
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
أحيانًا تأتيك الدعوة إلى الطعام، فتظن أنك ذاهب إلى مائدة؛ ثم تكتشف، حين تعود، أنك كنت ذاهبًا إلى قلبٍ فتح لك بابه. وهكذا كانت دعوتنا إلى بيت الأخ العزيز المهندس عادل عطية أوغلو- أبا عبد الله-، كانت قد سبقتها في اليوم نفسه دعوةٌ كريمة، ومائدةٌ عامرة بالخيرات في مطعم «عافية إت»، ولذلك حاولنا أن نعتذر، أو نؤجل، أو نخفف عن صاحب الدعوة مشقة إعداد مائدة أخرى، خصوصًا مع وجود صديق آخر كان قد دعانا إلى الغداء. لكنه أصر. لم يكن إصراره على الطعام؛ كان إصراره على المحبة. وحين يكون الإنسان قد قرر أن يكرمك، فإن كثرة اعتذاراتك قد تحرمه من فرحةٍ أرادها لنفسه قبل أن يريدها لك. فقلنا: نستجيب. وكان الموعد. وصلنا، فإذا به ينتظرنا عند الباب. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فقد أدركت مرة أخرى أن أجمل أبواب البيوت ليست تلك التي تُفتح بالمفتاح، وإنما تلك التي يُفتح صاحبها قبلها. استقبلتنا الوجوه الطيبة، والقلوب النقية، والابتسامات التي لا تحتاج إلى ترجمة. جلسنا نتبادل الحديث، وكانت أمامنا مائدة من الفاكهة تشبه بستانًا صغيرًا استيقظ في بيتٍ بإسطنبول: تمرٌ برحي، وعنب، وتفاح، وأنجاص، ومكسرات، ومشروبات طبيعية. لكنني لم أرَ الفاكهة وحدها. رأيت يدًا تقول: كل، فأنت بين أهلك. ورأيت قلبًا يقول ما لا تستطيع الكلمات أن تقوله. وقد صدق أبو حيان التوحيدي حين قال: “الإنسانُ مدنيٌّ بالطبع، مستأنسٌ بالإخوان.” ولعل أجمل ما في الإنسان أن يجد من يستأنس به، وأن يجد من يشعره، ولو لساعة، أن الدنيا ما زالت بخير.
ثم جاءت الدعوة إلى المائدة. وما إن رأيناها حتى أدركنا أن المهندس عادل لم يكن ينوي أن يترك لنا مجالًا للاعتذار! كانت مائدةً ممتدة، تحمل من الكرم أكثر مما تحمل من الطعام. صينية كبيرة من اللحم، أشبه بفخذةٍ كاملة، وقد تفنن أبو عبد الله والمهندس عبد الرحمن في تقطيعها وتقديمها. ودجاجٌ محمر بطريقةٍ جمعت في مذاقها بين روح المطبخ المصري ولمسة المائدة التركية. وسلطة خضراء كأنها قطعةٌ من بستان. وسلطة أخرى يتقدمها البنجر، وأطباق من المخللات والزيتون والفلفل، وأرزٌ أصفر بالمكسرات، ولسان عصفور بالشوربة، وملوخية تحمل معها شيئًا من دفء البيوت التي لا تنسى. ولم يكن أبو عبد الله يكتفي بأن يضع الطعام أمامنا. كان يراقب. يزيد. يوزع. يسأل. ويعود مرة أخرى. وكأن نجاح المائدة عنده لا يُقاس بما خرج من المطبخ، وإنما بما دخل إلى قلب الضيف. وهنا تذكرت معنىً من معاني الضيافة: ليس الكريم من يملأ المائدة، وإنما الكريم من يملأ قلب ضيفه بالأمان.
