القائمة التي لم تنتهِ

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

حين كان الفجر يعلّمني ما لم تقله الكتب

في بعض البيوت، لا يموت الناس حين يموتون؛ يبقى منهم شيء لا تراه العين، لكنه يعيش في البيت طويلًا: صوت في الفجر، دعاء يتكرر، ومسبحة بين أصابع امرأة مسنّة، واسم يُقال كل صباح فلا يترك صاحبه غائبًا تمامًا. كنت أعود إلى البيت بعد الفجر، فأجد أمي جالسة تذكر الله وتسبّح، وأجد جدتي – رحمها الله – على مصلاها، والمسبحة في يدها. كانت تفرغ من الصلاة، لكنها لا تنصرف؛ وكأن الصلاة عندها لا تنتهي بالسلام، وإنما تبدأ بعدها رحلة أخرى في الذاكرة والوفاء وأسماء الذين سبقوها إلى الله.

كانت تذكر أجدادها اسمًا اسمًا، وتدعو لهم، وحين يأتي ذكر زوجها التهامي، كانت تقف عند اسمه طويلًا، فتدعو له وتذكر محاسنه وتستعيد شيئًا من جميله. لم تكن تتحدث عن الوفاء؛ كانت تمارسه. ولم تكن تقول لنا: لا تنسوا أصحاب الفضل؛ كانت تفعل شيئًا أبلغ من الوصية، كانت تجعلنا نرى كيف يكون الإنسان وفيًّا لمن غاب. ولم أفهم يومها أنني كنت أدخل كل صباح إلى مدرسة بلا جدران، وأن طفلًا يراقب امرأةً تمسك مسبحتها بعد الفجر، قد يحمل بعد عشرات السنين درسًا لا تنساه الأيام.

حين اكتشفت أن المسبحة كانت تحمل تاريخًا

ثم كبرت، وعرفت أن ما كانت جدتي تفعله لم يبدأ معها؛ كان أبي – رحمه الله – يفعل ذلك أيضًا. كان يمسك المسبحة، وكانت له قائمة من الأسماء: أجداده، ومن سبقوه، ومن كان لهم عليه فضل. كان يعرف أسماءهم، ويتذكرهم، ويدعو لهم. ولم تكن تلك القائمة ورقة يحملها في جيبه؛ كانت في قلبه، وربما لهذا لم يكن يخشى عليها من الضياع. كنت أراه ولا أعرف أنني أنظر إلى شيء سيصبح يومًا جزءًا مني. كنت أظن أن أبي يمسك مسبحته، واليوم أعرف أنه كان يمسك تاريخًا كاملًا من الوفاء؛ كان يحفظ أسماء أناس لم يعد يستطيع أن يجلس معهم، لكنه كان يستطيع أن يجلس بعد الفجر ويفتح لهم بابًا لا يغلقه الموت: باب الدعاء.

حين انتقلت القائمة من قلب أبي إلى قلبي

أما اليوم، فأجلس وحدي أحيانًا، وأمسك المسبحة، فأشعر أن بين أصابعي ليست حبات تُعدّ، بل أسماء تنتظر أن تُذكر. وهنا أفهم جدتي، وأفهم أبي، وأفهم لماذا كانا يطيلان الجلوس بعد الفجر. فأبدأ، ولا أبدأ بنفسي؛ أبدأ بمن علّم البشرية أول معنى للوجود: آدم عليه السلام، وأمنا حواء، ثم إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى، وخاتم النبيين محمد ﷺ، ثم أولئك الذين حملوا عنه النور، أصحابه، والسابقون، والمهاجرون، والأنصار، والعشرة المبشرون بالجنة، وأهل العلم وأهل القرآن، والعلماء الذين حفظوا العلم وعلّموه وحملوه من جيل إلى جيل. ثم أجد نفسي لا أستطيع أن أتوقف؛ لأن وراء كل عالم معلّمًا، ووراء كل معلّم أبًا أو أمًا، ووراء كل إنسان ترك أثرًا في الدنيا إنسانًا آخر ربما لم يعرفه أحد. فتكبر القائمة، وأصغر أمامها، وأشعر أنني لا أستطيع أن أكتب تاريخ الفضل كله، لأن الفضل أكبر من أن تحيط به ذاكرة إنسان واحد.

