ههيا… حين مرَّ القطار من ذاكرة القلب

في الثانية التي ظهر فيها مزلقان ههيا على شاشة الهاتف، لم أشعر أنني أشاهد مقطعًا مصورًا. شعرت أن أحدًا فتح بابًا قديمًا في داخلي. بابًا ظل مغلقًا سنوات طويلة، لا لأنني نسيت ما وراءه، وإنما لأن بعض الذكريات لا تحتاج إلى أن نتذكرها كل يوم؛ يكفي أن تمر أمامنا إشارة صغيرة حتى تنهض دفعة واحدة، بكامل أصواتها وروائحها ووجوهها، وكأن الزمن لم يكن أكثر من ستار رقيق. توقفت. لم أكمل المشاهدة. قلت في سري: يا الله… ههيا! كأنني أنادي إنسانًا أعرفه. وكأن المدينة سمعتني.

كان المزلقان أول ما أخذني إليه الزمن. هناك، في ذلك المكان الذي يراه الناس مجرد معبر بين طريقين، كان أبي يقضي جزءًا من حياته. كان يعمل ملاحظ بلوك. ولم أفهم وأنا صغير معنى هذه المهنة كما أفهمها اليوم. كنت أرى رجلًا يعود من عمله، أو يقف عند السكة، أو يراقب القطار، أو يؤدي واجبه في هدوء. أما الآن، بعد أن عبرت بي الحياة محطات كثيرة، صرت أفهم أن أبي لم يكن يحرس سكة حديد فحسب. كان يحرس أمانة. كان يقف في موضعٍ يتوقف عنده الخطأ لثوانٍ، وتُفتح فيه الطريق أو تُغلق، ويصبح انتباه رجل واحد جزءًا من سلامة مئات المسافرين.

كان القطار يأتي. وكان أبي يعرف أن عليه أن يكون حاضرًا. لا مجال للغفلة. لا مجال لأن يقول: لعل أحدًا غيري ينتبه. هناك مسؤوليات في الحياة لا تستطيع أن تؤجلها، لأن حياة الآخرين قد تكون معلقة بلحظة من يقظتك. ولعلني لم أكن أعرف يومها أن أبي، وهو يقف عند المزلقان، كان يعلمني أول درس في القيادة دون أن يتحدث عن القيادة. أن تكون مسؤولًا حين لا يراك أحد.

كبرت. وغادرت المكان. وعبرت بلادًا كثيرة. ورأيت مؤسسات، ومدنًا، ومشروعات، وأزمات، وقيادات، ونجاحات، وإخفاقات. وقفت في مواقع ظننت أحيانًا أنها بعيدة جدًا عن ذلك المزلقان الصغير. ثم اكتشفت متأخرًا أنني لم أغادره تمامًا. كان شيء من أبي يمشي معي. كلما حملت مسؤولية، تذكرت الرجل الذي كان يقف عند السكة.

كلما كان قرار ما يتطلب يقظة، تذكرت أن هناك قطارًا لا ينتظر إهمال أحد. وكلما شعرت أن مسؤولية الإنسان أكبر من منصبه، عاد إليّ أبي من بعيد. ربما لهذا لا نستطيع أن نعرف متى تبدأ شخصيتنا الحقيقية. قد تبدأ في مكان لا نلتفت إليه. في أبٍ صامت. في أمٍ تدعو. في معلمٍ لا نذكر اسمه إلا بعد سنوات. في مسجد. في شارع. في مزلقان. وفي رجلٍ يقف كل يوم في المكان نفسه، يؤدي عمله بإخلاص، ولا يعرف أن طفلًا يراقبه من بعيد، وأن هذا الطفل سيحمل شيئًا من صورته إلى آخر العمر.

ثم ظهر في الفيديو رجل مسن. كان يعبر المزلقان ببطء. وبجانبه موظف يمسك بذراعه، يسنده، ويحاول أن يعبر به بعيدًا عن السيارات، بينما القطار يمر في الخلفية. مشهد بسيط. لكن قلبي لم يره بسيطًا. رأيت رجلًا يمضي ببطء. وقطارًا يمضي بسرعة. وشابًا يمد يده إلى رجل لا يعرفه. ورأيت الحياة كلها في تلك اللحظة. قلت: ما أعجب هذه الدنيا! نقضي أعمارنا نركض كي نسبق القطار، ثم نكتشف في آخر الطريق أن أجمل ما فعلناه كان حين أبطأنا خطواتنا كي نسند إنسانًا.

