
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
من الودّ قبل الوداع إلى إنسانية ما بعد المنصب
أيقونة المشهد | ازدحامٌ في فندق… وسؤالٌ في القلب
في فندق هوليدي فيلا بالدوحة، خلال يومي الجمعة والسبت 11-12 سبتمبر 2026، لفتني ازدحام غير معتاد. كان المشهد أكبر من حركة فندق عادية؛ وجوه كثيرة، لقاءات متتابعة، وحضور يوحي بأن وراءه مناسبة استثنائية. ظننت في البداية أن هناك وفدًا عابرًا، أو مسافرين في محطة ترانزيت، أو فعالية مهنية كبيرة. ثم سألت. فعرفت أن الرابطة الماليزية في قطر أقامت حفلًا لتكريم أحد أصدقائها، مهندسًا أمضى تسعة عشر عامًا في قطر، ثم حان وقت عودته إلى بلاده.
توقفت طويلًا عند المشهد. لم يكن ما رأيته مجرد احتفال برجل يغادر بلدًا. كان مجتمعًا يقول لإنسان: لقد عشت معنا سنوات من عمرك… ولذلك لن نسمح لرحيلك أن يمر كأنه لم يكن. ومن تلك اللحظة، لم يعد الحفل بالنسبة لي حفل وداع. صار سؤالًا. سؤالًا عن المؤسسات. عن الإنسان. عن الذاكرة. وعن تلك السنوات الطويلة التي قد يعيشها إنسان داخل مؤسسة، ثم يغادرها، فإذا بالمؤسسة تتصرف أحيانًا وكأن آخر يوم له كان أيضًا آخر يوم في تاريخها معه.
أيقونة المفارقة | تسعة عشر عامًا صنعت احتفالًا… فماذا تصنع ثلاثة عقود؟
تسعة عشر عامًا كانت كافية لأن يجتمع الناس حول رجل في لحظة الرحيل. فماذا عن إنسان أمضى في مؤسسة أكثر من ثلاثة عقود؟ ثلاثون عامًا ليست مدة وظيفية. إنها عمر كامل تقريبًا. خلال ثلاثة عقود تتغير الإدارات، وتتبدل السياسات، وتولد مشروعات، وتنتهي أخرى، وتتغير التكنولوجيا، وتتبدل الأجيال، وتتعاقب الوجوه، وتصبح المؤسسة التي بدأها الإنسان في أول الطريق مختلفة عن المؤسسة التي يغادرها في آخره. لكن هناك شيء لا يتغير بسهولة: السنوات التي أعطاها الإنسان. فالإنسان لا يضع في المؤسسة ساعات عمله فقط. يضع خبرته. وعلاقاته. وذاكرته. وشبابه. وأحيانًا أجزاء من حياته الخاصة التي لم تظهر يومًا في أي تقرير إداري. ولهذا فإن السؤال ليس: ماذا يستحق الموظف بعد ثلاثين عامًا؟ بل: ماذا تستحق السنوات الثلاثون في ذاكرة المؤسسة؟
أيقونة المؤسس | حين يكون الإنسان جزءًا من حكاية البداية
تصبح المسألة أكثر عمقًا عندما لا يكون الإنسان موظفًا عابرًا، بل واحدًا ممن شاركوا في تأسيس المؤسسة. المؤسس ليس مالكًا أبديًا للتاريخ، ولا يعني تأسيسه أن تستمر رؤيته إلى ما لا نهاية. المؤسسات تتطور. والقيادات تتغير. والرؤى تختلف. وقد يصل الاختلاف بين المؤسس والإدارة إلى لحظة يصبح فيها الانفصال أمرًا واقعًا. لكن هناك حقيقة ينبغي ألا تضيع وسط الاختلاف: يمكن أن تتغير علاقتك بالإنسان دون أن يتغير تاريخك معه. قد لا توافقه اليوم. لكن هذا لا يمحو ما فعله بالأمس. وقد تختلف معه في طريقة إدارة المؤسسة. لكن ذلك لا يجعل سنوات التأسيس أقل قيمة. وقد ينتهي الطريق المشترك. لكن ليس من الضروري أن تنتهي معه كلمة: شكرًا.