حين اقتربت الأسماء مني

ثم أقترب أكثر، فأجد أبي وأمي، وجدي وجدتي، وأجدادي وجداتي، وأعمامي وأخوالي، وأسـاتذتي ومعلميّ، وكل من علّمني حرفًا أو موقفًا أو خلقًا، وكل من قال لي كلمة في وقتها فغيّرت في حياتي طريقًا كاملًا، وكل من لم يقل شيئًا لكنه علّمني بصمته. ثم يأتي الأصدقاء، واحدًا واحدًا، بوجوه كثيرة وأسماء أكثر؛ أناس ربما نسيت متى التقيتهم، لكنني لا أنسى ما تركوه في قلبي. ثم تأتي البلاد والأماكن التي مررت بها، والبيوت التي فتحت أبوابها، والمجالس التي احتضنتني، والأيدي التي امتدت في وقت لم أطلب فيه شيئًا. وأكتشف شيئًا يخيفني ويؤنسني في الوقت نفسه: أن الإنسان لا يعرف عدد الأيادي التي حملته حتى يشتد عوده. نحن نظن أننا وصلنا بأنفسنا، ثم نلتفت خلفنا فنجد أناسًا كثيرين كانوا يدفعوننا إلى الأمام؛ أم دعت، وأب تعب، وجد حفظ، وجدة تذكرت، ومعلم علّم، وصديق سند، وغريب أحسن، وإنسان مر بنا دقائق ثم ترك في حياتنا أثرًا بقي عقودًا.

حين أصبحت الحبات وجوهًا

وأحيانًا تصل المسبحة إلى يدي فتتوقف الأصابع، لا لأن الأسماء انتهت، بل لأن القلب امتلأ. أذكر اسمًا فتأتي معه صورة، وأذكر صورة فتأتي معها حكاية، وأذكر الحكاية فتأتي معها دمعة، حتى لا أعرف: هل أنا الذي أستدعيهم من الذاكرة، أم أن الذاكرة هي التي تستدعيهم إليّ؟ ثم يحدث شيء لا أستطيع تفسيره؛ تتحرك الحبات بين أصابعي، لكن عينيّ تتوقفان. المسبحة تعدّ الحبات، والقلب يعدّ النعم. وهنا فقط أفهم لماذا كانت جدتي تدعو لأجدادها بالاسم؛ كانت تعرف شيئًا لا نتعلمه إلا متأخرين: أن النسيان ليس دائمًا فقدان الذاكرة، وأحيانًا يكون فقدان الوفاء.

الذين صنعوا حياتنا دون أن يظهروا في الصورة

كم من إنسان أحسن إلينا ولم نقل له: جزاك الله خيرًا؟ وكم من إنسان حمل عنا همًا ولم نعرف؟ وكم من إنسان دعا لنا ونحن نائمون؟ وكم من شخص فتح لنا بابًا ثم مضى، ولم يعلم أن ذلك الباب أصبح طريق حياتنا؟ وكم من معلّم نسي الدرس الذي أعطانا إياه، بينما نحن عشنا به عمرًا كاملًا؟ وكم من أم ظنت أن أبناءها كبروا ونسوا دعواتها، بينما كانت دعواتها هي التي سبقتهم إلى كثير من الأبواب؟ إن حياتنا، حين نتأملها بصدق، ليست سيرة فرد واحد؛ إنها سيرة أناس كثيرين مروا بنا، بعضهم بقي اسمه، وبعضهم غاب اسمه، لكن أثره لم يغب. نحن لا نقف وحدنا في الصورة؛ خلف كل واحد منا وجوه كثيرة، وأيدٍ كثيرة، ودعوات كثيرة، وقلوب كثيرة ساهمت في أن نكون ما نحن عليه.

حين اكتشفت أن الثروة ليست ما جمعناه

لهذا بدأت أفكر: ماذا لو كان أعظم ما نملكه ليس ما جمعناه، بل من نستطيع أن نتذكرهم بخير؟ ماذا لو كانت ثروتنا الحقيقية هي تلك الأسماء التي كلما ذكرناها قلنا: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم اجزه عني خيرًا؟ ماذا لو كان من أجمل صور الغنى أن يكون في ذاكرتنا من يستحقون الدعاء؟ عندها لا يعود الإنسان غنيًا بما في حسابه، ولا بما يملك، ولا بما تركه من أشياء؛ يصبح غنيًا بعدد القلوب التي يستطيع أن يستحضرها بالخير، وبعدد الأسماء التي لم يسمح للزمن أن يمحوها، وبعدد الأفضال التي لا يزال يعترف بها حتى بعد أن ابتعد أصحابها عن الدنيا.

حين فهمت أن الوفاء عملٌ لا ذكرى

وأدركت أن الوفاء ليس أن نبكي من رحلوا، فالبكاء وحده لا يعيد غائبًا ولا يؤدي حقًا. الوفاء أن نستمر في إيصال الخير إليهم بعد رحيلهم؛ أن نحفظ أبناءهم، ونذكر محاسنهم، وندعو لهم، ونكمل شيئًا من جميلهم، وأن نقول لمن بعدنا: كان هنا إنسان عظيم، وكان هنا أب كريم، وكانت هنا أم لا تنام قبل أن تطمئن على الجميع، وكان هنا معلّم لم يكن يعرف أنه يصنع أجيالًا، وكان هنا صديق لم يترك صاحبه وحده، وكان هنا إنسان مر بنا قليلًا، لكن الله جعل أثره طويلًا. فالأثر الحقيقي لا ينتهي عندما يغيب صاحبه؛ أحيانًا يبدأ بعد غيابه.