القطار يعرف طريقه. والساعة تعرف موعدها. والحياة لا تتوقف لأحد. لكن الإنسان يستطيع أن يتوقف. أن يمد يده. أن يسند ضعيفًا. أن ينتظر متأخرًا. أن يفتح طريقًا. أن يجعل عبور شخص آخر أكثر أمانًا. وربما لهذا لا يكون الأثر في الأشياء الكبيرة كما نتخيل. ربما يكون في ذراع امتدت إلى عجوز. في كلمة طيبة. في فنجان قهوة. في معلمٍ صبر على طفل. في أبٍ أدى عمله بإخلاص. في إنسانٍ لم يعرفه أحد، لكنه جعل الطريق أكثر أمانًا لغيره.

ثم أخذتني الكاميرا إلى شوارع ههيا. وهنا حدث شيء غريب. لم أعد أرى الشوارع. رأيت عمري. رأيت طفلًا يركض. وشابًا يضحك. ورجلًا كان يظن أن الحياة طويلة. ورأيت وجوهًا لم تعد موجودة في الشوارع، لكنها ما زالت تسكنني. هذه هي مشكلة المدن التي نحبها. أنها لا تسكن في الخرائط. تسكن فينا. قد يتغير الطريق. وقد يهدم بيت ويُبنى آخر. وقد تختفي دكانة كانت جزءًا من طفولتنا. وقد تتبدل الوجوه. لكن الذاكرة لا تعترف بالتغيير. تحتفظ بالأشياء كما أحببناها أول مرة.

ثم ظهرت طاسة الفلافل. فضحكت. ضحكة صغيرة، لكنها كانت تحمل سنوات. يا لهذه الرائحة! كيف استطاعت طاسة فلافل أن تفعل ما لم تستطع آلاف الصور أن تفعله؟ في لحظة واحدة عاد عمي حسن الديداموني. وعمي محمد أبو التهامي. وعمي عبد العال الدنف. وعمي محمد ابن خالتي فردوس. وعمي سعيد أبو غبن. وعمي كامل الحشاش. رحم الله من رحل منهم، وبارك فيمن بقي.

لم تعد أسماء. صاروا فجأةً يجلسون في مكان ما من القلب. كدت أسمع أحدهم يقول: “تعالى يا محمد… الطعمية لسه طالعة” يا الله… كيف يستطيع صوت لم يعد موجودًا أن يعود بهذه القوة؟ وكيف يستطيع شخص غاب منذ عقود أن يطرق باب الذاكرة من خلال رائحة؟ ربما لأن الإنسان لا يفقد من أحبهم حين يموتون. إنما يفقد قدرتهم على الظهور أمام عينيه. أما في القلب… فهم لا يزالون هناك.

ثم ظهرت المئذنة. وهنا لم أستطع أن أكمل المشاهدة سريعًا. توقفت مرة أخرى. مئذنة واحدة. لكنها كانت تحمل مدينة كاملة. رأيت مسجد النادي. ومسجد الحاجة آمنة. ومسجد الدبايشة. ومسجد أبو نحاس. وأبو حمادة الكبير. ومسجد المحطة. وأبو حمادة الصغير. وأبو زنية. والنصر. والسوق. ومسجد السراحنة. والمسجد الكبير. لم تكن المساجد يومها مباني. كانت شيئًا أكبر. كانت مدارس لا تحمل لافتات. كان الرجل الكبير يدخلها فيتعلم الصغير منه الوقار. وكان الطفل يسمع الأذان فيتعلم أن للحياة موعدًا أعلى من اللعب. وكانت الجمعة تجمع الناس، فتتعلم العين معنى الجماعة قبل أن يعرف العقل المصطلح. وكانت المآذن ترتفع فوق البيوت وكأنها تقول لنا، كل يوم: لا تجعلوا الدنيا أكبر من السماء.

