
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
إلى العزيز هيثم الفرعي ” أبي مازن”، وإلى إخوتي الأحبة في الفريق، وإلى هذه الشراكة التي تجاوزت المشروع حتى أصبحت علاقةً من الوفاء والمحبة…
قرأتُ مقالك يا أبا مازن، – ما شاء الله، أديبًا أريبًا… نقف أمامك بخجلٍ حين نكتب، فأنت لا تكتب الكلمات فحسب، بل تمنحها روحًا- ثم عدت إليه مرة أخرى، ثم وجدتني لا أريد أن أكتب تعليقًا عليه؛ لأن بعض الكلمات لا تحتمل تعليقًا عابرًا. بعض الكلمات تستدعي القلب. ومقالك كان من تلك الكلمات.
كنتَ تكتب عن مدرسة، وأنا كنت أقرأ عن ثلاثة أعوام من الوفاء. كنتَ تتحدث عن التعليم، وأنا كنت أرى وجوه الأطفال. كنتَ تذكر المسجد والبئر والأيتام والإطعام، وأنا كنت أرى شيئًا أعمق: كنت أرى كيف يمكن لشراكة إنسانية صادقة أن تتحول مع الزمن إلى عائلة.
يا أبا مازن… يا إخوتي في الفريق… كم من مشروعٍ بدأتموه، وكم من مشروعٍ مررتم به، وكم من مبنى سلّمتموه ثم مضيتم…لكن جوسكا لم تكن كذلك. جوسكا بقيت معكم. لأنها لم تكن علاقة مانحٍ بجهة، ولا اتفاقٍ بتنفيذ. كانت علاقة قلوبٍ بقلوب. ثلاثة أعوام كافية لأن يتحول اسم المكان من كلمة في تقرير إلى شيء يسكن الذاكرة.
صرنا لا نقول: “مدرسة جوسكا” بل نقول: جوسكا. وكأننا نعرفها. وكأن لنا فيها شيئًا. وكأن لنا فيها طفلًا لا نعرف اسمه، لكنه يعرف أنكم كنتم ذات يوم سببًا في أن يجد مقعدًا وكتابًا ووجبةً وبابًا مفتوحًا إلى المستقبل. وهنا، يا أبا مازن، أظن أن مقالك أصاب المعنى الذي كثيرًا ما يغيب عنا في العمل الإنساني: أن أعظم الشراكات ليست التي تنجح في تنفيذ مشروع… بل التي تنجح في بناء الثقة. والثقة لا تُبنى في يوم. تُبنى بموقف. ثم موقف. ثم وفاء. ثم استمرار. ثم يأتي يوم تنظر فيه إلى الوراء فتكتشف أنك لم تعد أمام “مشروع”… بل أمام قصة مشتركة. وهذا ما أشعر به تجاهكم.
لقد أصبحت جوسكا واحدة من تلك القصص التي لا تستطيع أن تفصل فيها بين المشروع وأهله، ولا بين الإنجاز والوجدان. وما أعمق أن تبدأ الحكاية بالتعليم، ثم تكتشف أن الله جمع فيها أبوابًا أخرى من الخير. مسجد. بئر. تعليم. أيتام. إطعام. رعاية. كأن الخير حين وجد قلوبًا صادقة قال: سأفتح لكم بابًا… فإذا به أبواب.
وهنا تذكرت معنى عظيمًا لحكيم: “أن من بركة العمل الصالح أن يجرّ بعضه بعضًا”. وهكذا كان. لم تكن الخطة أن نجمع كل هذه الأبواب في مكان واحد. لكن حين وُجدت النية، وُجد الطريق. وحين وجد الطريق، وجد الناس. وحين وجد الناس، وجد الاحتياج. وحين وجد الاحتياج، تحركت الرحمة. فاجتمعت أبواب الخير.
لكن يا إخوتي… دعوني أقول لكم شيئًا لا تقوله التقارير. الأرقام جميلة. والإنجازات مهمة. والمدارس تُقاس بعدد فصولها وطلابها. لكن هناك أرقامًا لا تظهر في أي تقرير. كم طفلًا نام ليلةً وهو يشعر أن له مكانًا؟ كم يتيمًا دخل المدرسة ولم يشعر أنه أقل من غيره؟ كم أمًا اطمأن قلبها لأن ابنها يتعلم؟ كم يدٍ ارتفعت في المسجد بالدعاء لمن لا يعرفه الداعي؟ كم كوب ماء خرج من البئر؟ كم وجبة دخلت إلى جسد طفل؟ كم إنسانًا سيحمل غدًا ما تعلمه اليوم إلى بيته وأبنائه؟ هذه هي حسابات الخير التي لا يراها إلا الله.
