تأملات حوارية – قبل أن يؤذّن المغرب

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد… كفى لعبًا.

كنتُ أسمع صوت أمي من بعيد، وأنا غارق في اللعب، أركض خلف الكرة، وأضحك مع أصحابي، والجمعة بالنسبة لنا يوم مباراة وانتظار وفرح.

لكن أمي كانت ترى شيئًا لم أكن أراه.
كانت تعرف أن الجمعة ليست يومًا عاديًا.
وكانت تعرف أن بين العصر والمغرب ساعة لا ينبغي أن تضيع.

فتأتي إليّ، وتنظر في عيني، وتقول:

محمد… كيف تمر عليك الجمعة وليس لك خلوة مع ربك؟

كنت أعود إلى اللعب…
لكن كلماتها لا تعود معي.

تبقى.

كنت أركض وراء الكرة،
وقلبي يركض وراء موعد آخر.
كنت أترقب المباراة،
ثم بدأت أترقب شيئًا لم أكن أعرف قيمته يومها:
الدقائق التي تسبق المغرب.

كنت منشغلًا باللعب،
لكنني كنت أعرف في داخلي:

اقترب الموعد.
اقتربت الساعة التي قالت عنها أمي:

كفى لعبًا.

وكأنها لم تكن تمنعني من الكرة…
بل كانت تنقذني من أن تمر الجمعة دون أن أمر أنا على قلبي.

ثم يأتي الوقت.
أترك اللعب.
أبتعد.
وأقف بين يدي ربي.

وأحيانًا كنت أسأل نفسي:
ماذا صنعت أمي بي؟
لم تكن عالمة في التربية بمصطلحاتها الحديثة.
لم تكن تشرح لي نظريات بناء العادات.
لم تكن تحدثني عن إدارة الوقت.
ولم تكن تعرف أنها كانت تصنع في داخلي نظامًا سيبقى معي سنوات.

كانت تقول جملة بسيطة:

يا محمد… لا تجعل الجمعة تمر دون خلوة مع ربك.

فكانت تلك الجملة الصغيرة…

تبني في داخلي موعدًا كبيرًا.

كبرتُ…
وكبرت الجمعة معي.

وكلما اقترب المغرب،
تذكرت أمي.

لم تعد أمامي لتقول:
كفى لعبًا.
لكن صوتها ما زال حاضرًا.

وهنا أدركت السر.

الأم لا تربي أبناءها فقط بما تفعله أمامهم…

أحيانًا تربيهم بما تزرعه في قلوبهم،
ثم تترك الزمن يكمل التربية.

يا أمي…
كنتِ تظنين أنك تقولين لي:
اترك اللعب.
ولم أكن أعرف أنك كنت تقولين لي:

لا تترك الله.

كنتِ تأخذين مني دقائق من اللعب…
لتعطيني عمرًا من الذكر.

كنتِ توقفين الكرة…
لتعلّمي قلبي أن يتوقف.
توقف عن الركض.

توقف عن الانشغال.
توقف عن الدنيا قليلًا…
وانظر إلى ربك.

واليوم، عندما تأتي الجمعة…

وأرى الشمس تميل نحو الغروب…

أشعر أن شيئًا من طفولتي يعود.

أسمع صوتًا لا يسمعه أحد غيري:

محمد…

ثم تأتي بقية الجملة من الذاكرة:
كفى لعبًا…

فأبتسم…
وتدمع عيني.

لأنني أدرك الآن أن بعض الأمهات لا يتركن أبناءهن بعد الرحيل…

بل يتحولن إلى صوتٍ في داخلهم.

يا أمهات العالم…
كم كلمة قلتموها وأنتم تظنون أنها عابرة؟
وكم وصية قلتموها ثم نسيتموها؟
وكم مرة أوقفتم أبناءكم عن اللعب،
وعن اللهو،
وعن الانشغال…

ثم اكتشفتم بعد سنوات أنكم كنتم تضعون في قلوبهم بوصلةً لا تصدأ؟

ربما لا يعرف الطفل قيمة ما تقول أمه اليوم.

لكنه سيعرف…

حين يكبر.
حين يجلس وحده.
حين تأتي الجمعة.
حين تميل الشمس.
حين يقترب المغرب.
حين يحتاج إلى الله…

وفجأة…

يسمع صوت أمه.

أمي وداد

رحم الله قلبك الذي كان يرى أبعد من عيني.

رحم الله صوتك حين كان يوقظني من اللعب.

رحم الله يديك حين كانتا تأخذانني من انشغال الدنيا إلى خلوة مع الله.

لم تكوني تعلمين أنك كنتِ تكتبين في قلبي شيئًا سيبقى.

كنتِ أمًّا…

لكنني اكتشفت بعد العمر:

أنك كنتِ مدرسة.

وكنتِ تقولين لي:

كفى لعبًا.

ففهمتُ بعد سنوات:

لم يكن اللعب هو الذي كنتِ تخافين أن يضيع…

كنتِ تخافين أن تضيع مني الجمعة.

وكنتِ تريدين لي تلك الساعة.

ساعةً أقف فيها وحدي أمام الله.

أدعوه.
أذكره.
أشكره.
وأشكو إليه ما لا أستطيع أن أشكو به لأحد.

ولذلك…

كلما اقترب مغرب الجمعة،
لا أتذكر أمي وحدها.

أتذكر كل أم.

كل أم كانت توقظ ابنها للصلاة.
كل أم كانت تقول:

اذكر الله.
اقرأ القرآن.
لا تؤذِ أحدًا.
احفظ قلبك.
اختر أصحابك.
اتق الله.

كل أم زرعت كلمة…
ثم تركتها تمضي.
لكن الكلمة لم تمضِ.
الكلمة كبرت.

وصارت في ابنها ضميرًا.
وصارت في ابنها دعاءً.
وصارت في ابنها خوفًا جميلًا من الله.
وصارت في ابنها موعدًا لا ينسى.

يا أمي…

إن عاد بي الزمن إلى تلك الجمعة القديمة،
لن أهرب إلى الملعب.

سأجلس أمامك.

سأمسك يدك.

وسأقول:

قوليها مرة أخرى يا أمي.

قولي:
كفى لعبًا…

لأنني الآن أعرف ماذا كنتِ تقصدين.

كنتِ تقولين:

كفى للدنيا قليلًا…
وحان موعد القلب مع الله.

وإذا كان لي أن أهديك شيئًا بعد كل هذه السنين،
فلن أهديك وردًا…

بل سأقول:

كل جمعة أقف فيها بين يدي الله،
ففيها شيء من أمي وداد.

وكل دقيقة أختلي فيها بربي قبل المغرب…

هي أثر من أمٍ لم تكن تريد لابنها أن يخسر ساعةً مع الله.

رحمك الله يا أمي…

ورحم كل أمٍ كانت تزرع في أبنائها الله،
وهي لا تعلم أنها كانت تزرع فيهم النجاة.

اللهم احفظ أمهاتنا، وارحم من رحلن منهن، واجعل كل كلمة خير علّمنها أبناءهن نورًا يجري في صحائفهن ما بقي الأبناء أحياء.

وعندما تقترب شمس الجمعة من المغيب…

ويهدأ كل شيء…
ربما تسمع أنت أيضًا صوت أمك.

فإذا سمعت:

كفى لعبًا…

فلا تتأخر.

فربما كانت تلك الكلمة القديمة
موعدًا جديدًا بينك وبين الله

كتبه: نبض قلب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top