
محمد تهامي
هناك مدنٌ تزورها بعينيك…وهناك مدنٌ تزورها بقلبك. وإسطنبول من المدن التي لا تكتفي بأن تريك البحر؛ بل تجعلك تشعر أن في البحر ذاكرةً، وأن في مآذنها حكاياتٍ لا تنتهي، وأن في شايها التركي شيئًا من فلسفة أهلها في الجلوس، والأنس، وإطالة الحديث، وإكرام من جاء إليهم. لكنني في هذه الرحلة اكتشفت إسطنبول أخرى…إسطنبول التي يصنعها الإنسان حين يحب ضيفه.
كان الغالي المهندس عادل عطية معنا، ولم تكن علاقتنا بالمائدة عنده علاقةَ جوعٍ وشبع. كانت شيئًا آخر تمامًا. منذ اليوم الأول، بدا لي أن الرجل لا يقدّم لنا الطعام؛ بل يفتح لنا أبوابًا متتالية من قلبه. مائدة وراء مائدة… وكأن كل مائدة تقول: لم تنتهِ الحكاية بعد.
الأحد 20 سبتمبر… حين بدأ البحر بالمائدة
في ذلك الأحد، كان البحر حاضرًا قبل أن يصل الطعام. إسطنبول مدينةٌ لا تستطيع أن تفصل فيها المائدة عن الماء. هناك دائمًا زرقةٌ في الخلفية، ونسمةٌ تمر من جهة البحر، وسفنٌ تعبر، وشايٌ ينتظر في كأسه الصغير، وكأن المدينة كلها تجلس معك. ثم جاءت المائدة. أسماكٌ مشوية بالردة، وقد أخذت من النار لونها ورائحتها، والسنجاري، والجمبري، والملوخية بالجمبري، وشوربة السي فود، والخبز المصري… مائدةٌ جمعت بين البحر الذي يحيط بإسطنبول، والبيت المصري الذي يسكن في الذاكرة.
كانت السمكة المشوية تقول شيئًا مختلفًا عن كل ما يقال في المطاعم: إن البساطة حين تُتقن تصبح فخامة. وكان الجمبري يجاور الملوخية، وكأن البحر والنيل التقيا على طاولة واحدة. أما شوربة السي فود، فكانت تختصر حكاية الماء كلها في طبق. ثم ظننا أن المائدة وصلت إلى نهايتها. لكن عند عادل عطية… لا تنتهي المائدة عندما ينتهي الطعام. ظهرت الكنافة. ثم الشاي التركي بأنواعه. وهنا أخذ المساء شكله الآخر. فالطعام كان قد أشبع الجسد، أما الشاي فبدأ يطيل عمر الجلسة. وهذه إحدى أسرار الموائد الجميلة: أن أجمل ما فيها أحيانًا يأتي بعد أن يشبع الجميع. عندما لا يعود أحد محتاجًا إلى الطعام، ويبقى الجميع محتاجين إلى بعضهم.
يقول ابن خلدون، في معنى عميق من معاني الاجتماع الإنساني، إن الإنسان لا يستقيم أمره منفردًا؛ فهو يعيش بالاجتماع والتآلف والتعاون. لكنني في تلك الليلة فهمت المعنى من جهة أخرى: قد يجتمع الناس حول الطعام، لكن الذي يبقيهم حول المائدة هو الألفة. فالطعام يجمع الأجساد لحظة… أما المحبة فتجمع الأرواح طويلًا. ولذلك، لا أتذكر من مائدة الأحد عدد الصحون التي كانت عليها بقدر ما أتذكر ذلك الشعور الهادئ الذي كان يقول: ما أجمل أن تجد من يفكر فيك قبل أن تفكر أنت في نفسك.
الاثنين 21 سبتمبر… مائدة النار
وفي اليوم التالي، لم يقل الرجل: يكفينا ما كان بالأمس. بل جاءت مائدة أخرى. كأن الكرم عنده ليس حدثًا عابرًا، وإنما حالة إقامة. كانت هذه المرة مائدة مشويات. لحم ودجاج. لبن تركي. أسياخ تتوالى. كبدة. تكا. دجاج. كفتة، كبة. سلطات. وأكلة بالبهارات على شاكلة الكفتة النية باللحم كأنها شيء آخر؛ تؤكل بورق الخس، فتأخذ اللقمة شكلًا مختلفًا، وتلتقي حرارة البهارات ببرودة الخضرة. ثم العرائس باللحم… ثم الشاي التركي. مرة أخرى… الشاي. وكأن الشاي عند الأتراك ليس شرابًا يُقدّم بعد الطعام، بل علامة ترقيم تقول: لا تستعجلوا الرحيل. وهذه واحدة من أجمل فلسفات الضيافة. أن تقول لضيفك بكل ما لا تستطيع الكلمات أن تقوله: ابقَ قليلًا.
