
محمد تهامي
قد يظن بعض الناس أن كرم الضيافة لا يكون إلا حين تمتلئ الموائد بما لذَّ وطاب، لكن الذين جابوا البلاد، وخالطوا القلوب، يعلمون أن بعض المجالس الصغيرة تُخلِّف في الذاكرة من الأثر ما لا تخلِّفه الولائم الكبيرة. فكما قال أحد الحكماء: “ليس كل مجلسٍ واسعٍ يتسع للقلب، وليس كل مائدةٍ كبيرةٍ تُشبع الروح.”
في مساء الأربعاء 05 أغسطس 2026، وبين محطات الرحلة الميدانية في نامبولا، جاءتنا دعوة رقيقة من الزول العزيز سامي. لم تكن دعوةً إلى وليمةٍ فاخرة، بل إلى لقاءٍ يحمل من البساطة ما يكفي ليُذكِّر الإنسان بأن أجمل الضيافات هي تلك التي تُولد من المحبة، لا من التكلف.
وصلنا إلى منزله المبارك في أحد أحياء نامبولا، وكانت البيوت من حولنا تحكي هدوء المدينة، بينما كان باب المنزل يروي قصةً أخرى، قصة استقبالٍ صادقٍ لا يحتاج إلى مقدمات. فما إن دخلنا حتى شعرنا أن الترحيب قد سبق الكلمات، وأن الابتسامة قد أدت رسالتها قبل أن تنطق الشفاه.
وفي صدر المجلس استقرت مائدة مستديرة، لكنها بدت وكأنها دائرة من الألفة، اجتمع حولها الود قبل أن يجتمع حولها الطعام.
كانت الفاكهة أول المستقبلين… عناقيد من العنب، وموزٌ يحمل دفء الأرض التي أنبتته، وكأن الطبيعة جاءت بنفسها لتشارك أهل البيت كرمهم.
ثم جاء بطل الأمسية…
الذرة المشوية على الجمر.
ذلك المشهد الذي يعيد الإنسان إلى أيام البساطة، حين كان للطعام رائحة، وللنار حكاية، وللانتظار متعة. كانت حبات الذرة قد اكتست بلونٍ ذهبيٍّ رسمته النار برفق، حتى خُيِّل إلينا أن الجمر لم يكن يطهوها، بل كان يكتب عليها سطورًا من الذكريات.
قال أحد الحكماء: “النار لا تُظهر جمال الذهب وحده… بل تُظهر أيضًا جمال الأشياء البسيطة.”
وحقًا… كم من طعامٍ بسيطٍ صار عظيمًا لأنه قُدِّم بمحبة.
وحول الذرة تناثرت أطباق المكسرات؛ فستقٌ، وكاجو، وزبيب، وكأنها رسائل صغيرة تخبر الضيف أن الكرم لا يعرف حجمًا، بل يعرف قلبًا يفيض بالعطاء.
أما المشروبات، فقد تنوعت بين العصائر الباردة والمشروبات الساخنة، وكل كوبٍ منها كان يحمل دفئًا آخر، دفء الصحبة التي تجعل للماء مذاقًا مختلفًا، وللشاي حديثًا لا ينتهي.
غير أن أجمل ما في تلك الأمسية لم يكن ما على المائدة… بل ما دار حولها.
امتد الحديث مع العزيز الزول سامي عن خريطة إفريقيا، وعن المدن التي زارها، والطرق التي سلكها، والشعوب التي عاش بينها، وكيف تتحول الحدود على أيدي أصحاب الرسالة إلى جسورٍ للتعارف، لا حواجز للتباعد.
كان يتحدث عن القارة كما يتحدث المرء عن أفراد أسرته؛ يعرف ملامحها، ويحفظ أسماءها، ويبتسم وهو يستعيد مواقفها.
وهنا تذكرت قول الرافعي:
“السفر لا يغيّر الأرض… لكنه يغيّر الإنسان الذي يمشي فوقها.”
فالسفر الحقيقي ليس انتقال الأقدام بين البلدان، بل انتقال القلب بين البشر.
وفي تلك الليلة أدركت أن العمل الإنساني لا يصنعه الطريق وحده، بل تصنعه هذه المجالس الهادئة، التي تتبادل فيها الخبرات كما تتبادل القلوب الدعوات، فتخرج منها الأفكار أكثر نضجًا، والعلاقات أكثر رسوخًا.
ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أن الإنسان لا يعود منها محمّلًا بالصور فقط، بل يعود محمّلًا بأسماءٍ أصبحت جزءًا من ذاكرته، وبوجوهٍ إذا ذُكرت حضر معها الدعاء.
هذه فقرة أدبية رقيقة يمكن إدراجها في المقال:
ومن الطرائف الجميلة التي لا تُنسى عن الزول سامي، أنه اشتهر بين أهل نامبولا بإفشاء السلام حتى غدا السلام سِمته قبل أن يكون تحيته. فلا يكاد يمر بأحدٍ إلا ويستقبله بقوله: “السلام عليكم”، حتى ظن بعض الأهالي أن اسمه الحقيقي “السلام عليكم” من كثرة ما سمعوها منه. وهكذا يصنع الخلق الطيب بصاحبه؛ فلا تُعرِّفه الأسماء بقدر ما تُعرِّفه الأخلاق. وقد قيل: “قد ينسى الناس وجهك، لكنهم لا ينسون الكلمة التي أراحت قلوبهم.” ولعل أجمل ما تركه سامي في طرقات نامبولا ليس أثر خطواته، بل أثر سلامه الذي سبق حضوره، وبقي في القلوب بعد انصرافه.
وفي ختام تلك الأمسية، لم نجد أصدق من الدعاء: اللهم بارك للعزيز سامي الزول في عمره وعمله وأهله، واجعل بيته عامرًا بالإيمان والمودة والسكينة، وبارك له في رزقه، ووسِّع عليه من فضلك، واجعل ما يقدمه لإخوانه في ميزان حسناته. اللهم احفظه من كل سوء، وأدم عليه نعمة الصحة والعافية، واجعل خطواته في خدمة الناس شاهدةً له يوم يلقاك، وألِّف بين القلوب كما ألَّفتها في هذا المجلس المبارك، واجعل بيوت أهل الكرم مناراتٍ للخير، وأظلهم برحمتك في الدنيا، واجمعهم في الآخرة تحت لواء نبيك ﷺ في دارٍ لا فراق بعدها ولا عناء. آمين.
وهكذا انتهت أمسية الذرة المشوية…لكنها لم تنتهِ في الذاكرة.
فبعض المجالس لا تُقاس بما قُدِّم فيها من طعام، وإنما بما زرعته في القلب من طمأنينة، وبما تركته في الروح من أثرٍ جميل، حتى تصبح جلسةٌ بسيطة على ذرةٍ مشوية فصلًا كاملًا من كتاب المودة الذي لا تنتهي صفحاته.