
محمد تهامي
بعض الموائد نأكل منها ثم نمضي… وبعض الموائد تأكل من أعمارنا لحظةً، ثم تبقى في الذاكرة عمرًا كاملًا. وفي مساء الجمعة، الرابع من سبتمبر عام 2026، كنا في الدوحة على موعدٍ مع مناسبةٍ طيبة؛ عقد قران في أحد مساجد منطقة الغرافة، حيث اجتمعنا على الخير، وشاركنا العريس فرحته، ودعونا له أن يبارك الله له في زواجه، وأن يكتب له السعادة والسكينة، ودعونا لوالده بالشفاء والعافية. وكانت الوجبة طيبة، واللقاء مباركًا، والقلوب في صفاء.
وحين هممنا بالعودة، ظننا أن حكاية ذلك المساء قد اكتملت. لكن الكرم أحيانًا لا يسمح لك أن تعود إلى بيتك قبل أن يترك في قلبك أثرًا آخر. فإذا بالعزيز أبي مازن، محمد عبد الرحمن، يقول: “ما تتفضلوا عندنا نشرب شاي؟” دعوة بسيطة في كلماتها… لكنها كانت كبيرةً في معناها. وكان بينه وبين العزيز عماد أبو سلمى حديثٌ عن الشاي، فقال أبو مازن بما يشبه الوعد الجميل: “أجهز لك براد الشاي اللي أنت بتحبه”. يا الله… كم من البيوت تفتح أبوابها، وكم من البيوت تفتح قلوبها؟ ذهبنا. وكانت الصحبة موفقة، والروح مرتاحة، وكأن هذه الزيارة لم تكن مرتبة في جدول اليوم، وإنما كانت مرتبة في جدول الأقدار الجميلة.
عند الباب كان في استقبالنا الحبيب أبو علي، رائد.
وكان بيني وبين العزيز رائد موعدٌ لصلاة القيام، تلك الوصية التي بقيت في القلب حتى بعد رمضان؛ ألا يكون رمضان موسمًا نغادره، وإنما بدايةً لما بعده. وصلت مبكرًا، فصلّى بي رائد إمامًا ركعتين، وقرأ من سورة يس. وكنت أعاتبه عتاب المحب: شدّ الهمة يا أبا علي… فمن الجميل أن يبقى للقرآن في العام نصيبٌ من الهمة التي عرفناها في رمضان. وكانت تلك اللحظة، في بساطتها، واحدةً من أجمل مقدمات المائدة؛ لأن بعض الموائد تبدأ قبل الطعام بكثير… تبدأ بالصلاة.
ثم جاء أبو مازن بالتمر. رطب البرحي، والبرحي الأصفر، والقهوة العربية، والشاي، وحلوٌ طيب، وصحبةٌ أجمل من كل ما على الطاولة. جلسنا، وتحادثنا، ومر الوقت كما يمر في المجالس التي لا تحتاج إلى تكلف. وبعد فترة فتح أبو مازن الباب وقال: تفضلوا الغرفة الأخرى أكثر تبريدًا”. فقال الجميع تقريبًا: بل هذه الغرفة مناسبة والحمد لله… لا حاجة للانتقال. لكن محمد أصرّ. وكأننا لم نكن نعرف بعد لماذا يريد أن ينقلنا. ثم قال: “عشاء خفيف.” ابتسمنا. عشاء خفيف؟ وكنت في داخلي أقول: يا محمد… لماذا تُتعب أهلك، وأم ريم مريضة؟ ولماذا هذا التكلف؟ ولماذا كل هذا؟ لكننا لم نكن قد رأينا شيئًا بعد.
دخلنا الغرفة. وهنا… توقفت الكلمات. السفرة لم تكن سفرةً أُعدّت على عجل. لم تكن شيئًا جُمع قبل دقائق. كانت كأنها كانت تنتظرنا منذ أسبوع. كأن هناك قلبًا كان يعرف أننا سنأتي. وكأن صاحبة البيت، رغم مرضها، قالت للكرم: تقدّم… فأنا لا أستطيع أن أتقدّم بنفسي. كانت المائدة ممتدةً في مشهدٍ يليق بأن يُحفظ في الذاكرة. شوربة خضار باللحم، في كؤوس جميلة، كأنها تحية دافئة قبل البداية. ثم أطباق مرتبة بعناية، بصورة هندسية جميلة، من عمل أم ريم، رغم مرضها. أرز مصري بالشعرية… ومكرونة بالبشاميل… ودجاج محمّر… ومحشي ورق عنب وكرنب… وأطباق بطاطس باللحم… ولحم بقري… ثم صينية كبسة باللحم الضاني،
كأنها جاءت لتعلن أن “العشاء الخفيف” عند أهل بني سويف له تعريفٌ آخر تمامًا! وكان هناك الزيتون الأخضر… وسلطة مشكلة لم تكن مجرد طبق سلطة؛ كانت لوحةً إبداعية بكل معنى الكلمة. وسلطة فرنجية بالبنجر والبرغل والخضروات، في تنسيق يجعل العين تأكل قبل الفم. وكل طبق كان يقول شيئًا. وهنا أدركنا أن المسألة لم تكن طعامًا. كانت عناية. لم تكن مأدبةً أُعدت لأن ضيوفًا حضروا. بل كان الضيوف، على ما يبدو، قد حضروا إلى مائدةٍ كانت تنتظرهم أصلًا.
