
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
كان الفجرُ يتسلّل بهدوءٍ فوق طرق موزمبيق، وأنا في الطريق إلى نامبولا.
خلف زجاج السيارة، كانت الأرض تمتدّ واسعةً، حمراءَ كأنها تحمل في تربتها ذاكرةَ آلاف السنين. تمرّ القرى الصغيرة، وتلوّح الأشجار من بعيد، ويخرج الأطفال إلى حوافّ الطريق بوجوهٍ لا تعرف أسماءنا، لكنها تعرف لغةً أقدم من الأسماء: لغة الرجاء.
كان الطريق طويلًا…أو هكذا بدا.
ثم نظرتُ إلى التاريخ.
01 أغسطس 2026.
توقفتُ أمام الرقم طويلًا.
لم يكن يومًا جديدًا في تقويم الحياة.
كان بابًا قديمًا يُفتح.
وفجأةً لم أعد في الطريق إلى نامبولا… عدتُ إلى 01 أغسطس 1988.
عدتُ إلى ذلك الفتى الذي خرج يومها إلى عمله، يحمل في قلبه أحلامًا صغيرة، ولا يدري أن الله كان يخبئ له طريقًا أكبر من كل ما تخيّل.
لم يكن يعلم أن خطوةً عادية ستصبح رحلة. وأن وظيفةً ستتحول إلى رسالة.
وأن أيامًا تُحسب بالراتب والمواعيد ستصبح سنواتٍ تُقاس بعدد القلوب التي مرّت بها الرحمة.
لم يكن يعلم أن الطريق سيأخذه إلى أطفالٍ لم يولدوا يوم بدأ، وإلى قرى لم تكن تعرف اسمه، وإلى مدارس ستضيء عقولًا، ومساجد سترفع الأذان، وآبارٍ ستجري منها الحياة، ومراكزَ صحية ستنتظر خلف أبوابها أمٌّ خائفة ومريضٌ يرجو الشفاء.
لم يكن يعلم أن بعض الناس سيصبحون أهله دون نسب… وأن بعض الأطفال سيصبحون أبناءه دون أن يحملوا اسمه…
وأن دعوةً تخرج من قلب أمٍّ في قرية بعيدة قد تكون أعظم مكافأة ينالها الإنسان في عمره كله. لقد كنتُ أظن أنني ذهبتُ إلى العمل. ثم اكتشفتُ بعد أعوام أن العمل هو الذي جاء بي إلى نفسي.
يقول الكاتب الأمريكي جيمس بالدوين “ليس كل ما نواجهه يمكن تغييره، لكن لا شيء يمكن تغييره حتى نواجهه.” ولعل العمل الإنساني يبدأ من هذه اللحظة…
من لحظة أن نرى الألم ولا نُدير وجوهنا. أن نسمع الحكاية ولا نغلق أبواب القلب. أن نقف أمام الحاجة، لا لنسأل: من المسؤول؟
بل لنسأل: ماذا يمكن أن أفعل؟
فالإنسان لا يصبح إنسانيًّا لأنه يعمل في مؤسسةٍ خيرية، ولا لأنه يحمل لقبًا، ولا لأن اسمه يُكتب على تقريرٍ أو لوحة مشروع. الإنسان يصبح إنسانيًّا حين يشعر أن وجعًا بعيدًا يخصّه. حين يرى طفلًا لا يعرفه، فيخاف على مستقبله. وحين يسمع عن قريةٍ عطشى، فيشعر أن الماء يجب أن يصل إليها. وحين يعلم أن أمًّا نامت وهي تخفي جوعها عن أطفالها، فلا يستطيع أن يمرّ من الخبر كما يمرّ العابرون.
العمل الإنساني ليس مهنةً فقط.
إنه اتساعٌ في القلب. وكلما اتسع القلب، ضاقت المسافات.
أكملنا الطريق إلى نامبولا.
كانت القرى تمرّ واحدةً بعد أخرى.
في بعضها بيوت متواضعة.
وفي بعضها أطفال يركضون حفاةً، ثم يبتسمون كما أن العالم لم يخذلهم يومًا. وفي بعضها امرأة تحمل الماء فوق رأسها، وتمضي بثباتٍ يشبه الدعاء.
كنت أنظر إليهم، وأشعر أنني لا أزور مكانًا جديدًا. كنت أعود إلى السؤال الأول: لماذا بدأنا؟
بعد ثمانية وثلاثين عامًا، لم يعد الجواب في الأوراق. لم يعد في التقارير. ولم يعد في عدد المشروعات، ولا في أسماء البلدان، ولا في المناصب التي مرّت.
الجواب كان هناك… في عين طفل.
وفي يد امرأة. وفي مدرسةٍ تفتح أبوابها صباحًا. وفي مريضٍ يجد سريرًا. وفي يتيمٍ يشعر أن في هذا العالم من يسأل عنه. وفي بئرٍ لا يعرف الناس أسماء من حفروه، لكنهم يذكرون الله كلما شربوا.
عندها فهمت أن أجمل الأعمال هي التي يبقى أثرها حين يغيب أصحابها.