المائدة التي لا تُرى
هناك موائد لا تراها العين. قد تكون خالية من الذهب والفضة، لكنها عامرة بالسكينة. وقد تكون قليلة الطعام، لكنها كثيرة المحبة. وقد يجلس عليها اثنان فقط، فتكون أوسع من قاعةٍ يجلس فيها مئات. لأن اتساع المائدة لا يكون بعدد الصحون، وإنما بعدد القلوب التي تتسع لبعضها. ولهذا كانت موائد الأنبياء والصالحين مدرسةً قبل أن تكون طعامًا. وقد جاء في الحديث الشريف: “يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.” وكأن إطعام الطعام ليس حركةً في اليد فحسب؛ بل بابٌ من أبواب بناء الإنسان. لقمةٌ قد تكون طعامًا للجسد، لكنها في موضعها الصحيح قد تكون طعامًا للروح.
لماذا نتذكر بعض الموائد؟
عجيب أمر الإنسان! قد يأكل في مطعمٍ فاخر، ثم ينسى ما أكل بعد أيام. وقد يجلس على مائدة بسيطة، ثم تظل تفاصيلها معه عشرات السنين. لماذا؟ لأن الذاكرة لا تحفظ الطعام كما تحفظ الشعور الذي صاحب الطعام. نحن لا نتذكر دائمًا ماذا أكلنا. لكننا نتذكر: من انتظرنا عند الباب. من قال لنا: زد. من انتبه أن كوبنا أصبح فارغًا. من عرف ما نحب. من حمل إلينا شيئًا صغيرًا ونحن مغادرون. ومن قال لنا دون أن يقول: وجودك عندي ليس عبئًا… بل نعمة.
ثم جاءت الفاكهة مرةً أخرى، وكأن المائدة لم تكتفِ بأن تُطعمنا، بل أرادت أن تُبقي في المشهد شيئًا من ألوان البهجة؛ أطباقٌ تتوزع بين الحاضرين، وفي كل طبقٍ شيءٌ من جمال الأرض وشيءٌ من كرم أهل البيت. وتتابعت المشروبات الطازجة؛ عصير البرتقال، والكركديه، ومشروبات أخرى أُعدّت بعناية، باردةً منعشة، كأن كل كأسٍ منها يقول للضيف: خذ راحتك… فما بيننا ليس زيارةً عابرة. ثم جاء الشاي. وكان للشاي حكايته الخاصة؛ شيءٌ من روح إسطنبول في طريقته، وشيءٌ من دفء مصر في مذاقه، حتى بدا الكأس وكأنه جمع بلدين على مائدة واحدة، ليقول لنا في صمتٍ أجمل من الكلام: المحبة لا تسأل القلب: من أي بلدٍ جئت؟ إنها تعرف فقط: إلى أي قلبٍ جئت. جلسنا، واستمر الحديث، وتداخلت الذكريات بالضحكات، وصار الوقت نفسه جزءًا من الضيافة؛ فلا أحد ينظر إلى الساعة، ولا أحد يشعر أن اللقاء قد طال.
وهنا أدركت أن أجمل الموائد ليست تلك التي تكثر فيها الأطباق، وإنما تلك التي يتسع فيها الوقت للقلوب. كان أجمل ما في مائدة أبي عبد الله أنها لم تكن تستعرض الكرم؛ كانت تمارسه بهدوء. وهذا من أرقى أنواع الكرم؛ أن تفعل الخير دون أن تجعل من فعلك خبرًا، وأن تُكرم ضيفك ثم تنسى أنك أكرمته. فبعض الناس إذا أكرموا أخبروا الناس أنهم أكرموا، وبعضهم إذا أعطوا ظلّوا يتذكرون ما أعطوا. أما بعض القلوب، فتُطعمك، وتُكرمك، وتبحث لك عما تحب، ثم تمضي وكأنها لم تفعل شيئًا. وهؤلاء لا يبقى فضلهم في الذاكرة لأنهم أكثر الناس عطاءً، بل لأنهم أعطوا دون أن يجعلوا من عطائهم دينًا على قلب من أحبوا. ولعل أجمل الكرم أن يشعر الضيف، وهو يغادر، أنه لم يأخذ شيئًا من صاحب البيت؛ بل أخذ معه محبةً لا تُرد، وذكرى لا تُنسى، ودعاءً لا ينقطع.