حين سألت نفسي: ومن سيذكرني؟

وأحيانًا أسأل نفسي: من سيضع اسمي يومًا في قائمته؟ ومن سيتذكرني بعد أن أصمت؟ ومن سيقول: اللهم ارحمه، كان له موقف معي، كان له فضل عليّ، قال لي كلمة في يوم احتجت إليها، أعطاني شيئًا لا يعرف أنه أعطاني إياه؟ ثم أعود إلى نفسي سريعًا وأقول: لا تفكر فيمن سيذكرك، فكر أنت فيمن يجب ألا تنساهم. لأن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان قبل أن يغادر هذه الدنيا ليس أن يبحث عن مكان له في ذاكرة الآخرين، وإنما أن يترك وراءه قلوبًا تعرف كيف تحفظ الجميل، وألسنةً تعرف كيف تدعو، وأبناءً يعرفون أن الإنسان لا يكبر بما يأخذ من الحياة فقط، وإنما بما يحفظ من أفضال من سبقوه.

حين صار الدعاء ردَّ الجميل الوحيد

يا الله، هذه ليست قائمة أسماء؛ هذه أعمار، وهذه بيوت، وهذه أمهات، وهذه آباء، وهذه جدات جلسن بعد الفجر ورفعن أيديهن لأناس لم يعد أحد يذكرهم، وهذه أجداد، وهذه معلمون، وهذه صداقات، وهذه مواقف، وهذه أفضال لا أستطيع أن أحصيها. يا الله، أنا أعجز عن الوفاء لكل من كان له فضل عليّ، فكن أنت وفيًّا عني. اللهم ارحم كل من علّمني، وكل من ربّاني، وكل من أحبني، وكل من سترني، وكل من دعا لي، وكل من أعانني، وكل من فتح لي بابًا، وكل من وقف إلى جواري حين لم أكن أملك إلا ضعفي. اللهم ارحم أبي وأمي وجدتي وأجدادي وجداتي وكل من سبقونا إليك، واجعل لهم من كل معروف صنعوه في حياتنا نورًا في قبورهم، ومن كل كلمة طيبة قالوها لنا رفعة في درجاتهم، ومن كل دمعة مسحوها عن قلوبنا رحمة تغمرهم، ومن كل دعوة دعوها لنا دعوة لا تردها. وإن كان بيننا وبين أحد ممن رحلوا تقصير فأنت تعلمه، وإن كان بيننا وبين أحد فضل لم نرده فأنت أكرم من يرد الجميل، وإن نسينا اسمًا فأنت لا تنسى، وإن عجزت ذاكرتنا عن جمعهم فرحمتك جمعتهم، وإن لم نعد نعرف أين صاروا فأنت تعرف أين هم.

حين أدركت أن القائمة لم تنتهِ

ثم أضع المسبحة جانبًا، ولا أعرف لماذا أشعر أن جدتي تجلس أمامي، وأبي إلى جوارها، وأن القائمة التي كان أبي يحملها لم تنتهِ؛ فقط انتقلت إليّ. وأعرف أن دوري الآن ليس أن أحفظ أسماءهم في ذاكرتي فقط، بل أن أحمل وفاءهم إلى من بعدي، وأن أعلم أبنائي أن وراء كل نعمة إنسانًا يستحق الدعاء، وأن وراء كل نجاح يدًا، وأن وراء كل إنسان ناجح أناسًا كثيرين لم تظهر أسماؤهم في الصورة، وأن الإنسان مهما بلغ لا ينبغي أن ينسى الذين أوصلوه إلى ما هو فيه. وربما كان هذا هو المعنى الأجمل للإرث: ألا نرث من آبائنا أموالهم فقط، ولا أسماءهم فقط، وإنما نرث الطريقة التي كانوا بها أوفياء لمن سبقوهم.

حين يصبح الإنسان امتدادًا لمن سبقوه

وربما لهذا، كلما أمسكت المسبحة الآن، لا أسأل: كم حبة بقيت؟ أسأل: كم قلبًا بقي في ذاكرتي؟ ثم أبدأ من جديد؛ اسمًا وراء اسم، ودعاء وراء دعاء، حتى تتعب الأصابع ولا يتعب الوفاء. لأن بعض القوائم لا ينبغي أن تنتهي، وقائمة أصحاب الفضل واحدة منها. وإذا جاء يومي الأخير، فلا أريد أن يقال: كان يملك كثيرًا، ولا أن يقال: كان يعرف كثيرًا، ولا أن يقال: كان مشهورًا. أريد فقط أن يكون هناك قلب ما، في مكان ما، يرفع يديه بعد الفجر ويقول: اللهم ارحم عبدًا مرّ في حياتي، فترك فيها شيئًا من الخير. وعندها… سأعرف أنني لم أذهب تمامًا. فقد بقي مني… دعاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top