مائدةٌ خرجت من البحر… وعادت إلى ذاكرة الأمهات

محمد تهامي

محمد تهامي

يومٌ في نامبولا لم يكن فيه السمك طعامًا… بل حكايةً تُشوى على الجمر

السبت 1 أغسطس 2026 – نامبولا، موزمبيق

لم يكن ذلك اليوم الأول في نامبولا يومًا عاديًا من أيام الزيارة الميدانية. كان يومًا بدأت ساعاته بين المشروعات، وانتهت عند مائدةٍ بحرية كتبت حكايتها على الجمر، ووقّعتها بالمحبة، وتركت في الذاكرة رائحةً لا تشبه رائحة الطعام وحده. فبعض الموائد تُعدّ في المطابخ… وبعضها يولد من تفاصيلٍ صغيرة، ثم يكبر حتى يصبح ذكرى. أما هذه المائدة، فقد بدأت باتصالٍ قصير، وانتهت بحكايةٍ طويلة. كنا برفقة الفاضل م محمود مصباح، نواصل الزيارات ونتفقد المشروعات، وننتقل بين المواقع حاملين أسئلة العمل، ومسؤولية المتابعة، والرغبة في أن نرى الواقع كما هو، لا كما تصفه الأوراق.

وفي ختام الزيارات، وبينما كنا في الطريق، أجرى الفاضل إسلام اتصالًا بالفاضل م محمود. قال له: “دقيقة ونصف ونكون عندكم“. كانت عبارةً عادية في ظاهرها… لكنها كانت تخبئ خلفها مفاجأةً لم تكن في الحساب. وصلنا إلى منزل الفاضل إسلام، وتهيأنا للقاءٍ عابر، أو جلسةٍ قصيرة نستريح فيها قبل أن نواصل البرنامج. لكن بعض البيوت لا تعرف معنى الزيارة العابرة. تستقبلك وكأنها كانت تنتظرك منذ زمن.

خلف المنزل… حين اشتعلت الذاكرة قبل أن يشتعل الحطب

ما إن وصلنا حتى كانت المفاجأة. في مساحةٍ مفتوحة خلف المنزل، كان الفاضل إسلام يقف أمام موقدٍ من الحطب. لم تكن هناك أجهزة حديثة، ولا مطبخٌ مغلق، ولا أطباقٌ خرجت جاهزة من خلف الأبواب. كان هناك حطب… وجمر… وصاجٌ كبير يعلو النار… وأسماكٌ تنتظر لحظة التحول من خيرات البحر إلى حكايةٍ على المائدة. كان السمك يُغطى بالردة، ثم يُوضع فوق الصاج، فتبدأ النار في أداء دورها القديم. تتراقص ألسنة اللهب تحت الصاج، ويصعد الدخان في هدوء، ثم تنتشر الرائحة في المكان، رائحةٌ لا تصل إلى الأنف وحده، بل توقظ ذاكرةً بعيدة.

وفي لحظةٍ، لم أعد في نامبولا. عاد بي المشهد إلى زمنٍ تجاوز أربعة عقود. إلى أيام الأمهات… إلى البيوت التي كانت تعرف أن النار ليست وسيلةً للطهي فقط، بل جزءٌ من الحكاية. إلى زمنٍ كان الطعام يُصنع ببطء، وكأن الوقت نفسه يدخل في مكوناته. قلت للفاضل إسلام، وأنا أتابع المشهد: “أعطني قطعةً من السمك لم يكن طلبًا من جوع. كان طلبًا من الذاكرة. أردت أن أتذوق السمك وهو خارجٌ لتوه من الجمر، قبل أن ينتقل إلى الأطباق، وقبل أن يكتمل المشهد. فمنذ أكثر من أربعين عامًا، لم أرَ هذا الشواء المباشر كما رأيته في ذلك اليوم. لم تكن قطعة السمك مجرد لقمة… كانت بابًا فتحه الجمر إلى زمنٍ قديم. وقد قال حكيمٌ: “بعض الروائح لا تدخل الأنف… بل تدخل العمر، وتوقظ في الإنسان بيتًا ظن أنه غادره منذ سنين“.