ولهذا أقول لكم: لا تفرحوا فقط بما أنجزتم. افرحوا بما لا تعرفون أنكم أنجزتموه. فربما يكون أعظم أثر صنعتموه هو ذلك الذي لن تسمعوا عنه أبدًا. طالبٌ سيصبح معلمًا. وطالبٌ سيصبح طبيبًا. ويتيمٌ سيكبر ويصنع لغيره ما صُنع له. وطفلٌ سيذكر بعد ثلاثين عامًا أن هناك أناسًا لم يعرفهم يومًا، آمنوا بحقه في الحياة.
وهنا… هنا فقط نفهم معنى الصدقة الجارية. أن يذهب اسمكم، ويبقى فعلكم. أن تغيبوا أنتم، ويبقى طفل يفتح كتابه. أن تنتهي السنة، ويبقى المسجد. أن تنتهي الميزانية، ويبقى البئر. أن تتغير الوجوه، ويبقى الإنسان الذي صنعتم له فرصة. ذلك هو الأثر.
يا أبا مازن… شكرًا لك لأنك لم تكتب عن جوسكا بلسان مدير مشروع. كتبت عنها بلسان رجل عاش التجربة. وشكرًا لكم جميعًا؛ لأن الشراكة معكم لم تكن في يوم من الأيام مجرد علاقة عمل. لقد علمتمونا أن أجمل الشراكات هي التي يصبح فيها النجاح فرحًا مشتركًا، والتعب مسؤولية مشتركة، والهم همًا واحدًا، والإنجاز ذاكرةً مشتركة.
وحين أقرأ اليوم “دخلنا عامنا الثالث”. لا أرى ثلاثة أعوام فقط. أرى وجوهًا مرّت. وأرى طرقًا قُطعت. وأرى اجتماعات ومتابعات ورسائل. أرى قلقًا على مشروع. وفرحةً بنجاح. وأرى إخوةً لم تجمعنا بهم جوسكا وحدها، بل جمعتنا بهم المحبة التي نشأت حولها.
ولهذا فإن الشكر اليوم لا أريده شكرًا عاديًا. شكرًا لكل من ساهم. شكرًا لكل من دعم. شكرًا لكل من تابع. لكن قبل ذلك كله: شكرًا لكل من بقي. فالبداية قد يصنعها الحماس… أما الاستمرار فلا يصنعه إلا الوفاء.
يا إخوتي… إن كان لكم أن تحتفلوا بشيء، فلا تحتفلوا فقط بأن مدرسةً قامت، بل احتفلوا بأن شراكةً عاشت، وثقةً نمت، وقلوبًا تلاقت، وأثرًا تجاوز جدران المدرسة ومضى إلى حيث لا تصل الصور ولا تُحصى الأرقام. وأن الثقة لم تتآكل أمام السنوات، وأن المسافة بينكم وبين كينيا لم تستطع أن تُباعد بين القلوب، وأن مشروعًا بدأ قبل ثلاثة أعوام لم يبقَ صفحةً في سجل الماضي، بل أصبح وعدًا جديدًا للمستقبل.
فأكملوا… ليس لأن ما أنجزتموه قليل، بل لأن ما ينتظركم أكبر. ولأن الطفل الذي تعلم اليوم، قد يحمل غدًا رسالةً لم تخطر لكم على بال. ولأن اليتيم الذي احتضنتموه، قد يكبر يومًا ليكون هو الحضن لغيره. ولأن البئر الذي أسقيتم به عطش اليوم، قد يسقي أجيالًا من بعدكم. ولأن الخير إذا زُرع لله، لا يعرف موسمًا ينتهي، ولا عمرًا يشيخ.
أسأل الله أن يكتب لكل واحد منكم في صحيفته أثرًا لا تراه أعين الناس، ولكن تراه السماء. وأن يجعل كل طفلٍ تعلم في جوسكا شاهدًا لكم لا عليكم، وكل يتيمٍ وجد فيها مأمنًا شاهدًا لكم، وكل مصلٍّ سجد في مسجدها شاهدًا لكم، وكل عطشان ارتوى من بئرها شاهدًا لكم، وكل أمٍّ نام قلبها مطمئنًا على ولدها شاهدًا لكم. وأن يجمعنا الله يومًا في مقامٍ لا نحتاج فيه إلى تقارير، ولا أرقام، ولا صور…فقط نقف بين يديه. ويقال لنا: هذا ما بقي من الخير الذي زرعتموه.
يا أبا مازن… يا إخوتي… شكرًا لأنكم لم تجعلوا جوسكا مشروعًا تنجزونه ثم تغادرونه، بل جعلتموها حكايةً تسكنكم وتعيشونها. وما دام طفلٌ في جوسكا يفتح كتابه كل صباح… فإن أجمل فصول الحكاية لم تُكتب بعد.
كتبه: نبض قلب