
محمد تهامي
دعوةٌ لم تكن إلى عشاء… بل إلى ذاكرة
كان الموعد قد جاء من العزيز الصديق د. منيسي، يخبرني أنه على موعدٍ مع أسرةٍ كريمة على العشاء، الجمعة 07 أغسطس 2026. حاولت أن أعتذر، أو أن أترك له اللقاء وحده، فربما كان الموعد خاصًا به، وربما كان وجودي يحمّله شيئًا من الحرج أو التكلف. لكنني وجدت منه إصرارًا لا يترك مجالًا للاعتذار. قال لي ما معناه: تعال معي. ولم أكن أعلم أن هذا الإصرار الصغير سيقودني في تلك الليلة إلى مساحة كبيرة من الإنسانية. خرجت برفقته، وأنا أشعر أن بعض الدعوات لا ينبغي للإنسان أن يعتذر عنها؛ لأن الله قد يفتح بها بابًا من المودة لم يكن في الحسبان. وهكذا كان. لم نكن ذاهبين إلى مطعم فحسب… كنا ذاهبين إلى نامبولا من جديد.
أسرةٌ جاءت من الذاكرة
كان اللقاء امتدادًا لذلك اللقاء الجميل الذي جمعنا سابقًا بالأسرة الكريمة في نامبولا؛ الأسرة التي بقيت صورتها في الذاكرة بما حملته من دفء وكرم وألفة، أسرة الأستاذ محمود، وشقيقه محمد، والوالدة الرقيقة التي يحتفل بزواجها الخمسين. وهناك التقينا الابنة الفاضلة فاطمة، وبرفقتها ابناها: رُكن… وفردوس. وما أجمل الأسماء حين تتحول من أسماءٍ إلى معانٍ تمشي أمامك. رُكنٌ كأنه جاء ليقول إن في الحياة أناسًا يكونون للآخرين موضع أمان. وفردوسٌ جاءت تحمل شيئًا من الاسم؛ حضورًا مشرقًا، وذكاءً لطيفًا، وروحًا فيها من البهجة ما يجعل المجلس أكثر حياة. وكان اللقاء في مطعم إسطنبول بمابوتو، لكن المكان لم يكن هو الذي صنع دفء الأمسية. القلوب هي التي فعلت.
حين رأيت الأم في عيني ابنتها
كان من أكثر مشاهد اللقاء رسوخًا في النفس حديثنا عن ذلك اللقاء السابق في نامبولا، في بيت الأسرة العامر. عاد الحديث إلى والدتها، وإلى العزيز السيد، وإلى تلك اللحظات التي لا تستطيع الذاكرة أن تضع لها تاريخًا؛ لأنها تجاوزت التاريخ وأصبحت إحساسًا. وحين سمعت الحديث عن الأم واحتضانها لابنها بعد غياب، شعرت أنني لا أستمع إلى حكاية شخصين، بل أرى أمامي مشهدًا أعرفه منذ طفولتي: أمٌّ ترى ابنها بعد غياب، فلا تحتاج إلى الكلام؛ يكفي أن تفتح ذراعيها. وفي تلك اللحظة، لم أكن أرى أمًا بعينها فقط… كنت أرى الأم. تلك الكلمة التي إذا حضرت، حضرت معها البيوت الأولى، ورائحة الطفولة، والدعاء الذي كان يخرج من القلب قبل اللسان. وقد قال أحد الحكماء: “الأم لا تحتضن ابنها لتقرّبه منها، بل لتعيد إلى قلبها شيئًا خرج منه يوم ولد.”
إسماعيل… الرجل الذي بقي بعد الرحيل
ثم جاء الحديث عن المرحوم إسماعيل، رحمه الله، ذلك الرجل الذي كان سببًا في التعارف بين العزيز السيد وهذه الأسرة الكريمة. وهنا تظهر عظمة بعض الناس بعد رحيلهم. فالإنسان قد يغيب جسده، لكن بعض أفعاله تستمر في صناعة اللقاءات بعده بسنوات. رحم الله إسماعيل؛ فقد كان حاضرًا في تلك الأمسية دون أن يجلس إلى المائدة. كان حاضرًا في سيرة الأسرة، وفي معرفة الأصدقاء، وفي تلك العلاقة التي امتدت من مكان إلى مكان، ومن نامبولا إلى مابوتو. وهذه إحدى صور الخلود الجميل: أن تترك وراءك من المحبة ما يجعل الناس يذكرونك وهم يبتسمون.