“مَيّة السمك” اسمٌ صغير يحمل عمرًا كاملًا

وبعد أن يكتمل الشواء، كان للسمك طقسٌ آخر. يُرفع من فوق الصاج، ثم يوضع في الماء. وهنا عادت إلى الذاكرة تسميةٌ قديمة كانت الوالدة، رحمها الله، تطلقها على تلك المرحلة: “مَيّة السمك.” يا الله… كيف يمكن لكلمتين بسيطتين أن تعيدا إنسانًا إلى طفولته؟ كيف يمكن للماء أن يحمل رائحة الأم؟ وكيف يمكن لمشهدٍ في نامبولا أن يفتح نافذةً على مطبخٍ قديم، وعلى يدين كانتا تصنعان الطعام بحب؟ ثم يُنقل السمك إلى إناءٍ مستقل، ويستقر بعد رحلته بين الحطب والجمر والماء، استعدادًا لأن يصل إلى المائدة. وفي تلك اللحظة، بدا لي أن الطعام لا يُطهى بالمكونات وحدها. فالنار تضيف إليه شيئًا… والوقت يضيف إليه شيئًا… واليد التي تصنعه تضيف إليه شيئًا… أما الذكريات، فتمنحه طعمًا لا يمكن لأي وصفة أن تكتبه.

قبل المائدة… ضيافةٌ تسبق الطعام

وبينما كان الجمر يواصل عمله، لم يكن الانتظار فراغًا. قُدم لنا مشروب الأناناس البارد، بطعمه المنعش، وكأن الفاكهة جاءت لتطفئ حرارة الجمر. وتنوعت الفاكهة، فاجتمع طعم الأرض مع رائحة البحر. كان المشهد بسيطًا، لكنه مكتمل. حطبٌ مشتعل… وسمكٌ يُشوى… وفاكهةٌ طازجة… وحديثٌ هادئ… وصحبةٌ طيبة. ثم حان وقت صلاة العصر. فتوقفت المائدة قبل أن تبدأ. وكان في ذلك معنى جميل: أن الطعام ينتظر… أما النداء إلى الله فلا ينتظر. أدينا الصلاة، وعاد الجميع إلى المكان، فإذا بالنداء الرقيق يأتي: “تفضلوا لم تكن كلمة دعوة إلى الطعام وحده. كانت دعوة إلى مائدةٍ أُعدّت باليد، وانتظرتنا بالمحبة.

حين دخلنا الغرفة… دخل البحر قبلنا

انتقلنا إلى إحدى غرف المنزل. وما إن دخلنا حتى بدا أن البحر قد سبقنا إلى المائدة.  كانت الأطباق مصطفةً، لا في تكلفٍ يرهق العين، بل في ترتيبٍ يجعل كل صنفٍ يحكي قصته. في المقدمة، صوانٍ من سمك البلطي المشوي بالردة…بلونه الذهبي، ورائحته التي حملت معها أثر الحطب والجمر. وبينها أسماكٌ مشوية تشبه البوري الصغير، كأنها جاءت من شواطئ بعيدة لتستقر في  بيتٍ جمع البحر والكرم.ثم كانت المفاجأة البحرية الكبيرة:استاكوزةٌ ضخمة الحجمتجلس في طبقها كأنها ضيفةٌ جاءت من أعماق المحيط. وبجوارها صينية من الكابوريا، وقد احتفظت بلون البحر وهيبته. ثم جاءت صواني أرز الصيادية

