
محمد تهامي
الذاكرة (7)
الأربعاء 05 أغسطس 2026 | نامبولا – موزمبيق
في بعض الرحلات نبحث عن مكانٍ جديد…
وفي بعضها نلتقي إنسانًا يجعلنا نعيد النظر في معنى المكان.
نغادر المدن وقد حفظنا أسماء شوارعها، وتأملنا مبانيها، وسرنا في طرقاتها… ثم تمضي الأيام، فلا يبقى من كل ذلك إلا شيءٌ قليل. لكننا أحيانًا نلتقي إنسانًا واحدًا… فيبقى هو المدينة كلها.
وفي ذلك اليوم، بمدينة نامبولا في موزمبيق، كان لنا لقاءٌ مع أختٍ فاضلة، السيدة فوزية. لم يكن حديثها عن نفسها طويلًا… لكنها كلما ذكرت إنسانًا محتاجًا، شعرت أن قلبها يذهب إليه قبل أن تصل إليه يدها.
سبعة عشر عامًا…
وهي تمضي في طريقٍ اختارته لخدمة الإسلام والمسلمين. سبعة عشر عامًا من العطاء، والعمل، والصبر، والبحث عن مواضع الألم، لتكون إلى جوار أصحابها بما تستطيع.
وهي، إلى جانب ذلك، سيدة أعمال ناجحة…
لكنها لم تجعل النجاح بابًا إلى ذاتها، بل جعلته جسرًا إلى الناس. كانت نموذجًا راقيًا للمرأة التي جمعت بين القدرة على إدارة الحياة، والقدرة على حمل هموم الآخرين، فلم يمنعها انشغالها من أن تسمع، ولم تُغلقها مسؤولياتها عن أبواب المحتاجين. لم تتحدث عن سنواتها بوصفها إنجازًا… ولم تعدّ ما قدمته… ولم تفتح سجلًا بما صنعت…
كانت تتحدث ببساطة، وكأن ما تفعله أمرٌ طبيعي. لكن خلف تلك البساطة… كان عمرٌ كامل من البذل. وكان في هدوئها ما يشبه أولئك الذين يصنعون الخير بعيدًا عن الأضواء؛ فلا يرفعون أصواتهم بما قدموا، لأنهم يرون أن ما عند الله أكبر من أن يُروى، وأن ما يُقدَّم للناس لا يحتاج دائمًا إلى شاهد.
ثم انتقل الحديث إلى النساء…
إلى نساءٍ أصبحن يحملن مسؤولية البيت وحدهن؛ لأن أبًا رحل عن الدنيا، أو ترك الأسرة ومضى، فبقيت الأم تجمع بين دور الأم والأب، وتحمل من هموم الحياة ما لا ينبغي أن تحمله وحدها. كانت تراهن… لا بوصفهن حالاتٍ تحتاج إلى مساعدة… بل أمهاتٍ يستحققن من يقف إلى جوارهن، ويعينهن على مواصلة الطريق، ويحفظ لهن كرامتهن، ويخفف عنهن ثقل الأيام.
كانت ترى خلف كل أمٍّ حكاية… وخلف كل بيتٍ مسؤولية… وخلف كل دمعةٍ أطفالًا ينتظرون أن تبقى أمهم قوية.
ثم تحدثت عن المدارس…
عن عشرات المدارس داخل المدينة، وعن حلقات العلم التي يتعلم فيها الأطفال والنساء، وعن قلوبٍ صغيرة لم تجد من العلم إلا ما يُقدَّم لها، فكان التعليم لها بابًا إلى مستقبلٍ أكثر نورًا.
وتحدثت عن السجون…الهيئات الإصلاحية
عن أيامٍ ثابتة في الأسبوع تُخصَّص للدروس، وعن أناسٍ أخطأوا في طريق الحياة، لكنهم ما زالوا يحتاجون إلى من يفتح أمامهم بابًا جديدًا.
فالإنسان قد يتعثر… وقد يخطئ…
وقد يُغلق خلفه بابٌ من أبواب الدنيا…
لكن رحمة الله لا تُغلق، وباب التوبة لا يُغلق، وما دام في القلب نبض، فهناك طريقٌ يمكن أن يبدأ من جديد.
ثم قالت إن عددًا كبيرًا من المساجين لا يملكون إلا بضعة مصاحف يتناوبون عليها.
فتوقفت عند هذه العبارة طويلًا…
كيف يمكن لثلاثة مصاحف أن تحمل أملًا لعشرات القلوب؟وكيف يمكن لكتابٍ واحد أن يصبح نافذةً لمن أُغلقت أمامه أبواب كثيرة؟
ربما كان المصحف في يد أحدهم أكثر من صفحاتٍ تُقرأ… ربما كان نافذته إلى السماء…
ورفيقه في الوحدة…وصوتًا يذكّره بأن الله لم ينسه، وأن الإنسان لا يُختصر في خطأ، ولا تنتهي قصته عند بابٍ أُغلق خلفه.