أيقونة الاختلاف | الخلاف الإداري لا يعيد كتابة التاريخ
من أكثر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها المؤسسات أن تجعل الخلاف في الحاضر يعيد تقييم الماضي كله. يختلف القائد مع الإدارة. تتغير الرؤية. تتبدل الأولويات. تنشأ اختلافات في الإدارة أو الحوكمة. ثم يبدأ الماضي في فقدان قيمته الرمزية. وهنا يجب أن نفرق بين أمرين لا ينبغي الخلط بينهما: المساءلة المؤسسية، والتقدير الإنساني. يمكن للمؤسسة أن تحاسب. ويمكنها أن تختلف. ويمكنها أن تنهي علاقة العمل. ويمكنها أن تختار طريقًا جديدًا. لكنها تستطيع في الوقت نفسه أن تحفظ للإنسان ما قدمه. فالاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى نكران. والحوكمة لا ينبغي أن تتحول إلى محو للذاكرة.
أيقونة الود قبل الوداع | اللحظة التي تكشف حقيقة العلاقة
قد تكون العلاقة جميلة جدًا ما دام الإنسان داخل المؤسسة. الهواتف لا تتوقف. الدعوات كثيرة. الاجتماعات ممتدة. المناسبات حاضرة. والقرب يبدو طبيعيًا. لكن لحظة الرحيل تكشف سؤالًا مختلفًا: هل كان القرب من الإنسان… أم من موقعه؟ وهنا تبدأ الحقيقة في الظهور. حين لا يعود هناك توقيع. ولا ميزانية. ولا مشروع يحتاج إلى قرار. ولا منصب يفتح بابًا. ولا سلطة تمنح فرصة. ثم يبقى الاتصال. تبقى الدعوة. تبقى الزيارة. يبقى السؤال الصادق: كيف حالك؟ هناك فقط ندرك أن العلاقة تجاوزت الوظيفة. ولهذا أؤمن أن الود الحقيقي يبدأ قبل الوداع، لكنه يُختبر بعده.
أيقونة الجفاف | لا تنقطع العلاقات دائمًا… لكنها قد تجف
ليست كل العلاقات التي تتغير بعد المغادرة علاقات مصلحية. وهنا يجب أن نكون منصفين. الحياة تتغير. الناس ينشغلون. الأدوار تتبدل. المسافات تكبر. وتنشأ مسؤوليات جديدة. لكن هناك فرقًا بين أن تقل العلاقة بحكم الحياة، وبين أن تجف لأن المنصب انتهى. الجفاف لا يعني أن الناس أصبحوا غرباء. قد تبقى الأسماء. وقد تبقى التحية. وقد تبقى بعض المناسبات. لكن الدفء يتراجع. تقل المبادرة. تختفي التفاصيل. ويصبح الإنسان الذي كان بالأمس جزءًا من المشهد مجرد ذكرى بعيدة. وهذا هو ما يمكن أن نسميه: جفاف العلاقات الإنسانية المؤسسية. وهو مفهوم يستحق أن تدرسه المؤسسات لا بوصفه مشكلة عاطفية، بل بوصفه مؤشرًا على عمق ثقافتها الإنسانية.
أيقونة المؤسسة الناضجة | أن تحفظ الإنسان دون أن تحفظ منصبه
المؤسسة الناضجة لا تعني أنها تحتفظ بكل من عمل فيها. ولا تعني أن كل علاقة يجب أن تستمر بالشكل نفسه. بل تعني شيئًا أعمق: أن تعرف كيف تفصل بين انتهاء الدور وانتهاء القيمة. قد ينتهي منصب الإنسان. قد تنتهي مسؤوليته. قد تتغير علاقته التنظيمية. لكن لا ينبغي أن تنتهي قيمته التاريخية. وهنا تتجاوز المؤسسة مفهوم الموارد البشرية إلى مفهوم أكثر إنسانية: رعاية رأس المال الإنساني الممتد. فالبحوث الإدارية الحديثة بدأت تنظر إلى علاقات المؤسسات بموظفيها السابقين بوصفها موردًا قد يحمل معرفة وشبكات وفهمًا عميقًا لثقافة المؤسسة، لا مجرد علاقة انتهت بانتهاء عقد العمل.