يا لها من حكاية! أرزٌ يحمل لون البحر، ورائحة السمك، وأثر التوابل، حتى يحتار الإنسان: هل يبدأ بالسمك؟ أم يترك السمك قليلًا ليكتشف ما صنعه الأرز؟ وكانت شوربة الروبيان -الجمبري– تضيف إلى المائدة دفئًا آخر؛ بحرٌ في طبق، لكنه يحمل حرارة البيت. أما الباذنجان المخلل، فكان يحمل طعمًا مصريًا أصيلًا، وكأن المائدة أرادت  أن تجمع بين سواحل موزمبيق وذكريات البيوت العربية. وجاء طبقٌ كبير من السلطة الخضراء، كأنه بستانٌ صغير جلس بجوار البحر. ثم البصل الأخضر، بأوراقه الطازجة، ليقول إن أجمل الموائد لا تكتمل بالفخامة وحدها، بل بما فيها من بساطة. نظرنا إلى المائدة… ثم نظرنا إلى بعضنا. كانت أكبر من أن تُسمى وجبة. وأدفأ من أن تُوصف بأنها ضيافة. كانت رسالةً تقول: “لقد أعددنا لكم ما نحب، لا ما يكفي فقط”.

حين يصبح الكرم جهدًا لا يُرى

في بعض الموائد، ترى الطعام… لكن لا ترى ما وراءه. أما هنا، فقد كان كل طبق يحمل أثر يدٍ، ووقتٍ، وتعبٍ، وتعاون. من اشترى السمك… ومن أعدّه… ومن جهّز الحطب… ومن أشعل النار… ومن وقف أمام الصاج… ومن رتب الأطباق… ومن قدمها بمحبة… كلهم كانوا شركاء في مائدةٍ واحدة. ولهذا لم يكن الكرم في كثرة الأصناف فقط. كان في الجهد الذي سبقها. وقد قال حكيمٌ من أهل القرى: “أكرم الضيافات ليست التي تملأ المائدة، بل التي ترى في كل طبقٍ منها يدًا تعبت لتقول لك: وجودك يسعدنا“. وكان الفاضل إسلام حاضرًا في كل تفصيلة. لم يجلس بعيدًا ينتظر الطعام. بل وقف خلف المنزل، أمام النار، يشارك في الشواء، ويتابع التفاصيل، وكأن الضيافة عنده ليست مهمةً تُسلّم، بل محبةٌ يجب أن تُعاش.

الشاي على الحطب… حين لا تنتهي الحكاية بانتهاء الطعام

وبعد أن هدأت المائدة، لم ينته اللقاء. خرج الشاي… لكن لم يكن شايًا عاديًا. كان شايًا يُعد على الحطب. يا لجمال التفاصيل حين تكتمل! فالجمر الذي بدأ به حكاية السمك، عاد ليكتب خاتمة الشاي. جلسنا، ورائحة الحطب ما زالت في المكان. كان للشاي طعمٌ آخر؛ ربما لأن الجمر شارك في صنعه، وربما لأن الحديث كان هادئًا، وربما لأن الإنسان حين يشعر بالراحة، يجد في أبسط الأشياء جمالًا أكبر. ثم جاءت الكيكة، لتضيف إلى الجلسة حلاوةً أخرى. ودار إبريق الشاي مرةً ثانية. فبعض الجلسات لا يكفيها كوبٌ واحد. وبعض الأحاديث لا ينبغي أن تنتهي سريعًا. قال أحد الحكماء: “إذا كان الحديث طيبًا، صار الشاي وسيلةً لإطالة الوقت، لا لإرواء العطش“.

المغرب… وسورة الرحمن

ومع اقتراب المغرب، هدأت الأصوات. ثم جاء النداء. قمنا إلى الصلاة، وكان للقرآن في ختام اليوم حضورٌ يليق بما عشناه. تُليت آيات من سورة الرحمن… وكانت الآيات تمر على القلب، وكأنها تسألنا بعد كل نعمة رأيناها: فبأيِّ آلاء ربكما تكذبان؟” كيف لا نتذكر نعم الله ونحن نرى البحر يهب خيره؟ وكيف لا نشكره ونحن نجتمع على مائدةٍ صنعها الكرم؟ وكيف لا نحمده وقد جمع بين قلوبٍ من بلدان وتجارب مختلفة، ثم جعلها تجلس في بيتٍ واحد على المحبة؟ كان ختامًا لا يحتاج إلى كلمات كثيرة. فبعد الطعام… كان الحمد. وبعد الكرم… كان الدعاء. وبعد اللقاء… كانت السكينة.