حين يكون الشيء الصغير كبيرًا
وعندما ظننا أن الحكاية انتهت، جاء عبد الرحمن في آخر اللقاء بخبزٍ جاف…ربما لا يلتفت إليه أحد. لكنه كان يعرف أنني أرتاح إليه. وجاء معه الفلفل الأخضر الحار. وأصر أن آخذه معي .يا الله… ما أعجب الإنسان حين يعرف ما تحب! قد لا يستطيع أن يمنحك شيئًا عظيمًا، لكنه يستطيع أن يقول لك بشيء صغير: كنت أراك. وهذه وحدها نعمة. فليس أعظم العطاء دائمًا ما غلا ثمنه؛ أحيانًا أعظم العطاء أن يتذكر أحدهم تفصيلًا صغيرًا فيك، بينما نسيه الجميع. من يعرف ما تحب، فقد منحك شيئًا من قلبه قبل أن يمنحك الشيء نفسه. خرج الخبز معنا. وخرج الفلفل معنا. لكن الذي خرج معنا حقًا كان معنى آخر: أن المحبة الصادقة تُتقن التفاصيل.
إلى أبي عبد الله…
يا أبا عبد الله… جزاك الله عن كرمك خير الجزاء. لم تكن دعوتك لنا إلى الغداء مجرد دعوة إلى الطعام. لقد كانت دعوةً إلى المودة، وإلى الأخوة، وإلى بيتٍ شعرنا فيه أننا لسنا ضيوفًا عابرين. وأسأل الله أن يرد إليك ما أعطيت أضعافًا مضاعفة؛ لا في الطعام، وإنما في الصحة والعافية والستر والبركة وراحة القلب. اللهم يا واسع الفضل… أكرم أبا عبد الله كما أكرمنا، ولكن بكرمٍ لا ينقطع. اللهم أعطه صحةً لا يخالطها وجع، وعافيةً لا يعقبها تعب، وطمأنينةً لا يعكرها خوف، وراحةً لا يفسدها هم. اللهم بارك له في جسده، وفي عمره، وفي أهله، وفي بيته، وفي رزقه، وفي كل من يحب.
يا أم عبد الله…
ويا أم عبد الله، كيف لنا أن ننسى أنكِ كنتِ تصرين على هذه المائدة، رغم مرضك وتعبك؟ كان يمكن أن يكون العذر مقبولًا، وكان يمكن للجميع أن يقولوا: يكفيها ما هي فيه، ولتأخذ راحتها؛ لكن قلب الأم المضيافة لا يتعامل مع الضيافة بهذه الحسابات. كنتِ متعبة، ومع ذلك كان في قلبك متسعٌ لأن تفرحي بنا. وهنا يصبح الطعام شيئًا آخر… فليست قيمة المائدة فيما حملته أطباقها، وإنما في الجهد الذي لم نره، والتعب الذي أخفي، والحرص الذي سبق كل طبقٍ وصل إلينا.
يا أم عبد الله، ربما لم نرَ كل ما بذلته يداك، لكننا شعرنا به في كل شيء. ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن نقوله لكِ ليس: شكرًا على الطعام؛ وإنما: جزاكِ الله عن هذا القلب الذي أكرمنا، وأكرمكِ بعافيةٍ تليق بصبرك. اللهم يا لطيف يا شافي، يا من لا يعجزه داء ولا يتعاظمه ألم، انظر إلى أم عبد الله بعين رحمتك، واشفها شفاءً كاملًا لا يغادر سقمًا، وألبسها ثوب الصحة والعافية، ورد إليها قوتها وراحتها، واجعل ما أصابها رفعةً في الدرجات، وتكفيرًا للسيئات، وزيادةً في القرب منك.