أتذكر الأستاذ يوسف معوض، رحمه الله. أتذكر الكلمات التي كانت تأتي من فوق المنبر، ولا ندرك قيمتها ونحن صغار. ثم مرت السنوات. واكتشفت أن بعض الكلمات لا نفهمها حين نسمعها. نفهمها حين نعيشها. وأتذكر عمي علي أبو باشة، مؤذن مسجد حي النادي. لم يكن صوته بالنسبة لنا مجرد أذان. كان موعدًا. كان الحي كله يعرف صوته. وكان الأذان يعيد ترتيب اليوم. تتوقف حركة. ويبدأ معنى آخر. وأتذكر عمي أحمد أبو قرون. وأتذكر رجالًا كثيرين مروا في طفولتي، وربما لم أشكرهم يومًا لأنني لم أعرف أنني كنت أتعلم منهم. وهذه إحدى خدع الحياة: أجمل دروسنا قد نتعلمها من أناس لم يعرفوا أنهم كانوا معلمين. رجل يسلّم على الكبير. رجل لا يرفع صوته. رجل يعطي فقيرًا. رجل يفتح الطريق لغيره. رجل يجلس بعد الصلاة يسبّح الله. طفل صغير يراقب. ثم يمضي الجميع. وتبقى الصورة. وبعد ستين عامًا، يجد الطفل نفسه يحمل شيئًا من أولئك الرجال دون أن يعرف متى أخذه.

كان المسجد يربي القلب. وكانت المدرسة تربي العقل. وكان السوق يربي الإنسان على الناس. وكانت السكة تعلمنا الانتظار. وكان القطار يعلمنا أن المحطة لا تدوم. وكان أبي، دون أن أدري، يعلمني أن الأمانة لا تحتاج إلى جمهور. وهكذا بدأت أفهم ههيا بطريقة مختلفة. لم تكن مجرد المكان الذي ولدت فيه. كانت أول مؤسسة كبرى صنعتني. أسرتي كانت الإدارة الأولى. المسجد كان مدرسة الروح. المدرسة كانت مختبر العقل. الشارع كان جامعة الناس. كرة القدم كانت مدرسة الفريق. السوق كان درسًا في الحياة. وسكة الحديد كانت أول فلسفة للرحلة. كل شيء كان يعلمني. وأنا لم أكن أعرف أنني أتعلم.

ثم عاد الفيديو إلى السوق. بائع خضروات. طماطم يفصلها بيديه. ابتسامة هادئة. سويقة. محلات. ركشة تمر. رجل يقول: ” صباح العسل… صباح الورد. ” أشعر أن ههيا كلها لم تكن تعرض نفسها عليّ. كانت تستقبلني. كأن المدينة تقول: صباح الخير يا محمد. تأخرت كثيرًا. لكننا لم ننسك.

ثم ظهر البوفيه. القهوة. فنجان صغير. لكن الفنجان هذه المرة لم يكن صغيرًا. كان يتسع لعمر كامل. تذكرت عمي محمد أبو فريح. وتذكرت خالتي نفيسة السحورية، أم عبد الوهاب. وتذكرت خالتي محاسن، أم عبده. رحم الله الجميع. ما أغرب القهوة! تشربها في دقائق. لكن بعض فناجينها يبقى في الذاكرة عشرات السنين. لأن الذي يبقى ليس مذاق القهوة. بل من كان يجلس معك حين شربتها.

ثم الأشجار. الطريق. الرصيف. الفلاح يحمل أدوات المياه. السيارات تعبر. والمدينة تتحرك. لكن شيئًا واحدًا فقط كان يتحرك في داخلي: الزمن. كنت أنظر إلى ههيا بعينين. عين ترى ما أصبحت عليه. وعين ترى ما كانت عليه. وبين العينين كانت حياتي كلها.

فهمت يومها أن الإنسان لا يخرج من المكان الذي نشأ فيه بسهولة. قد يخرج بجسده. وقد يركب الطائرة. وقد يعبر الحدود. وقد يعيش في مدن لا تشبه مدينته الأولى. لكن هناك مكانًا صغيرًا يظل يحمل نسخة الطفل الذي كأنه.  مكانًا إذا عدت إليه، عاد الطفل. لا ليعيش من جديد… بل ليذكرك من كنت قبل أن تزدحم عليك الحياة.