رُكن… صورةٌ أخرى من الأب
كان رُكن حاضرًا بملامح تستدعي الحديث عن والده المرحوم إسماعيل. وفي بعض الأبناء شيء من آبائهم لا يكون في الوجه فقط؛ قد يكون في النظرة، أو الهدوء، أو الحركة، أو حتى في الطريقة التي يحبون بها ما يحب آباؤهم. وكان من الجميل أن نعرف أنه يميل إلى كرة القدم، وكأن الرياضة جاءت لتضيف إلى شخصيته لونًا آخر. أما فردوس، فاختارت كرة السلة، وكأنها تحمل اسمها إلى فضاء أوسع. فتأملت المشهد وقلت في نفسي: ما أجمل الأسرة حين لا تكون نسخة واحدة من بعضها، بل حديقةً متعددة الألوان؛ لكل فرد فيها شخصيته، وموهبته، وطريقه، ومع ذلك تجمعهم جذور واحدة.
حكاية السن… حين يصبح الألم ذكرى للمحبة
ومن أجمل ما عاد بنا إلى أيام نامبولا، حكاية قديمة عن العزيز السيد عندما كان هناك. في إحدى الليالي اشتد عليه ألم الأسنان. وكانت الشقيقة طبيبة أسنان، وزوجها كذلك، فوجد نفسه في بيتٍ يعرف كيف يتعامل مع ألمه. وكلما اشتد الوجع، كانت ينادي “فاطمة “. قد تبدو الحكاية في ظاهرها مجرد موقف طبي عابر، لكن بعض المواقف الصغيرة تكشف عن المعادن الكبيرة. فالإنسان لا ينسى من وقف إلى جواره عندما كان متعبًا. وقد قيل: “من يداوي ألمك قد يغيب من ذاكرتك اسم دوائه، لكنك لا تنسى وجهه.” وهكذا بقيت تلك الحكاية الصغيرة شاهدًا على علاقة لم تُبنَ على المجاملات، وإنما على المواقف.
اسم فاطمة… حين يصبح الاسم ذاكرةً دينية
ومن لطائف الحديث أن اسم فاطمة حاضر بكثرة في البيوت الموزمبيقية، محبةً واقتداءً بالسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، بنت الحبيب المصطفى ﷺ. وهنا تشعر أن الإسلام حين يعبر القارات لا يحمل معه المساجد والكتب فقط؛ بل يحمل أسماءً، وقيمًا، وذكريات، وصورًا من المحبة النبوية تتسلل إلى البيوت والقلوب. اسمٌ واحد قد يكون جسرًا بين قارةٍ وقارة.
حبٌّ لا يحتاج إلى شرح
وكان من أجمل ما رأيناه حب رُكن وفردوس لأمهما. ذلك النوع من الحب الذي لا يحتاج إلى إعلان. نظراتٌ صغيرة، وقربٌ عفوي، وحرصٌ طبيعي. وفي زمنٍ يكثر فيه الكلام عن بر الوالدين، تبقى أجمل صورة للبر هي تلك التي لا تحتاج إلى أن تقول عن نفسها إنها بر. قال أحد الحكماء: ” الولد البار لا يرفع صوته ليخبر الناس بحبه لأمه؛ يكفي أن تراه بجانبها.” وهكذا كان المشهد.
دعوةٌ أخرى… إلى البيت الجديد
لم ينتهِ اللقاء عند حدود العشاء. كان لدى فاطمة إصرار أن ترافقنا في جولة بالمدينة بعد العشاء، ثم دعوتنا إلى بيتها الجديد. اعتذرنا عن الجولة، وشكرناها على مشاعرها التي سبقت الدعوة. لكن البيت الجديد بقي في الحديث، واعتذرنا عنه أيضًا. وكانت هناك بشارة بزيارة والديها لها في سبتمبر بإذن الله في مابوتو. وكأن الأمكنة نفسها بدأت تدخل في خريطة الذكريات. نامبولا لها بيت. ومابوتو لها بيت. وبين البيتين تمتد علاقة إنسانية لا تعترف بالمسافات.