أيقونة التكريم | ليست قيمة الحفل في فخامته
قد لا تحتاج المؤسسة إلى حفل ضخم. ولا إلى قاعة فاخرة. ولا إلى ميزانية كبيرة. أحيانًا تكفي كلمات صادقة. صورة تجمع الزملاء. درع بسيط. رسالة وفاء. أو لقاء صغير يقول للإنسان: لقد رأينا ما قدمته. التكريم الحقيقي ليس في تكلفة المناسبة. إنه في المعنى الذي يصل إلى قلب من يُكرَّم. وهذا مهم لأن الاعتراف بالجهد ليس مجرد مجاملة؛ فالأبحاث الحديثة تربط جودة الاعتراف التنظيمي بالارتباط والثقافة واحتمالات البقاء، وإن كانت آثار التقدير تعتمد على كيفية تصميمه وتلقيه، لا على مجرد وجود برنامج احتفالي. لذلك لا ينبغي للمؤسسة أن تسأل: كم أنفقنا على حفل التكريم؟ بل: هل شعر الإنسان أن سنواته كانت مرئية؟
أيقونة الذاكرة | المؤسسة التي تنسى من بناها تفقد جزءًا من نفسها
المؤسسة ليست الحاضر فقط. إنها طبقات متراكمة من البشر. كل مشروع يحمل آثار أشخاص. كل نظام وراءه من صممه. كل نجاح وراءه من تحمل أيامه الصعبة. كل مرحلة لها أصحابها. ولهذا فإن الذاكرة المؤسسية ليست مجرد ملفات محفوظة في الأرشيف. إنها أيضًا: ذاكرة الفضل. حين تنسى المؤسسة من أسهم في بنائها، فإنها لا تخسر شخصًا فقط. إنها تخسر جزءًا من روايتها. وقد تتغير الإدارة، لكن لا ينبغي أن يتغير احترام التاريخ.
أيقونة ما بعد المغادرة | ماذا لو لم تكن المغادرة نهاية؟
لماذا تنتهي علاقة المؤسسة بالإنسان بمجرد انتهاء علاقته الوظيفية؟ لماذا لا يكون هناك مفهوم مؤسسي واضح لما بعد المغادرة؟ لماذا لا يكون هناك مجتمع لخريجي المؤسسة؟ لماذا لا يُستفاد من خبراتهم؟ لماذا لا تُدعى بعض الشخصيات السابقة إلى المناسبات؟ لماذا لا تحفظ المؤسسة خطوط التواصل الإنساني؟ ولماذا لا يصبح الخروج من المؤسسة انتقالًا في العلاقة، لا إعدامًا لها؟ هذا ليس خيالًا إداريًا. هناك بالفعل اتجاه بحثي متنامٍ يدرس علاقات المؤسسة بموظفيها السابقين، وكيف يمكن أن تستمر هذه العلاقات وتخلق قيمة بعد انتهاء التوظيف الرسمي. وهنا يمكن للمؤسسة أن تتجاوز مفهوم “إجراءات المغادرة” إلى مفهوم أكثر إنسانية وعمقًا“ما بعد المغادرة“، فالمغادرة تنهي دورًا وظيفيًا، لكنها لا ينبغي أن تنهي علاقة إنسانية بُنيت عبر سنوات من العمل والعطاء..
أيقونة القيادة | القائد الحقيقي يُعرف أيضًا بطريقة وداعه
القائد لا يُختبر فقط عندما يكون في قمة السلطة. بل عندما يفقدها. والقيادة لا تظهر فقط في لحظة اتخاذ القرار. بل في لحظة المغادرة. كيف يتصرف الإنسان عندما لا يعود محتاجًا إلى الآخرين؟ وكيف تتصرف المؤسسة عندما لا تعود محتاجة إلى الإنسان؟ هنا يظهر الفرق بين القيادة التي بنت شبكة مصالح، والقيادة التي بنت شبكة أثر. القائد الذي يترك خلفه أشخاصًا يتذكرونه بالخير، ليس لأنه كان يملك قرارهم، بل لأنه احترم إنسانيتهم، ترك شيئًا لا تستطيع اللوائح أن تصنعه.
أيقونة الحوكمة الإنسانية | حين تلتقي العدالة بالوفاء
قد يخشى البعض أن يؤدي الحديث عن الوفاء إلى إضعاف الحوكمة. والحقيقة أن العكس ممكن. الوفاء لا يعني تجاوز النظام. والتكريم لا يعني التغاضي عن الأخطاء. والعلاقة الإنسانية لا تعني تعطيل القرار. يمكن للمؤسسة أن تكون صارمة في الحوكمة، واضحة في المساءلة، عادلة في القرارات، وفي الوقت نفسه شديدة الإنسانية. العدالة تحدد كيف نختلف. والإنسانية تحدد كيف نختلف دون أن نهدم كرامة بعضنا. وهذه ربما إحدى أهم قواعد القيادة المؤسسية في القرن الحادي والعشرين.