وأن أعظم العطاء ليس ما نراه ونحن أحياء، بل ما يستمر حين لا نعود قادرين على رؤيته.
كتب الفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس: “ما ليس نافعًا للخلية لا يكون نافعًا للنحلة.” وكأنها رسالةٌ قديمة للعاملين في خدمة الإنسان:
لا يكتمل خير الفرد إذا بقي المجتمع جائعًا. ولا ينجو القلب وحده إذا كانت حوله قلوبٌ تُترك للوجع.
فنحن، مهما اختلفت أسماؤنا وبلداننا ولغاتنا، نعيش في خليةٍ واحدة. إذا عطش طفلٌ في أقصى الأرض، نقص شيءٌ من إنسانيتنا.
وإذا حُرم طالبٌ من التعليم، تأخر مستقبلٌ يخصّ العالم كله. وإذا بقي مريضٌ بلا علاج، فإن الألم لا يبقى في جسده وحده؛ بل يمتدّ إلى ضميرنا جميعًا. لهذا لم يكن العمل الإنساني يومًا إحسانًا من قويٍّ إلى ضعيف.
إنه اعترافٌ عميق بأننا عائلةٌ بشرية واحدة. وأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تتوقف عند الحدود.
يا كل من يعمل في هذا الطريق…
يا من تحمل ملفات المشروعات، وتتنقل بين الاجتماعات، وتراجع الميزانيات، وتكتب التقارير، وتزور القرى، وتجلس مع المانحين، وتتابع التنفيذ، وتبحث عن حلٍّ حين تتعقد الأمور… لا تظن أن عملك أوراق.
خلف كل رقمٍ إنسان.
وخلف كل اعتمادٍ قصة.
وخلف كل تأخيرٍ قلبٌ ينتظر.
وخلف كل مشروعٍ طفلٌ قد تتغير حياته بسبب قرارٍ اتخذته بإخلاص.
لا تسمح لضجيج الإجراءات أن يُنسيك الإنسان. ولا تجعل كثرة الملفات تُطفئ دهشتك الأولى.
فربما كان في تقريرٍ تراجعه الآن مستقبلُ طفل. وربما كان في توقيعٍ تؤجله ماءُ قرية.
وربما كانت مكالمةٌ تظنها عابرة سببًا في إنقاذ حياة.
لقد علّمتني السنوات أن الإنسان قد يبدأ العمل وهو يريد أن يغيّر العالم… ثم يكتشف، بعد عمرٍ طويل، أن العالم هو الذي غيّره.
وفي الطريق إلى نامبولا، سألتُ نفسي: ماذا أقول لذلك الفتى الذي خرج صباح الأول من أغسطس عام 1988؟
هل أقول له: ستتعب؟
نعم… فطريق الإنسان طويل.
وستمرّ بأيامٍ يثقل فيها الحمل، وتتعثر فيها الخطط، وتقلّ الموارد، وتكثر الأسئلة.
ستعرف أن بعض المشروعات لا تنجح من المحاولة الأولى.
وأن بعض الأحلام تحتاج أعوامًا كي تجد من يؤمن بها.
وأن العمل للناس قد يعلّمك الصبر أكثر مما يعلّمك النجاح.
لكنني سأقول له أيضًا:
امضِ. فإن الله سيضع في طريقك أناسًا يعلّمونك معنى الوفاء.
وسيرسل إليك أطفالًا يفتحون في قلبك أبوابًا لم تكن تعرفها.
وسيمنحك صحبةً تحمل معك التعب.
وسيكتب لك أن ترى دعواتٍ لا تُشترى، وابتساماتٍ لا تُقدّر بثمن.
وسيأتي يومٌ، بعد ثمانية وثلاثين عامًا، تجد نفسك في طريقٍ بعيد في موزمبيق…
فتفهم أن كل خطوةٍ مضت لم تكن ضائعة. وأن الله كان يقودك، خطوةً بعد خطوة، إلى الإنسان.
يا أبي…
يا أمي…
رحمكما الله رحمةً تملأ قبريكما نورًا وطمأنينة. إن كان في العمر صفحةٌ أستطيع أن أعيد كتابتها، لكتبتُ فيها اسمي تحت اسميكما، وقلت:
كل ما كان في قلبي من رحمةٍ، تعلّمته أولًا في بيتكما. منكما تعلّمت أن الخير لا يحتاج ضجيجًا. وأن اليد التي تعطي لا تنتظر التصفيق. وأن الإنسان قد يترك في الدنيا أثرًا أكبر من اسمه. رحمكما الله بعدد من مرّوا في حياتي، وبعدد من أحببتهم، وبعدد الدعوات التي صعدت من قلوبٍ لم تعرف أسماءنا.
واجعل يا رب كل خيرٍ وصل إلى إنسانٍ، وكل جوعٍ خفّ، وكل عطشٍ ارتوى، وكل طفلٍ تعلّم، وكل مريضٍ تعافى، وكل يتيمٍ شعر بالأمان… نورًا يصل إليكما في قبريكما.