وصيةٌ من القلب
ومن أجمل ما حمله اللقاء تلك الوصية التي أوصى بها العزيز السيد: أن تحرص فاطمة على الدعاء لرُكن وفردوس صباحًا ومساءً، وأن تحيطهما بالأذكار النبوية، حفظًا لهما ورعايةً من الله. فما أجمل أن يتحول حب الأبناء إلى دعاء. وما أجمل أن يعرف الإنسان أن أقوى ما يحفظ من نحب ليس أيدينا وحدها، وإنما عناية الله التي نستودعهم إياها كل صباح ومساء.
ساعاتٌ قليلة… وذاكرةٌ طويلة
لم تمتد الأمسية طويلًا. ساعات قليلة فقط. لكن بعض الساعات لا تُقاس بالدقائق. هناك لقاءٌ قد يمتد ساعات، ثم ينتهي وكأنه لم يكن. وهناك لقاءٌ قصير، لكنه يستقر في الصدر كأنه عاش معك سنوات. وكان هذا اللقاء من النوع الثاني. خرجنا من المطعم، لكننا لم نخرج من الذكرى. خرج معنا وجه فاطمة. وصورة رُكن. وابتسامة فردوس. وحكاية إسماعيل. وذكرى الأم. والمواقف القديمة في نامبولا. ودعوة البيت الجديد في مابوتو. وكأن الليل جمع لنا مدينةً كاملة في ساعات قليلة.
يا رب… بارك هذه الأسرة
اللهم بارك في فاطمة، وفي رُكن وفردوس، وفي والدتهم، وفي جميع أهل هذا البيت الكريم. اللهم اجعلهم من أهل الود الذي لا ينقطع، والبر الذي لا يضيع، والمحبة التي لا تفسدها المسافات. اللهم احفظ رُكن وفردوس، وأقر عين أمهما بهما، واجعلهما قرة عينٍ لها في الدنيا، وذخرًا لها في الآخرة. اللهم احفظهما بأذكارك، وألبسهما ثوب العافية، وافتح لهما أبواب العلم والتوفيق والصلاح، واجعل لكل واحد منهما من اسمه نصيبًا؛ رُكنًا ثابتًا في الخير، وفردوسًا من الطهر والبهجة.
اللهم ارحم إسماعيل رحمةً واسعة، واجزه عن كل أثرٍ طيب تركه في حياة من عرفوه، واجعل ما صنعه من جسور المحبة ممتدًا له بعد رحيله. اللهم بارك لفاطمة في بيتها الجديد، واجعله بيت سكينة وإيمان ومودة، واجعل أبوابه مفتوحةً للخير، وقلوب أهله مفتوحةً للمحبة. اللهم بلغ فاطمة رؤية والديها في سبتمبر على خير، واجعل اللقاء القادم أجمل من الذكرى السابقة، واجمعهم دائمًا على طاعتك، وفي رحاب المودة الصادقة.
وما بين نامبولا ومابوتو… وطنٌ آخر اسمه المودة
عدتُ من تلك الأمسية وأنا أكثر يقينًا بأن أجمل ما في السفر ليس أن ترى البلاد، بل أن تكتشف الإنسان فيها. قد تسافر آلاف الكيلومترات ولا تجد إلا طرقًا ومدنًا وفنادق. وقد تسافر المسافة نفسها، فتجد أمًا تحتضن ابنًا، وابنةً تحفظ ذكرى أبيها، وأطفالًا يحبون أمهم، وصديقًا يصر على أن تأخذ طريقه، وأسرةً تستقبلك وكأنك لم تكن غريبًا عنها يومًا. وهنا فقط نفهم أن الإنسانية ليست لغةً تحتاج إلى ترجمة. وأن الإسلام حين يسكن القلب، يجعل القارات أقرب من الجيران. وأن بعض العلاقات لا تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تصبح عميقة؛ يكفيها صدقٌ واحد، وموقفٌ واحد، ولقاءٌ صادق. نامبولا كانت هناك. ومابوتو كانت هنا. لكن بينهما كان شيءٌ لا يُرى على الخرائط: كان هناك قلبٌ يعرف قلبًا. وهذا، في رأيي، أجمل ما يمكن أن يعود به المسافر من آخر الدنيا.