أيقونة السؤال العالمي | هل نُكرّم المنصب أم الإنسان؟
قد يكون السؤال الأكثر إزعاجًا هو: متى نُكرّم الإنسان؟ هل نكرمه لأنه صاحب قرار؟ أم لأنه أعطى؟ هل نحتفي به لأنه يستطيع أن يمنح؟ أم لأنه منح بالفعل؟ هل نقترب منه لأنه في موقع القوة؟ أم لأننا نحترم الإنسان الذي يقف خلف الموقع؟ هذه الأسئلة لا تخص مؤسسة بعينها. إنها تخص كل مؤسسة في العالم. وكل مجلس إدارة. وكل قائد. وكل مدير موارد بشرية. وكل إنسان أمضى سنوات من عمره في مكان ثم وجد نفسه خارجه.
أيقونة المقياس الجديد | لا تسألوا فقط كم بقي… اسألوا ماذا بقي
اعتدنا أن نقيس المؤسسة بالأرقام: الإيرادات. المشروعات. النمو. عدد الموظفين. الانتشار. لكن هناك مقياس آخر نادرًا ما يظهر في التقارير: ماذا بقي من المؤسسة في قلوب من غادروها؟ هل يتحدثون عنها باحترام؟ هل يشعرون أن سنواتهم كانت ذات معنى؟ هل يستطيعون العودة إليها دون حرج؟ هل تستقبلهم المؤسسة باعتبارهم جزءًا من تاريخها؟ هل ما زال بينهم وبين زملائهم ودّ حقيقي؟ هذا ليس مقياسًا عاطفيًا هامشيًا. إنه سؤال عن الهوية المؤسسية نفسها.
أيقونة السنوات الثلاثين | العمر الذي لا يُختصر في شهادة
ثلاثون عامًا يمكن أن تختصرها إدارة الموارد البشرية في سطر: مدة الخدمة: 32 سنة. لكن الإنسان يعرف أن الرقم لا يقول الحقيقة كلها. فخلف الرقم: أزمات. وسفر. واجتماعات. ومشروعات. وأصدقاء. وأيام نجاح. وأيام فشل. وأشخاص رحلوا. وأشخاص ولدوا. وأجيال دخلت المؤسسة بعده. وأحلام بدأها ولم يرَ نهايتها. ولهذا فإن أعظم ظلم يمكن أن يقع على الإنسان المؤسسي هو أن تُختزل حياته المهنية كلها في تاريخ دخول وتاريخ خروج.
أيقونة الاستدامة | المؤسسة التي تحفظ الود تبني جسرًا للمستقبل
المؤسسة التي تحافظ على علاقتها بمن غادروها لا تحافظ على الماضي فقط. إنها تستثمر في المستقبل. فالموظف السابق قد يصبح شريكًا. أو مستشارًا. أو سفيرًا للسمعة. أو مصدر معرفة. أو جسرًا إلى مؤسسة أخرى. أو مجرد إنسان يحمل ذكرى طيبة عن المكان. والأبحاث الحديثة حول علاقات الخريجين المؤسسيين تتعامل مع هذه العلاقات بوصفها قناة محتملة للمعرفة والموارد والشبكات والارتباط بالهوية المؤسسية بعد انتهاء العمل الرسمي. وهكذا يصبح الوفاء أصلًا استراتيجيًا، لا مجرد خلق اجتماعي.
أيقونة الخروج النبيل | يمكن أن ينتهي العمل دون أن تنتهي الكرامة
قد يكون الإنسان هو الذي قرر الرحيل. وقد تكون المؤسسة هي التي اتخذت القرار. وقد يكون بينهما اختلاف حقيقي. وقد لا يكون هناك طريق للعودة. لكن يمكن دائمًا أن يكون هناك طريق للكرامة. يمكن أن نقول: اختلفنا، لكننا لا ننكر فضلك. افترقنا، لكننا لا نمحو تاريخك. انتهت مسؤوليتك، لكن لم تنته إنسانيتك. وهذه ليست لغة مثالية. إنها لغة مؤسسة تعرف الفرق بين إنهاء علاقة عمل وإنهاء علاقة إنسان.