اللهم إن كانت قد أتعبت جسدها لتُسعدنا، فلا تُتعب جسدها بعد اليوم. وإن كانت قد حملت عناءً لتفرح قلوبنا، فاحمل عنها كل عناء. وإن كانت قد أعدت لنا مائدةً وهي في حاجةٍ إلى الراحة، فأرسل إليها من لطفك ما يجعل الراحة تسكن جسدها، والطمأنينة تسكن قلبها. اللهم كما خرجت من يديها هذه المائدة محبةً وكرمًا، فأخرج من خزائن رحمتك إليها صحةً وعافيةً وبركة. اللهم اجعل كل تعبٍ تحملته من أجلنا راحةً لها، وكل لقمةٍ قدمتها لنا نورًا في ميزانها، وكل لحظةٍ أسعدتنا بها سعادةً تطرق بابها، وكل دعاءٍ خرج من قلوبنا لها مستجابًا عندك. اللهم لا تجعل في جسدها موضع ألمٍ إلا مسحته، ولا في قلبها خوفًا إلا أبدلته أمانًا، ولا في نفسها تعبًا إلا أبدلته راحة، ولا في أيامها نقصًا إلا أتممته بفضلك. اللهم احفظ أبا عبد الله وأم عبد الله، والأبناء والأحفاد الغاليين، واحفظ هذا البيت الذي اجتمعنا فيه على المحبة، واجعل المرض عابرًا، والعافية مقيمة، والبركة لا تفارقهم. اللهم بارك في هذا البيت وأهله؛ في كبيرهم وصغيرهم، في حاضرهم وغائبهم، في أعمارهم، وأرزاقهم، وأبنائهم، وخطواتهم.
اللهم اجعل بيتهم بيت سكينة؛ إذا دخله الهم خرج، وإذا دخلته البركة أقامت، وإذا نزل به البلاء أحطته برحمتك. اللهم لا ترهم في أنفسهم ولا فيمن يحبون بأسًا يحزنهم، ولا خبرًا يكسر قلوبهم، ولا مرضًا يطيل مقامه، ولا حاجةً تضيق بها صدورهم. اللهم كما جمعنا على مائدةٍ في إسطنبول، فاجمعهم دائمًا على الصحة والعافية، وعلى الخير والرضا، وعلى المحبة التي لا تنقطع. اللهم إن كانت أيدينا قد عادت من بيتهم محملةً بالخير، فاجعل أيديهم يومًا ما تعود من أبواب فضلك محملةً بما لا يخطر لهم على بال. اللهم إنهم أكرمونا بما استطاعوا، فأكرمهم بما أنت أهلٌ له.
هم أعطوا من القليل والكثير، وأنت ربُّ الكثير والقليل؛ فهب لهم من عطائك ما يجعلهم إذا نظروا إلى حياتهم قالوا: ما خسرنا شيئًا حين أعطينا. اللهم اجعل كرمهم محفوظًا، وجميلهم مردودًا، ومحبتهم مضاعفة، وبيوتهم عامرة، وقلوبهم مطمئنة، وأجسادهم معافاة. واجعل هذه المائدة التي اجتمعنا عليها اليوم شاهدًا لهم يوم نلقاك؛ شاهدةً بأنهم أطعموا، وأكرموا، وأحبوا، وأنك يا رب لا تضيع عندك مائدةٌ أُقيمت بالمحبة. وفي الطريق إلى العودة، أدركت شيئًا ربما لم أكن لأدركه لو لم تأتِ تلك المائدة: أن بعض الدعوات لا تُشبع المعدة… وإنما تُشبع شيئًا أعمق منها. وأن أجمل ما في الضيافة أن تقول للإنسان دون أن تنطق: مكانك محفوظ. وأن أكرم الناس ليس بالضرورة من كانت مائدته أكثر امتلاءً… بل من كان قلبه أوسع من مائدته. أما مائدة المهندس عادل، فقد انتهى طعامها. وانتهى الشاي. وعادت الأطباق إلى أماكنها. وغادرنا البيت. لكن المائدة… لم تنتهِ. لأن بعض الموائد تُرفع من أمام العين، ولا تُرفع من القلب. وتلك، يا أبا عبد الله، كانت واحدةً منها.