ثم حدثتنا عن رفيقةٍ كانت تعمل معها…
أختٍ حملت معها همَّ الناس، ثم رحلت عن الدنيا. وبعد رحيلها، توفي زوجها، وترك ولدًا وبنتًا، حتى أتما دراستهما الجامعية. ومع مرور السنوات قلّت الأيدي، واتسعت المسافات، وبقيت المسؤوليات أكبر من عدد من يحملونها. لكنها لم تتوقف. كأنها كانت تعرف أن بعض الأعمال لا تستمر بكثرة القائمين عليها…
بل بصدق من بقي.
ثم أخذت تروي ما تقوم به للمستشفيات والمرضى…
وجباتٌ يومية تصل إلى المرضى…
طعامٌ يحمل معه شيئًا أكبر من الطعام…
رسالةٌ صامتة تقول للمريض:
نحن نعلم أنك هنا… ولم ننْسَك.
وتساعد في دفع رسوم العلاج لمن لا يملك، وتصل إلى الأطفال المرضى وذوي الإعاقة بما يحتاجون إليه.
لم تكن ترى المرض رقمًا…
كانت ترى خلف كل سرير إنسانًا…
وخلف كل إنسان أسرةً تنتظر عودته…
وخلف كل ألمٍ دعاءً يرتفع إلى الله في ساعةٍ لا يسمع فيها الناس إلا صمت المعاناة.
ثم تحدثت عن النازحين…
وكانت كلماتها أقل من حجم الألم.
فبعض المآسي أكبر من أن تحملها اللغة…
وبعض الأحزان لا تستطيع الحروف أن تحيط بها.
أسرٌ غادرت بيوتها، وتركت خلفها ما جمعته في سنوات، ثم وجدت نفسها تبدأ الحياة من جديد… بلا بيت…وبلا أمان… وبلا يقينٍ إلا أن الله لا يترك عباده. وهناك كانت تحاول أن تكون جزءًا من الرحمة…
تصل بما تستطيع، وتجمع المساعدات عبر وسائل التواصل، وتحوّل الكلمات والرسائل إلى طعام، ودواء، وكساء، وأثر.
حتى الأكفان…
كانت تعرف أن كرامة الإنسان لا تنتهي عند آخر لحظة من حياته. فتسهم في توفيرها لمن لا يجد ثمنها.
وكأنها تقول للعالم، بالفعل لا بالكلمات:
إن الرحمة لا تغادر الإنسان في حياته… ولا ينبغي أن تغادره بعد رحيله.
ثم حدثتنا عن الأطفال الذين يفقدون أمهاتهم…
أطفالٍ يغادرون دفءَ الأم، فيجدون أنفسهم أمام عالمٍ جديد، يبحثون فيه عن حضنٍ لا يسألهم من أين جاؤوا، بل يقول لهم: تعالوا… فهنا مكانكم.
بعض الأسر تستقبل طفلًا…
وبعضها تحتضن أكثر.
وذكرت صديقتها ورفيقة دربها عائشة، التي تساعدها في هذه الأعمال، وقد فتحت بيتها لسبعة أطفال.
سبعة أطفال…
لم تجمعهم بها صلة دم…
لكن جمعتهم بها صلة الرحمة.
عندها أدركت أن بعض العائلات لا تتسع بيوتها بالمساحة… بل تتسع قلوبها بالمحبة.
وأن الأمومة ليست دائمًا علاقةً يكتبها النسب…
فقد تكون موقفًا…
وقد تكون حضنًا…
وقد تكون قلبًا يقول لطفلٍ فقد أمه:
لن تكون وحدك.
ثم تحدثت عن أرض…
وحلمٍ لم يكتمل بعد.أرضٍ يُرجى أن تكون يومًا دارًا ترعى الأطفال الذين فقدوا من يرعاهم، وتمنح كبار السن من يخفف عنهم وحشة العمر.
لم يكن الحلم مبنىً فقط…
كان أمنية أن يجد من لا بيت له مكانًا…
ومن لا سند له يدًا…ومن أثقلته الأيام قلبًا يقول له:ما زال في الحياة متسعٌ للرحمة.
وبعد اللقاء، خرجنا في جولةٍ تفقدية…
زرنا الأرض التي تراها نواةً لدار الأيتام، ذلك الحلم الذي ما زال ينتظر من يحوله إلى بيتٍ كبيرٍ للأمان.
وزرنا خمسة بيوتٍ للأرامل.
وما أجمل لقياهن.
لم تكن زيارةً عابرة، بل لحظاتٍ اختلطت فيها الابتسامات بالدعوات، وشعرت أن البيوت، مهما كانت بسيطة، تصبح واسعة حين يدخلها إنسانٌ يحمل معها معنى الوفاء.
ثم توجهنا إلى مدرسةٍ قرآنية للنساء…
وكانت لحظة سلامها عليهن من المواقف التي لا تُنسى. نساءٌ يجلسن حول كتاب الله…
تختلف أعمارهن، وتتنوع حكاياتهن، لكنهن يجتمعن على نورٍ واحد. وكان في المشهد ما يجعل الإنسان يدرك أن العلم لا يسأل عن العمر، وأن القلب إذا أراد أن يقترب من الله، وجد الطريق مفتوحًا في كل مرحلةٍ من مراحل الحياة.