يا ههيا… لعل أجمل ما بقي منك ليس شارعًا. ولا بيتًا. ولا سوقًا. ولا محطة. ولا سكة. بقيت روحك. صوت الأذان. صفير القطار. رائحة الفلافل. فنجان القهوة. ظل الشجرة. ابتسامة البائع. خطبة الجمعة. صوت أبي. ووجوه الذين مروا بنا ثم مضوا. مضوا بأجسادهم… لكنهم تركوا فينا شيئًا لا يمضي. تركوا الإنسان.

رحم الله أبي. كم أتمنى لو استطعت أن أعود إليه الآن، لا لأخبره بما فعلت، ولا بما أنجزت، ولا بالبلدان التي عبرتها، ولا بالمشروعات التي شاركت فيها. كنت سأجلس بجانبه فقط. وربما أقول له: يا أبي… الآن فهمت. فهمت لماذا كنت تقف هناك. فهمت معنى أن يكون الإنسان مسؤولًا عن طريق لا يملكه. فهمت أن الرجل قد يعيش عمره كله في وظيفة بسيطة، لكنه يترك في ابنه معنى لا تستطيع أعظم المناصب أن تمنحه. فهمت أنني، في كل رحلة حياتي، كنت أحمل شيئًا من ذلك الرجل الذي كان يقف عند السكة الحديد. وأنا لا أكتب اليوم عن أبي لأنه كان أبي فقط. أكتب عنه لأنه كان أول نموذج رأيته للإنسان الذي يؤدي أمانته ثم يمضي. رحمك الله يا أبي.

يا ههيا… كم من إنسان عبر شوارعك ثم مضى. وكم من إنسان غادر جسده المكان، وبقي قلبه فيه. فيك تعلمنا البساطة. وفيك عرفنا الجيرة. وفي بيوتك عرفنا المودة. وعلى أرصفتك عرفنا الناس. وفي مساجدك عرفنا أن الإنسان أكبر من يومه. وفي سوقك عرفنا أن الابتسامة قد تكون رزقًا. وعند سكتك عرفنا أن كل قطار له موعد. وأن كل محطة لها نهاية. ولهذا، كلما رأيت مئذنة في طريق، أتوقف قليلًا. لا لأنني رأيت مسجدًا. بل لأنني أرى ههيا. أرى أبي. أرى الصبا. أرى الوجوه. أسمع الأذان. أشم رائحة الصباح. وأشعر أن المسافة بين الأمس واليوم ليست طويلة كما نظن. فهي تختصرها أحيانًا مئذنة. أو رائحة. أو صورة. أو اسم. أو صوت. أو قطار.

وفي تلك الليلة، بعدما انتهى الفيديو، بقيت الشاشة مضيئة لحظات. ثم أغلقتها. لكن ههيا لم تنطفئ. جلست وحدي، وفكرت: كم من الأشياء ظننت أنني تركتها خلفي؟ ثم اكتشفت أنها كانت تمشي معي طوال الوقت. ربما كانت ههيا أول فصل في هذه الرحلة. وربما لم تكن البداية الحقيقية في يوم الميلاد. ربما بدأت الرحلة قبل أن أعرف معنى الرحلة. بدأت هناك… عند مزلقان. تحت مئذنة. في بيت متواضع. مع أب يقف لحراسة الطريق. ومع أم تضع في القلب ما لا تستطيع الأيام نزعه. ومع رجال طيبين. ومع مسجد. ومع مدرسة. ومع كرة. ومع طاسة فلافل. ومع فنجان قهوة. ومع قطار يجيء ويذهب.

ومن السكة الحديد تعلمت أول درس في الحياة: أننا جميعًا عابرون. لكنني تعلمت، بعد سنوات طويلة، درسًا آخر لم أفهمه وأنا طفل: ليس المهم أن تعرف إلى أين يذهب القطار. المهم أن تعرف ماذا ستترك في المحطة التي مررت بها. فالقطار يمضي. والسنوات تمضي. والأجساد تتعب. والمدن تتغير. والبيوت تهدم وتُبنى. والوجوه تغيب. وحتى نحن… نمضي. لكن شيئًا واحدًا يستطيع أن يخالف الرحيل: الأثر. يدٌ أسندت عجوزًا. أبٌ حرس طريقًا. معلمٌ أيقظ عقلًا. رجلٌ أطعم جائعًا. إنسانٌ علّم طفلًا. صديقٌ بقي في وقت الشدة. ووجهٌ مرّ ذات يوم في حياتك، فترك فيها من النور ما يكفي لتكمل الطريق.