لكن أكثر ما هزّ القلب لم يكن كثرة الطعام. كان السؤال: أين أم ريم؟ كانت مريضة. ومع ذلك، كانت المائدة تحمل اسمها، وروحها، ويدها، وذوقها، وحرصها. وحين تبين أن الأمر لم يكن مجرد إعداد سريع، وأن البيت كان قد أعدّ لهذه المائدة بعناية، شعرت أن هناك معنى أكبر من الطعام كله. فقد يكون الإنسان متعبًا… لكن الكرم عند بعض الناس لا يعرف المرض. وقد يعجز الجسد… لكن القلب يظل قادرًا على أن يقول: “أكرموا من جاءكم”يا أم ريم… ربما لم تجلسي معنا على المائدة. لكن الحقيقة أنك كنتِ أكثر الحاضرين حضورًا. كنتِ في الشوربة. في ترتيب الأطباق. في الأرز. في المحشي. في الدجاج المحمر. في صينية الكبسة. في السلطة التي بدت كلوحة. وفي كل لقمة شعرنا معها أن هناك يدًا تحب أن تجعل ضيفها يشعر أنه ليس ضيفًا… بل واحدٌ من أهل البيت.
ولعل أجمل ما في الحكاية أن الكرم هنا لم يكن وليد اللحظة. إنه يبدو كأنه شيءٌ متوارث. شيءٌ يأتي من بيوتٍ تعرف أن الضيف لا يُقاس بما يأكل، وإنما بما يشعر به وهو جالس بين أهله. وهنا حضرت في القلب حكاية أهل بني سويف الكرام. ذلك الأصل الطيب الذي ينتسب إليه محمد عبد الرحمن أبو مازن، من نسل الطيب والشيخ طه، عليه رحمة الله، والد أم ريم. وكأن بعض الأخلاق لا تموت بموت أصحابها. قد يغيب الرجل… لكن أثره يبقى في أبنائه. وقد يرحل جيل… لكن طريقته في إكرام الناس تظل تمشي في البيوت من بعده. وهكذا رأيت في تلك المائدة شيئًا من تراث رجلٍ صالح، انتقل من جيل إلى جيل، حتى وصل إلينا مساء الجمعة، في الدوحة. وهذه هي أجمل أنواع المواريث: أن يرث الإنسان عن أبيه خلقًا. وأن يرث عن أمه رحمة. وأن يرث عن بيته عادة إكرام الناس.
وأقولها بصدق: هناك أناس إذا قالوا لك: “عشاء خفيف” فاحذر! فقد يكون المقصود أن تبدأ بالشوربة، ثم تدخل في رحلةٍ غذائية تمتد بك من مصر إلى بني سويف إلى الخليج، ولا تصل إلى آخر الطبق إلا وأنت تسأل: هل هذه مائدة أم مؤتمر إقليمي للكرم؟! لكن حتى هذه الدعابة الجميلة لا تستطيع أن تخفي الحقيقة. الحقيقة أن أبا مازن لم يكن يريد أن يطعمنا فقط. كان يريد أن يقول لنا: أنتم أهل. أنتم مرحبٌ بكم. أنتم جزء من هذا البيت. وأن البيت الذي يفرح بالضيف لا ينتظر مناسبةً كبيرة حتى يفتح قلبه.
وتذكرت وأنا أنظر إلى المائدة معنىً عظيمًا: ليست قيمة الطعام فيما وُضع عليه من أطباق، وإنما فيما وُضع فيه من قلب. قد يأكل الإنسان أغلى الأطعمة وينساها بعد ساعات. وقد يأكل أرزًا وشوربةً ومحشيًا في بيتٍ متواضع، ثم يتذكر تلك اللقمة بعد عشرين عامًا. لماذا؟ لأن الطعام قد يدخل المعدة… لكن الكرم يدخل الذاكرة. والمحبة لا تحتاج إلى طبقٍ فاخر كي تصل. يكفي أن يشعر الضيف أن أحدًا فكّر فيه قبل أن يصل.
