ويتفوق عليه روحًا. هنا أدركت أنني لا أقف أمام طعام… بل أمام عملٍ فني. ومن خلف هذا الإبداع كانت تقف الفاضلة الدكتورة أم أيمن. لم تكن تعد أطباقًا. بل كانت تؤلف سيمفونية من النكهات. وقد قال حكيم: ” “الطاهي الماهر يملأ الأطباق… أما صاحب القلب الجميل فيملأ المكان بالطمأنينة.”
كان الأرز الصيادية أول من يرحب بنا. ثم جاء البلطي الصغير المشوي بالردة… حتى خُيل إليّ أن رائحة الشواء تحمل معها نسيم الشواطئ. ثم البلطي المقلي… ذلك اللون الذهبي الذي لا يحتاج إلى تعريف. ثم صينية السمك بالبطاطس… كأن فيكتوريا والأرض قررا أن يجلسا في طبقٍ واحد. وجاء الجمبري بالصوص، ثم فيليه السمك المقلي. ثم السمك السنجاري. ثم المكرونة بالجمبري. ولأن الجمال لا يكتمل إلا بالتوازن…
وقفت السلطات كحديقة مصغرة. سلطة خضراء. وكولسلو. وسلطة باذنجان. وسلطة البطاطس بالثوم. حتى خُيّل إليّ أن الطبيعة كلها جاءت لتشارك البحر احتفاله. ولم يكن الطعام كثيرًا فحسب… بل كان مرتبًا بعناية، وكأن كل طبق يعرف مكانه، وكل لون يعرف دوره، وكل نكهة جاءت لتكمل الأخرى.
ثم جاءت المائدة الثانية. ولم تكن ختامًا… بل كانت ابتسامة أخرى. سلطة الفواكه. وبلح الشام. وتشيز كيك المانجو. وأرز باللبن… وكأن الطفولة نفسها جاءت لتجلس معنا بعد الغداء. وقد قال أحد الحكماء: ” الحلوى ليست آخر الطعام… إنها أول الذكريات.”
لكن… هل كانت الحكاية في السمك؟ أبدًا. ولا في الجمبري. ولا في الحلويات. الحكاية كانت في البيت. في تلك الروح التي جعلت الضيف يشعر أن كل شيء أُعد له بمحبة. لقد كانت الدكتورة أم أيمن تطبخ بذوق الطبيبة التي تعرف أن الغذاء صحة، وبذوق الأم التي تعرف أن الطعام رسالة، وبذوق المضيفة التي تؤمن أن أجمل ما يُقدم للضيف ليس كثرة الأصناف، بل صدق المشاعر.
أما أبو أيمن…فكان بين ضيوفه كالأب بين أبنائه. عينه تبحث: هل شبع الجميع؟ هل ارتاحوا؟ هل يحتاج أحد شيئًا؟ وهذا هو الكرم الذي لا يُشترى. كرم الحضور. كرم المتابعة. كرم القلب.
وقد قال حكيم أفريقي لم يعرفه التاريخ، لكن عرفت حكمته القلوب: “حين يطعمك إنسان من وقته قبل طعامه، فاعلم أنك أكلت من قلبه.” وقال آخر: ” الضيافة ليست أن تمتلئ المائدة، بل أن يخرج الضيف وهو يشعر أن له مكانًا محفوظًا في البيت.”
وفي طريق العودة… لم أكن أفكر في عدد الأطباق. ولا في تنوع الأصناف. كنت أفكر في سؤال واحد: كيف يستطيع بعض الناس أن يجعلوا الكرم أسلوب حياة، لا مناسبة؟ وكيف تتحول البيوت عندهم إلى مدارس تُعلِّم قبل أن تُطعم؟ وربما وجدت الجواب في كلمة واحدة… الإخلاص. فإذا أخلص الإنسان في محبته… بارك الله في لقمة يده، وفي ابتسامته، وفي مجلسه، وفي أثره.
اللهم يا واسع الفضل والإحسان، بارك للعزيز الدكتور محمود الجزار (أبي أيمن)، وأدم عليه نعمة الكرم، وصفاء القلب، وحسن الخلق، وألبسه لباس الصحة والعافية، وافتح له من أبواب رزقك وخيرك ما تقر به عينه، واجعل بيته من البيوت التي تتنزل عليها الرحمة صباحًا ومساءً. اللهم بارك للفاضلة الكريمة الدكتورة أم أيمن، واجزها عن حسن صنيعها وإكرامها خير الجزاء، وبارك في يديها اللتين أطعمتا بمحبة، وأدم عليها نعمة الصحة والسكينة، واجعل كل معروف قدمته نورًا يسعى بين يديها يوم تلقاك.
اللهم بارك لهما في أبنائهم وبناتهم، واجعلهم قرة عين، وصلاحًا في الدين والدنيا، واحفظهم من كل سوء، وافتح لهم أبواب العلم والنجاح والتوفيق، واجعل بيتهم بيتًا قائمًا على التقوى، وسقفه الرحمة، وأرضه المودة، وهواءه الذكر، وساكنيه من أهل البر والإحسان.
وغادرت… لكن شيئًا مني بقي هناك. فقد أدركت أن بعض الموائد لا تُرفع بعد انتهاء الطعام… بل تبقى منصوبة في القلب. وأن بعض البيوت لا تُذكر لأنها واسعة، ولا لأنها جميلة، ولا لأنها عامرة بالأطباق… بل لأنها عامرة بأناسٍ إذا استقبلوك، شعرت أن الله قد أكرمك ببيتٍ آخر، وأسرةٍ أخرى، وذكرىً ستظل تُقرأ كلما اشتاقت الروح إلى معنى الكرم، تمامًا كما تُقرأ الروايات الخالدة التي لا يبهت جمالها مهما تعاقبت الأيام.