كنت أنظر إلى الموائد المتتالية، وأتساءل: من أين يأتي الإنسان بهذه الطاقة كلها في العطاء؟ ثم أدركت أن بعض الناس لا ينفقون من جيوبهم عندما يكرمونك… ينفقون من أرواحهم. والفرق كبير. فمن ينفق من المال قد يتعب حين ينقص المال. أما من ينفق من المحبة، فكلما أعطى زادت محبته. وهذه حكمة لا تحتاج إلى اسم قائل: “الكرم الذي يحسب ما أنفقه ينتهي بانتهاء الحساب، والكرم الذي لا يحسب يبقى بعد أن تنتهي المائدة.”
الأربعاء 23 سبتمبر… عافيات، حين تحولت المائدة إلى مشهد
ثم جاء الأربعاء. وكان الموعد مع مطعم عافيات ات. وهنا قلت في نفسي: ربما ستكون هذه هي المائدة التي تُغلق فصل الموائد. لكنني كنت قد تعلمت شيئًا عن العزيز م عادل عطية: لا تراهن على أن المائدة الأخيرة هي الأخيرة. بدأت الحكاية بالسلطات. أطباق السلطة الخضراء. أطباق الجرجير. واللبن التركي. ثم بدأ المشهد الذي لا تستطيع العين أن تلحق به. طبق يأتي… ثم طبق. ثم طبق آخر. وتتوالى المشويات صنفًا وراء صنف. وكان المهندس عبد الله عادل في حركة لا تهدأ، يوزع من طبق إلى طبق، وكأنه لا يريد لضيف أن يفوته شيء. أسياخ الكبدة. أسياخ التكا بأنواع متعددة من اللحوم. طرق مختلفة في الطهي. أسياخ تكا الدجاج. أطباق الدجاج المشوي. أطباق أجنحة الدجاج. ثم الشاي التركي… مرة أخرى. ذلك الشاي الذي صار في هذه الرحلة أشبه بخاتمٍ على كل مائدة. وكان المشهد أكبر من الطعام. فالمهندس عبد الله لا يوزع الطعام فحسب. كان يوزع الاهتمام. وهنا تتغير المسألة كلها. لأن الضيف لا يشعر بالكرم عندما يرى كثرة الأطباق فقط. يشعر به عندما يرى يدًا تمتد إليه.
كان يمكن أن تمر هذه الأيام الثلاثة على أنها ثلاثة لقاءات وثلاث وجبات. لكنني أرفض أن أراها كذلك. لقد كانت روايةً من ثلاث فصول. الفصل الأول: البحر. الفصل الثاني: النار. الفصل الثالث: المائدة التي اجتمعت فيها السلطات واللحوم والشاي واليد التي لا تتوقف عن العطاء. وفي الفصول الثلاثة كان هناك بطل واحد لا يظهر في الصورة دائمًا: المحبة.
قال الرافعي، في معنى من أجمل معانيه عن الإنسان، إن قيمة المرء ليست فيما يملكه لنفسه، وإنما فيما يستطيع أن يتركه في نفوس الآخرين. وهذا المعنى كان يمشي أمامي على هذه الموائد. فماذا يبقى من السمكة بعد أيام؟ وماذا يبقى من الكبدة والتكا والكبة؟ وماذا يبقى من الكنافة؟ قد لا يبقى شيء من الطعام. لكن يبقى شيء آخر… يبقى شعور الإنسان بأنه كان محبوبًا. وهذا، في رأيي، أحد أثمن الأشياء التي يمكن أن يمنحها إنسان لإنسان.
وأحيانًا… يأتي العطاء من مكانٍ لا تستطيع أن تراه. يصل من السماء إلى القلب أولًا، ثم يتحول في الأرض إلى يدٍ تمتد، ومائدةٍ تُفرش، وكأس شايٍ يُصب، وطبقٍ يُقرّب إليك، وسؤالٍ بسيط: ” هل تريد المزيد؟” ما أعجب هذه الجملة! ثلاث كلمات فقط… لكنها قد تختصر علاقةً كاملة: هل تريد المزيد؟ أي: هل اكتفيت؟ هل ارتحت؟ هل أعجبك؟ هل أنت بخير؟ هل تحتاج شيئًا؟ أنا هنا. ولهذا أقول: بعض الناس لا يقدمون لك الطعام؛ يقدمون لك طمأنينةً على هيئة طعام.