وإلى أسرتي الكريمة…
إلى الذين تحمّلوا غيابي حين كانت الطرق طويلة. وإلى الذين صبروا حين أخذتني الاجتماعات والسفر والمشروعات. وإلى الذين لم يجعلوا من انشغالي عتابًا، بل جعلوا منه مساحةً لأواصل. أنتم لم تكونوا خلف الرحلة… كنتم جزءًا من الطريق. كل نجاحٍ كان فيه شيءٌ من صبركم. وكل خطوةٍ حملت دعاءكم.
وكل بلدٍ وصلت إليه، كان في حقيبتي شيءٌ من محبتكم. لقد منحتموني الأجواء التي أطلقتني، والثقة التي حملتني، والطمأنينة التي جعلتني أعود كل مرةٍ لأبدأ من جديد.فجزاكم الله عن كل لحظة صبر، وكل غيابٍ احتملتموه، وكل دعاءٍ أخفيتموه في قلوبكم… خيرًا لا ينفد.
وإلى صحب الطريق…
إلى من التقينا في بدايات العمر، ومن جمعنا مشروع، أو سفر، أو موقف، أو حلم.إلى من حملوا معي الملفات، وشاركوا التعب، وفتحوا الأبواب، وصنعوا من الصعوبات فرصًا.
إلى المانحين الكرام الذين آمنوا بأن المال حين يمرّ من القلب يصبح حياة.
إلى العاملين المخلصين الذين يذهبون إلى الميدان قبل أن تصل الصور إلى الشاشات.
إلى الشركاء الذين جعلوا من التعاون جسورًا بين الشعوب.
إلى كل من قال كلمة طيبة في وقتٍ احتجت إليها…
وإلى كل من دعا دون أن يخبرني…
وإلى كل من حمل جزءًا من هذا الطريق، ولو لساعة…
لكم في هذه الرحلة أثرٌ لا يمحوه الزمن.
ها هو الأول من أغسطس يعود.
لكنني لا أحتفل بعدد السنوات.
فالعمر لا يُقاس بما مرّ منه…
بل بما بقي منه في قلوب الآخرين.
ولا أسأل: كم عامًا عملت؟
بل أسأل: كم إنسانًا جعلتُه يشعر أنه ليس وحده؟
كم طفلًا وجد بابًا للتعليم؟
كم أمًّا نامت مطمئنة؟
كم مريضًا وجد من يقف إلى جواره؟
كم قريةً وصل إليها الماء؟
كم إنسانًا أعاد إليه الخير إيمانه بالبشر؟
ذلك هو العمر الذي يستحق أن يُحتفل به.
وأنا في الطريق إلى نامبولا، أدركت أنني لم أصل بعد. فكل طريقٍ ينتهي عند مشروعٍ، يبدأ من إنسان.
وكل إنجازٍ نراه، يخفي خلفه واجبًا جديدًا. وكل يدٍ نصل إليها، تكشف لنا يدًا أخرى تنتظر.
لهذا سأواصل بإذن الله
ما دام في القلب متسعٌ للرحمة.
وما دام في الأرض طفلٌ يحتاج إلى فرصة.
وما دام في العالم إنسانٌ ينتظر من يقول له: أنا أراك… وأنت لست وحدك.
اللهم… اجعل ما مضى من أعمارنا شكرًا، وما بقي عملًا، وما نختم به أثرًا طيبًا.
اللهم ارحم أبي وأمي رحمةً لا تنتهي، وأنر قبريهما، ووسّع مدخلهما، واجعل كل خيرٍ تعلّمته منهما صدقةً جاريةً في ميزان حسناتهما.
اللهم احفظ أسرتي الكريمة، وأجزها عن صبرها ومحبتها وتضحياتها خير الجزاء، وبارك في أعمارهم وأيامهم، واجعل بيوتهم عامرةً بالسكينة والرضا.
اللهم احفظ صحب الطريق، وبارك في أعمارهم وأعمالهم وأهليهم، واجمعنا دائمًا على الخير، ولا تحرمنا لذة العطاء ولا شرف الخدمة.
اللهم بارك للمانحين في أموالهم وأعمارهم وأهلهم وذرياتهم، واجعل ما قدّموه نورًا لهم في الدنيا، وذخرًا لهم يوم يلقونك.
اللهم احفظ العاملين في الميدان، وثبّت أقدامهم، وأخلص نياتهم، وافتح لهم أبواب الخير، واجعل تعبهم راحةً في قلوب المحتاجين، وأثرًا باقيًا بعد رحيلهم.
اللهم لا تجعلنا نرى ألمًا فنمرّ، ولا نسمع نداءً فنصمت، ولا نملك قدرةً على الخير فنؤخرها.
واجعلنا يا رب جسورًا لا حواجز…
وأيديَ تصل، لا أبوابًا تُغلق…
وقلوبًا تتسع للناس جميعًا.
وفي الأول من أغسطس عام 1988…
لم يبدأ عمل. بدأت رحلةٌ إلى الإنسان.
وفي الأول من أغسطس عام 2026… بإذنه سبحانه وتعالى
ما زلتُ على الطريق.
وما زال في القلب…
متّسعٌ للعالم.