وزرنا كذلك مغسلةً للموتى…
مكانًا يذكّر الإنسان بأن آخر ما يحتاجه الراحل من الدنيا هو الدعاء، والستر، والكرامة.
ثم انتقلنا إلى مدرسةٍ قرآنية أخرى، تضم أكثر من مائة طالبةٍ وامرأة، من أعمارٍ مختلفة.
كانت الوجوه تقول إن القرآن لا يصنع حافظًا للآيات فحسب… بل يصنع طمأنينةً في القلب، ونورًا في الطريق، ومعنىً جديدًا للحياة.
وخلال اللقاء، كنت قد كتبت جزءًا من هذه الذكريات، ثم تُرجم إلى اللغة البرتغالية.
وحين سمعت فوزية الكلمات…
بكت. لم تبكِ لأنها رأت ما قدمته مكتوبًا…
بل لأنها شعرت أن رحلةً طويلة من التعب الصامت قد وصلت إلى قلبٍ آخر.
ثم قالت، والدمع يسبق كلماتها:
أنا لا أقوم بهذا العمل بمفردي… إنما أقوم به بمساعدة عائشة.
وحين سمعت عائشة ذلك…
بكت هي الأخرى.
كانت لحظةً لا تشبه الكلمات…
امرأتان حملتا همَّ الناس معًا، ثم جلستا تبكيان لأن إحداهما لم تنسب الخير إلى نفسها، بل أعادت الفضل إلى شريكة الطريق.
هناك أدركت أن الإخلاص لا يظهر فقط في العمل… بل يظهر حين يذكر الإنسان من أعانه وأن أجمل ما في القلوب الكبيرة أنها لا تحتكر الفضل، ولا تنسب النور إلى نفسها، بل تقول: لم أكن وحدي.
وحين أبقيت في ذاكرتي امرأةٌ تتحدث عن الناس أكثر مما تتحدث عن نفسها. امرأةٌ لم تجعل من العمل الإنساني عنوانًا… بل جعلته أسلوب حياة.
خرجتُ من اللقاء وأنا أفكر:
كم من إنسانٍ يعمل في صمت، ولا يعرف الناس اسمه؟
وكم من يدٍ تمتد إلى محتاج، ثم تعود دون أن تنتظر شكرًا؟
وكم من قلبٍ يحمل همَّ مجتمعٍ كامل، ثم يقول ببساطة: ما زلنا نحاول.
وفي ذلك اليوم… لم أزر شخصيةً…
بل زرتُ قلبًا. قلبًا حمل همَّ الأمهات…
والأطفال… والمرضى… والمساجين… والنازحين…وكبار السن…
ثم مضى، رغم قلة الإمكانات، يطرق أبواب الرحمة. فعرفت أن بعض الناس لا يملكون مؤسساتٍ كبيرة…
لكنهم يملكون قلوبًا تتسع لمدينة.
وربما تتسع لوطن…
وربما تتسع لألمٍ لا يعرفه أحد…
وربما يكون أعظم ما يملكه الإنسان في هذه الحياة قلبًا لا يمر على وجع الآخرين مرور العابرين.
لقد رأيت في فوزية امرأةً لم تحمل مدينةً على كتفيها… بل حملتها في قلبها.
وحملت معها كل من وجدته على الطريق: أمًّا أثقلها الغياب… وطفلًا فقد حضن أمه… ومريضًا ينتظر الدواء… وسجينًا يبحث عن نور…
ونازحًا يبحث عن مأوى… ومسنًّا يخشى وحشة العمر… ثم قالت بكل تواضع:ما زلنا نحاول.
وما أعظم بعض المحاولات…
فقد تكون محاولةٌ صادقة سببًا في شبع جائع…
أو شفاء مريض…
أو تعليم طفل…
أو ستر أسرة…
أو إعادة الأمل إلى قلبٍ ظن أن الحياة قد أغلقت أبوابها.
وربما كان أجمل ما يعود به المسافر من طريقه…
أن يلتقي إنسانًا يذكّره بأن الخير ما زال حيًّا.
وأن الرحمة، مهما اشتدت الأزمات، ما زالت تجد لها قلبًا تسكنه… ويدًا تحملها… وطريقًا تمضي فيه.
رحم الله من رحلوا وهم يحملون همَّ الناس…
وبارك الله في كل يدٍ تخفف ألمًا…
وكل قلبٍ يفتح بابًا…
وكل أمٍّ تصبر…
وكل بيتٍ يحتضن طفلًا…
وكل امرأةٍ جعلت من تعبها جسرًا لعبور الآخرين إلى الأمان…
وبارك الله في فوزية وعائشة، وفي كل من يعمل معهما، وفي كل روحٍ اختارت أن تكون في حياة الآخرين رحمة.
فبعض الناس يمرون بنا… فنذكر أسماءهم.
وبعضهم يمرون بنا… فتتغير نظرتنا إلى الحياة.
أما هي… فقد بقيت في الذاكرة امرأةً حملت مدينةً في قلبها… ومضت.
✦ ذكريات مسافر