يا مهندس عادل… لم تكن الموائد الثلاث موائدك وحدك. لقد كان معنا فيها البحر التركي، والنكهة المصرية، والروح العربية، والكرم الذي لا يعرف حدودًا بين بلد وبلد. لكن الأهم من كل ذلك أنك جعلت إسطنبول، خلال هذه الأيام، أقل شبهًا بمدينة نزورها… وأكثر شبهًا ببيتٍ لنا فيه أهل. وما أجمل المدن حين يصبح فيها لك أهل. وما أجمل السفر حين لا تعود تذكر أسماء الشوارع بقدر ما تذكر أسماء الرجال الذين فتحوا لك قلوبهم.
ثلاثة أيام فقط… الأحد. الاثنين. الأربعاء. لكنني أشعر أن بينها مسافةً من الذكريات أكبر من سنوات. الأحد كان بحرًا وشواءً وجمبريًا وملوخيةً وشوربة سي فود وخبزًا مصريًا، ثم كنافةً وشايًا تركيًا. والاثنين كان نارًا ولحمًا ودجاجًا وكبدةً وتكا وكبةً وعرائس وسلطات ولبنًا تركيًا، ثم شايًا لا يريد للمجلس أن ينتهي. والأربعاء كان عافيات، حيث بدأت السلطات والجرجير واللبن، ثم انفتحت أبواب المشويات، وبدأت الأسياخ تتوالى، من الكبدة إلى التكا إلى الدجاج وأجنحته، وكانت يد المهندس عبد الله تنتقل من طبق إلى آخر وكأنها تقول: خذوا… فالمحبة لا تُؤكل وحدها.
وفي النهاية… فهمت أن المائدة ليست المكان الذي نضع عليه الطعام. المائدة هي المكان الذي تظهر عليه أخلاق الناس. هناك من يضع طعامًا كثيرًا، ولا يترك في نفسك شيئًا. وهناك من يضع أمامك طبقًا واحدًا، لكنه يترك في قلبك عمرًا من الامتنان. أما عادل عطية… فقد فعل شيئًا آخر. لم يترك لنا مائدة واحدة نتذكرها. ترك لنا سلسلةً من الموائد، وكل واحدة منها تحمل جزءًا من قلبه. ولهذا، حين أغادر إسطنبول، لن أحمل معي فقط صور البوسفور، ولا المآذن، ولا السفن، ولا الشوارع التي تمشي بين قارتين.
سأحمل شيئًا أكثر بقاءً: صوت رجل يقول: تفضلوا. ويدًا تمتد بطبق. وكأس شايٍ يجيء بعد الطعام. ومائدةً أخرى تنتظر. ثم مائدةً ثالثة. وكأن الرسالة التي أراد م عادل أن يقولها لنا دون أن يقولها هي: ” لا أريدكم أن تكونوا ضيوفًا عندي… أريدكم أن تشعروا أنكم في بيتكم.” وهذه… ليست ضيافة. هذه أخوّة. وهذه ليست موائد. هذه صفحات من العمر. ولهذا ستظل موائد إسطنبول، من 20 إلى 23 سبتمبر 2026، واحدةً من تلك الموائد التي لا ينتهي أثرها بانتهاء الطعام؛ لأن بعض الموائد لا تحفظها الذاكرة بسبب ما كان عليها… بل بسبب من كان حولها.
يا الله… كما جاءنا هذا العطاء من حيث لا نحتسب، اجعل لصاحبه من عطائك ما لا يحتسب. اللهم بارك في المهندس عادل عطية، في قلبه، وبيته، وأهله، وعمله، وصحته، وعمره، واجزه عن كل لقمةٍ قرّبها، وكل كأس شايٍ صبّه، وكل لحظة أنسٍ صنعها، خير الجزاء. اللهم بارك في المهندس عبد الله، الذي كانت يده تنتقل من طبق إلى طبق، واجعل كل ما قدّم في ميزان حسناته، والأستاذ عبد الرحمن رجل العلاقات العامة والأثر المجتمعي النادر. اللهم اجعل بيوتهم عامرةً بالمحبة، وأيامهم عامرةً بالعافية، وأرزاقهم عامرةً بالبركة، وقلوبهم عامرةً بك. واجمعنا بهم دائمًا على الخير، كما جمعتنا حول الموائد، واجمعنا يومًا في دارٍ لا تنتهي فيها المائدة، ولا ينقطع فيها الأنس، ولا يكون فيها فراق.
ففي الدنيا… قد تنتهي المائدة. أما عند الله… فالأثر الذي تركته في قلب إنسان قد يبقى أطول من عمر المائدة نفسها. وهذا هو سر بعض الموائد التي لا تُنسى.