
محمد تهامي
ليست كل الرسائل تُكتب بالحبر… فبعضها يُترك على مقعد، أو بجوار باب، أو في زاوية هادئة من بهو فندق، فتظل تتحدث إلى القلب قبل أن تمتد إليها اليد.
وكان ذلك مساء الأربعاء، الحادي والعشرين من يوليو 2026، في كمبالا، بعد انتهاء برنامج يومٍ آخر من رحلة التحول المؤسسي. كان اليوم حافلًا بالجلسات، والنقاشات، وتأمل واقع المؤسسات وآفاقها، حتى إذا أسدل النهار ستاره، كان لي موعد سابق مع أحد الأصدقاء خارج الفندق. ودعت الزملاء واحدًا تلو الآخر، وتصافحنا على أمل لقاء الغد. وكان صديقي ينتظرني في باحة الفندق.
وأثناء خروجي… وقعت عيناي على حقيبة حمراء موضوعة في هدوء. توقفت لحظة. لكنني لم أسأل. فهذه عادة لازمتني منذ سنوات، ألا أسأل عما لا يعنيني، وألا أرهق الناس بالأسئلة، فما ليس لي لا أمد إليه فضولًا، وما لم يُطلب مني لا أقتحمه استفسارًا. وقد قال أحد الحكماء: ” راحة القلب تبدأ حين يتعلم الإنسان أن يمر ببعض الأشياء دون أن يسأل عنها.” ومضيت.
طال اللقاء مع الصديق. وامتدت ساعات الحديث حتى تأخر الليل. وحين عدت إلى الفندق، كان أول ما استقبلني… تلك الحقيبة الحمراء. ما زالت في مكانها. لم تتحرك. منها. هذه المرة لم يكن الفضول هو الذي دعاني إليها، وإنما الخوف. قلت في نفسي: ” لعل بداخلها شيئًا يحتاج إلى الثلاجة، أو طعامًا قد يفسده طول الانتظار.” وفتحتها… فإذا بها ليست حقيبة… بل بيتٌ كامل جاء إليّ. عرفت فورًا صاحبها. فهذا اللون من الكرم لا يخطئه القلب. إنه أبو حمزة أحمد عيد، ومعه شريكة هذا المعروف، الفاضلة الكريمة أم حمزة. ابتسمت… ثم قلت لنفسي: ” حتى حين أهرب من إحراجهم… يسبقني معروفهم.”
بدأت أخرج ما في الحقيبة. فكانت البداية مع علبة من السمبوسة. لكنها لم تكن مجرد مثلثات ذهبية. كانت حبات صغيرة من العناية، كأن كل واحدة منها أُغلقت على دعوة طيبة قبل أن تُغلق على حشوتها. ثم جاء الرقاق باللحم والخضروات. ذلك الرقاق الذي يحمل عبق البيوت، ويذكّر الإنسان بأن بعض الأطعمة لا تُشبع الجسد وحده، بل توقظ الذاكرة.
ثم طبق الأرز بالشعرية. هادئًا في منظره، عميقًا في معناه. وكأن الشعرية وهي تتداخل مع حبات الأرز كانت تقول: إن أجمل الأشياء هي التي تعرف كيف تنسجم مع غيرها دون أن تلغيها. ثم كان ختام المائدة… طبق كباب الحلة. وما أدراك ما كباب الحلة حين تصنعه يدٌ تعرف أن الطبخ رسالة، وأن الضيافة خلق، وأن اللقمة قد تصبح وسيلةً لزرع المحبة في القلوب.
في تلك اللحظة… لم أكن أتأمل الطعام. بل كنت أتأمل الإنسان الذي يقف وراءه. كم مرة قلت له: ” يا أبا حمزة… كفى.” وكم مرة كان يجيبني بفعله لا بكلامه. كأن المعروف عنده لا يعرف التقاعد. وكأن قلبه لا يجيد إلا لغة واحدة… لغة الإحسان. وقد قال أحد الحكماء: “الكرم الحقيقي لا يرفع صوته، بل يترك أثره ثم ينصرف في هدوء.” وقال آخر: ” إذا وجدت معروفًا ينتظرك في غياب صاحبه، فاعلم أن الإخلاص هو الذي تركه، لا المجاملة.”
تأملت الحقيبة الحمراء طويلًا. وفكرت… لو أن أحدًا مر بها في بهو الفندق، لرآها مجرد حقيبة. أما أنا… فكنت أراها كتابًا كاملًا في الأخلاق. كان لونها أحمر… لكن الذي ملأها لم يكن الطعام. بل حرارة المودة. وليس عجيبًا أن تُعد أم حمزة هذه المائدة بمحبة، ولا أن يحملها أبو حمزة في صمت، ثم يتركها دون اتصال، ودون انتظار لشكر، وكأن الخير عندهما عادة يومية لا تحتاج إلى إعلان. وهكذا يصنع أهل الفضل. يؤمنون أن أجمل المعروف هو الذي يصل قبل أن يُطلب، ويغادر قبل أن يُمدح. وقد قال حكيم أفريقي مجهول الاسم: ” الشجرة المثمرة لا تُحدِّث الطيور عن ثمارها، لكنها تترك الأغصان لتتكلم.” وهذا ما رأيته في أبي حمزة وأم حمزة. لم يتحدثا كثيرًا عن الكرم. بل تركا الأفعال تروي الحكاية.
اللهم يا واسع الفضل، بارك للعزيز أبي حمزة أحمد عيد، واجعل إحسانه شاهدًا له لا عليه، وأفض عليه من واسع رزقك، وافتح له أبواب الخير كما فتح للناس أبواب المودة، وأدم عليه نعمة الصحة والعافية، وبارك في عمره وعمله وأثره. اللهم واحفظ الفاضلة الكريمة أم حمزة، وألبسها لباس الصحة والعافية، واجعل كل ما أعدته بيديها في ميزان حسناتها، واجعل تعبها راحة، وسعيها نورًا، وإحسانها بابًا من أبواب الجنة.
اللهم اجعل بيتهما بيتًا مؤسسًا على التقوى، تظلله الرحمة، وتملؤه السكينة، وتتنزل عليه البركة صباحًا ومساءً، وأدم بينهما المحبة، وأقر أعينهما بالذرية الصالحة المباركة، واجعل أبناءهما وبناتهما من أهل القرآن، وأهل الخلق، وأهل البر والإحسان. اللهم كما جعلا موائدهما سببًا لإسعاد القلوب، فاجعل حياتهما كلها موائد من الخير، وأدم عليهما نعمك الظاهرة والباطنة، ولا تحرمهما لذة العطاء في الدنيا، ولا عظيم الثواب في الآخرة.
وأغلقت الحقيبة… لكنها بقيت مفتوحة في الذاكرة. وأدركت أن بعض الحقائب لا تحمل الطعام… بل تحمل رسالة تقول: “قد تنتهي أيام البرامج، وتغلق قاعات الاجتماعات، وتطوى أوراق العمل… أما المعروف الصادق، فإنه لا يُطوى، بل يبقى حيًا في القلب، يرافق صاحبه حيثما سار، ويشهد أن أجمل ما يُبنى في الحياة ليس المؤسسات وحدها… بل الإنسان.”