أيقونة الدرس | لا تجعلوا الاختلاف يمحو الامتنان
ربما كانت تلك المناسبة الصغيرة في فندق هوليدي فيلا بالدوحة درسًا أكبر مما تبدو عليه. رجل أمضى تسعة عشر عامًا في قطر. فاجتمع حوله أصدقاء ليقولوا له: لن تمر مغادرتك بلا أثر. وهنا عدت أتساءل: كم من إنسان أمضى عشرين عامًا؟ كم من إنسان أمضى ثلاثين؟ كم من إنسان أمضى أكثر من ذلك؟ كم من إنسان أسس، وبنى، وتحمل، ثم غادر بسبب اختلاف في الرؤية أو الإدارة؟ وكم مؤسسة قالت له عند المغادرة، بصدق: شكرًا؟ ربما نحتاج إلى إعادة اكتشاف هذه الكلمة. لا باعتبارها مجاملة. بل باعتبارها قيمة مؤسسية.
أيقونة المستقبل | من إدارة المغادرة إلى رعاية الإنسان بعد المغادرة
ربما آن الأوان لأن تضيف المؤسسات إلى أنظمتها مفهومًا جديدًا: رعاية ما بعد المغادرة رعاية لا تعني التدخل في حياة الإنسان. ولا تعني استمرار العلاقة الوظيفية. ولا تعني محاباة أحد. بل تعني أن يكون لدى المؤسسة وعي بأن الإنسان الذي يغادرها يمكن أن يظل جزءًا من ذاكرتها الإنسانية. أن يكون هناك تكريم عادل. وتوثيق للتاريخ. وشبكة خريجين. وتواصل اختياري. ومناسبات تجمع الأجيال. وفرص للاستفادة من الخبرة. وأهم من ذلك كله: ثقافة لا تعتبر المغادر شخصًا انتهت صلاحيته بمجرد خروجه من الهيكل التنظيمي.
أيقونة الخاتمة | حين يغادر القرار… ويبقى الإنسان
في النهاية، ليست القضية في حفل. وليست القضية في درع. وليست القضية في صورة تذكارية. القضية أكبر من ذلك بكثير. إنها في السؤال الذي يجب أن تطرحه كل مؤسسة على نفسها: ماذا نفعل بالإنسان عندما تنتهي حاجتنا إلى منصبه؟ هناك تبدأ الحضارة المؤسسية. لأن الإنسان داخل المؤسسة قد يكون محاطًا بالناس لأنه يملك القرار. لكن الاختبار الحقيقي يأتي عندما يغادر القرار. عندها فقط نعرف: هل كان الناس يحبون الإنسان؟ أم كانوا يحتاجون إلى سلطته؟ وهل كانت المؤسسة تبني علاقات؟ أم كانت تبني مصالح؟ وهل كان الود حقيقيًا؟ أم كان مؤجلًا إلى أن تنتهي الحاجة؟
ثلاثة عقود من العمر لا ينبغي أن تختصرها ورقة خروج. واختلاف في الرؤية لا ينبغي أن يمحو تاريخًا. ورحيل الإنسان لا ينبغي أن يعني رحيل الود. لقد رأيت في ذلك الفندق رجلًا أمضى تسعة عشر عامًا في بلد، فاجتمع الناس حوله عند الرحيل. فقلت في نفسي: ما أجمل أن تقول المجتمعات للإنسان: شكرًا قبل أن تقول له: وداعًا. ثم اتسع السؤال: وما أجمل أن تتعلم المؤسسات الشيء نفسه. أن تعرف أن المنصب عابر. وأن القرار يتغير. وأن الإدارة ترحل. وأن الهياكل تتبدل.
لكن الإنسان الذي أعطى عمره للمؤسسة لا ينبغي أن يصبح غريبًا بمجرد أن يغادر بابها. لذلك، ربما تكون إحدى علامات المؤسسة الناضجة في عصرنا الجديد ليست فقط: كم موظفًا استطاعت أن تستقطب، ولا كم مشروعًا استطاعت أن تنجز، ولا كم من المال استطاعت أن تدير، بل: كم إنسانًا استطاعت أن تحفظ له كرامته وذكراه وودّه… حتى بعد أن لم يعد لها منه شيء؟ فهنا تحديدًا، يغادر القرار… ويبقى الإنسان. وهنا فقط، ينتهي المنصب… ولا ينتهي الأثر. وهنا تصبح المؤسسة أكثر من مكان للعمل: تصبح مكانًا يعرف كيف يحفظ الإنسان.