ربما لهذا أرسل لي الله ذلك الفيديو في هذا الوقت بالذات. لم يرسل لي ههيا فقط. أرسل لي البداية. أرسل لي أبي. أرسل لي طفولتي. أرسل لي الذين سبقونا. وكأنه يقول لي: يا محمد… قبل أن تنظر إلى الطريق الذي قطعته، انظر إلى الطريق الذي صنعك. قبل أن تعد ما أنجزت، تذكر من صنعوا فيك الإنسان. وقبل أن تفكر في الأثر الذي ستتركه، تذكر أولئك الذين تركوا أثرهم فيك ولم يطلبوا منك شيئًا.

فقلت: يا رب… إن كانت الأيام قد أخذت منا من نحب، فلا تأخذ منا أثرهم. وإن كانت الأماكن قد تغيرت، فاحفظ أرواحها في ذاكرتنا. وإن كنا قد كبرنا، فلا تحرمنا ذلك القلب الصغير الذي كان يفرح بمئذنة، وينتظر القطار، ويركض إلى المسجد، ويعود إلى البيت وفي يده حكاية جديدة. واجعل ما بقي من العمر أصدق من الذي مضى. وأجمل من أن يكون مجرد سنوات. اجعله رسالة. واجعل كل محطة مررنا بها لبنة في خيرٍ يبقى.

شكرًا لمن أرسل هذا الفيديو. أنت لم ترسل لي مقطعًا من ههيا. أرسلت لي عمرًا كاملًا. أرسلت لي أبي. أرسلت لي المسجد. أرسلت لي الصبا. أرسلت لي وجوهًا أحببتها. أرسلت لي أيامًا لا يمكن أن تعود. لكنها عادت. عادت للحظات. وكأن قطارًا خرج من الماضي، ومرّ أمامي، ثم توقف عند قلبي.

يا ههيا…إذا مر بك قطار اليوم، فلن يعرف أن رجلًا كان يقف هنا يومًا، وأن له في هذا المكان عمرًا وحكاية. ولن يعرف أن ابن ذلك الرجل، بعد عقود، حين رأى مزلقانك على شاشة صغيرة، لم ير قطارًا يعبر. رأى أباه. رآه واقفًا. رآه يحرس الطريق. رآه شابًا. ثم رآه في ذاكرته كما كان. وفجأة… لم يعد يعرف أين انتهى أبي وبدأ هو.

وهكذا فهمت شيئًا أخيرًا: أن رحلة الحياة لا تبدأ حين نغادر. تبدأ حين نتشكل. ولا تُقاس بعدد البلاد التي عبرناها. بل بعدد القلوب التي عبرنا إليها. ولا تُقاس بما حملناه معنا. بل بما تركناه خلفنا. وأن أجمل ما في الإنسان ليس أن يصل بعيدًا… بل أن يظل، مهما ابتعد، وفي داخله مكانٌ صغير يعرف طريق العودة. ذلك المكان بالنسبة لي كان ههيا. وسيظل. وحين يسألني أحد يومًا: من أين بدأت؟ لن أقول: من أول وظيفة. ولا من أول سفر. ولا من أول مشروع. سأقول: بدأت من هناك… من مدينة صغيرة في الشرقية. من بيتٍ علّمني معنى الأمانة. من مسجدٍ علّمني معنى القلب. من شوارع علّمتني معنى الناس. ومن مزلقانٍ كان يقف عنده أبي… ومن قطارٍ علّمني، دون أن أدري، أن الحياة كلها محطات. ثم مضى القطار. ومضيت معه. لكنني تركت هناك شيئًا لا أريد أن أسترده أبدًا: طفلًا صغيرًا… ما زال يسكن ههيا.

محمد تهامي

محمد تهامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top