وفي تلك الليلة، كان هناك غائبٌ حاضر. وكان هناك مريضٌ يخدم وهو لا يستطيع أن يخدم. وكانت هناك أمٌّ لم تجلس معنا، لكنها جلست في كل تفصيلة. وكان هناك أبناءٌ يحملون إرث البيت. ريم، ورائد، ورزان… وفيهم رأينا امتدادًا لبيتٍ يعرف أن المحبة ليست كلامًا، وأن البركة لا تُقاس بكثرة ما في البيت، وإنما بكثرة ما يخرج منه من خير.
يا أبا مازن… شكرًا لا تكفيها كلمة “شكرًا”. شكرًا لأنك دعوتنا ونحن على وشك العودة. شكرًا لأنك أعددت الشاي الذي يحبه -العزيز عماد أبي سلمى-، ونحن نحبه. شكرًا لأنك فتحت لنا باب بيتك كما تفتح قلبك. شكرًا لأنك قلت “عشاء خفيف” فإذا بنا أمام مأدبةٍ تُتذكر في التاريخ. وشكرًا، قبل ذلك وبعده، لأن وراء هذه المائدة قلبًا كبيرًا اسمه أم ريم.
اللهم يا واسع الفضل، يا أكرم من سُئل، نسألك أن تلبس أم ريم ثوب الصحة والعافية، وأن تذهب عنها كل تعب، وأن ترد إليها عافيتها ردًا جميلًا، وأن تجعل مرضها رفعةً في درجاتها، وتكفيرًا لذنوبها، وزيادةً في قربها منك. اللهم بارك لها في عمرها، وفي بيتها، وفي زوجها، وفي أبنائها. اللهم بارك في محمد عبد الرحمن أبي مازن، وبارك له في صحته وعمره ورزقه وأهله، واجعل بيته عامرًا بالمودة، والرحمة، والقرآن، والسكينة. اللهم بارك في ريم، ورائد، ورزان، واحفظهم بحفظك، واكتب لهم من الخير أوسعه، ومن التوفيق أجمله، ومن البركة أكملها.
اللهم اجعل هذا البيت بيتًا لا يعرف إلا الخير، ولا يخرج منه إلا الخير، ولا يدخله إلا الخير. اللهم ارحم الشيخ طه رحمةً واسعة، وارحم عمنا عبد الرحمن وأهله، واجزهم عما تركوا من طيب الأثر خير الجزاء، واجعل ما امتد من خلقهم في ذريتهم صدقةً جاريةً لهم في قبورهم. اللهم كما أكرمونا ذريتهم بطعامهم، فأكرمهم بفضلك. وكما أدفؤوا قلوبنا بمودتهم، فأدفئ قلوبهم برضاك. وكما جمعونا حول مائدتهم، فاجمعهم في الدنيا على المحبة، وفي الآخرة تحت لواء نبيك محمد ﷺ، في مقامٍ لا مرض فيه، ولا فراق، ولا حزن.
وفي آخر الليل… لم أعد أتذكر ماذا كان أول طبق. ولا أيُّ طبقٍ كان أكثر جمالًا. فالمائدة كلها ذابت في معنى واحد: كان هناك بيتٌ أكرمنا. لكن الأجمل من ذلك… أن صاحبة البيت كانت مريضة. ومع ذلك لم يقل المرض: اليوم لا كرم. بل قال القلب: اليوم يظهر الكرم أكثر. وهنا فهمت شيئًا لا تنساه المائدة: أن الكرم الحقيقي لا يظهر حين تكون قادرًا على العطاء فقط؛ وإنما يظهر حين تكون متعبًا، ومع ذلك يبقى قلبك قادرًا على أن يمنح. ولهذا… لم تكن مائدة أم ريم وأبي مازن مجرد عشاء. كانت شهادةً جديدة على أن بعض البيوت لا تطعم ضيوفها من مطابخها… بل تطعمهم من تاريخها، ومن أخلاق آبائها، ومن دعاء أمهاتها، ومن المحبة التي ورثوها جيلاً بعد جيل. ولهذا ستبقى ليلة الجمعة، 4 سبتمبر 2026، في ذاكرتي لا بوصفها ليلة مأدبة… بل ليلةً رأيت فيها الكرم وهو يمشي على قدمين، ومرضًا لم يمنع المحبة، وبيتًا لم يغلق بابه، وامرأةً غابت عن مجلسنا… فحضرت في كل لقمة. وذلك، يا أم ريم، هو أجمل حضور.