دعاءٌ لبيتٍ أشعل الحطب وأضاء القلوب

اللهم بارك للفاضل إسلام، واجزه عنا خير الجزاء على ما أحاطنا به من كرمٍ، وصدق مودةٍ، وجميل اهتمام. اللهم بارك له في عمره وعمله وصحته، وافتح له أبواب الخير والرزق والطمأنينة، واجعل كل ما قدمه في ميزان حسناته. اللهم بارك لزوجته الكريمة، وأدم عليها الصحة والعافية، واجعل بيتهم عامرًا بالمحبة والسكينة، كما كان عامرًا في ذلك اليوم بالكرم والبذل. اللهم احفظ أبناءهم، وأقر أعين والديهم بصلاحهم، ووفقهم لكل خير، واجعلهم امتدادًا طيبًا لبيتٍ عرف أن أجمل ما يملكه الإنسان هو أن يمنح غيره من قلبه قبل أن يمنحه من مائدته.

اللهم بارك لكل من شارك في إعداد هذه المائدة؛ من بذل وقتًا، أو حمل طعامًا، أو أعد طبقًا، أو أشعل نارًا، أو قدّم ضيافة. اللهم اجعل كل جهدٍ بُذل فيها صدقةً مقبولة، وكل لقمةٍ أُطعمت بركةً في الرزق، وكل ابتسامةٍ قُدمت نورًا في القلوب. اللهم احفظ أهل نامبولا، وبارك في أهل موزمبيق، وانشر بينهم الأمن والخير والعافية، واجعل المحبة التي جمعتنا بدايةً لعلاقاتٍ صادقة وأعمالٍ نافعة وأثرٍ ممتد.

الخاتمة… لم تكن مائدة بحرية

حين غادرنا بيت الفاضل إسلام، لم نحمل معنا طعم السمك وحده. حملنا رائحة الحطب… وصوت الجمر… وصورة الصاج الكبير… وقطعة السمك التي أعادت إلى القلب زمنًا تجاوز أربعة عقود. حملنا كلمة مَيّة السمك. كما كانت تقول الوالدة، رحمها الله…وحملنا يقينًا أن بعض التفاصيل الصغيرة تستطيع أن تعيد الإنسان إلى عمرٍ كامل. لم تكن تلك مائدة بحرية. كانت مائدةً جمعت: بحر موزمبيق وذاكرة الأمهات… وكرم البيوت… وصحبة الطريق… وبركة الصلاة… وحمد الله. وكان أجمل ما فيها أن السمك لم يُشْوَ وحده… بل شُويت معه مسافات الغربة. فصار البيت قريبًا. وصار الماضي حاضرًا. وصارت المائدة ذكرى. وإذا سألني أحد بعد سنوات: ما أجمل ما رأيت في أول يومٍ لك في نامبولا؟ فلن أقول: السمك… ولا الاستاكوزة… ولا الكابوريا… ولا أرز الصيادية…سأقول: رأيت رجلًا يقف خلف بيته أمام موقد الحطب، يشوي السمك بيديه لضيوفه… فعرفت أن بعض الكرم لا يُقدَّم على المائدة، بل يُشعل جمره في القلب أولًا.

وهكذا انتهى اليوم الأول في نامبولا… لكن رائحة الحطب بقيت. وبقيت معها حكايةٌ لا تنتهي: أن أجمل الموائد ليست التي تخرج من البحر بل التي تخرج من قلبٍ كريم، ثم تعود لتعيش في الذاكرة إلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top