
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
أحيانًا لا تأتي الدعوة إلى العشاء لتطعمك…بل تأتي لتعيد إليك وجوهًا اشتقت إليها، وأصواتًا غابت عن سمعك، وأماكن ظننت أن المسافة أغلقت أبوابها. كانت البداية دعوةً كريمة للعشاء من العزيز أبو عبد الله ناصر الخال، بعد صلاة العشاء، وكان في القلب شوقٌ إلى لقاءٍ طال انتظاره. تأخرنا قليلًا، ومضت تفاصيل الصلاة واللقاء، ثم توجهنا إلى مجلس العزيز محمد أحمد جاسم فخرو “أبو تركي”. وهنا… لم نكن نعرف أننا لا نتوجه إلى مجلسٍ للعشاء، بل إلى فصلٍ جديد من حكايةٍ كتبتها المحبة قبل أن تُفرش المائدة. فما إن دخلنا حتى أدركنا أن الدعوة لم تكن إلى طعامٍ فحسب… كانت دعوةً إلى لقاء. وكانت المائدة، كما ستكشف لنا اللحظات التالية، مجرد اللغة التي اختارها الكرم ليقول ما تعجز الكلمات عن قوله. وهنا بدأت الحكاية الحقيقية.
استقبلنا أبو تركي بوجهٍ رقيق، وطلعةٍ لا ترى فيها إلا صفاءً ونقاءً؛ ذلك النوع من الوجوه الذي لا يحتاج إلى كثير كلام كي يقول لك: أهلًا بمن أحب. كان وجهه أسبق من كلماته، وكانت ملامحه تفتح لنا في المجلس بابًا من الألفة قبل أن تفتح الكلمات أبواب الحديث. وفي مجلسه التقت أرواحٌ لم يجمعها المكان وحده، بل جمعتها مودةٌ لا تضعفها الأيام، ولا تُطفئها المسافات. وكان من أجمل ما في تلك اللحظة أنني التقيت بالعزيز ناصر الخال، بعد فترةٍ طويلة لم تطل فيها الرؤية كما تمنينا، فإذا بأول كلمةٍ تخرج منه، ولم تكن عتابًا بقدر ما كانت محبةً ارتدت ثوب العتاب: “تأخرتم”… كلمة واحدة، لكنها جاءت من مشكاةٍ رقيقة؛ فيها شوقٌ أكثر مما فيها عتاب، وفيها معنىً لا يخطئه قلب المحب: لقد افتقدناكم. وكان حضور الشقيق العزيز عبد الرحمن الخال يزيد المشهد دفئًا، فاكتملت الصحبة، واجتمعت الوجوه التي يأنس بها القلب، وسكن المجلس إلى هدوئه الجميل.
كم هو غريب أمر بعض الناس… قد لا تراهم شهورًا، وربما أعوامًا، لكنك حين تلتقي بهم تشعر أن الزمن لم يتحرك بينكما خطوة واحدة. تعود الروح إلى مكانها. ويعود الحديث من حيث توقف. ولا تحتاج أن تشرح غيابك، ولا أن تعتذر عن طول الفراق؛ لأن بعض المحبة لا تحتاج إلى تبرير، وبعض الأخوة لا تقيس نفسها بعدد اللقاءات، وإنما بصدق الشعور حين يأتي اللقاء. وهكذا كانت كلمة “تأخرتم” أجمل ما يمكن أن يبدأ به اللقاء؛ لأنها لم تكن تقول إننا تأخرنا عن موعد… بل كانت تقول، في لغة القلوب: لقد تأخرتم عن قلوبٍ كانت تنتظركم. واكتملت الصحبة في مجلسٍ هادئ، كأن كل شيء فيه كان يقول لنا: بعض اللقاءات لا يعيدها الزمن… بل تعيدها المحبة. حديثٌ لا صخب فيه. ووجوهٌ مطمئنة. وساعةٌ تمضي على مهل، وكأن الزمن نفسه جلس معنا ليستريح.
ثم جاءت اللحظة التي يعرفها أهل الكرم جيدًا. تلك اللحظة التي لا يقول فيها صاحب البيت: “هل تريدون العشاء؟” بل يختفي قليلًا… ثم تسمع حركةً في الخارج. وتشعر أن شيئًا قادمًا. ثم… تدخل المائدة. وكانت هذه المرة مائدةً لا تُنسى. صينية كبيرة… كبيرة إلى درجة أن شخصين حملاها. وهنا، قبل أن نرى ما عليها، كانت طريقة دخولها وحدها تقول: لقد كان في انتظاركم شيء.
أرز أصفر في قلب الصينية. ودجاج محمّر، أخذ من النار لونها، ومن حسن الإعداد رائحتها. وحولها أطباق السلطات، كأنها إطارٌ أخضر يحيط بلوحة الطعام. سلطة خضراء. وأطباق أخرى متعددة. ثم جاءت أطباق التبولة، وما صاحبها من أطباق أعدت بعناية. وكان هناك الجريش… ذلك الطعام الذي لا يكون مجرد طعام حين يأتي من بيتٍ يعرف معنى الضيافة؛ لأنه يحمل معه شيئًا من ذاكرة البيوت القديمة. ثم الهريس، بطعمه الذي يعيدك إلى مطابخ تعرف أن الطعام ليس صناعةً فقط، وإنما ذاكرة. ثم جاءت السمبوسة بأشكالها المثلثة المعروفة، مقرمشةً، ذهبيةً، وكأنها جاءت لتكمل المشهد لا لتزيد عدد الأطباق. ونخي، وباجيلا، وكانت المائدة تتسع… طبقًا بعد طبق. حتى بدأنا نشعر أن العشاء لم يكن معدًا لعددٍ من الضيوف… بل معدًّا للمحبة نفسها.
ثم جاءت المائدة الثانية. وهذه من أسرار أهل الكرم: أن المائدة عندهم لا تكون واحدة. هناك دائمًا مائدةٌ أخرى تنتظر دورها. فجاءت الفاكهة. وكأننا انتقلنا من فصلٍ إلى فصل. بطيخ. وشمّام. ثم الكيك. ثم المشروبات بعد العشاء. ثم… بدأ المشهد الذي لا يمكن أن تصفه كلمة “فاكهة “أصناف متنوعة من الفواكه. حتى بدا الأمر وكأن بابًا فُتح على بستانٍ صغير داخل المجلس. تأملنا المشهد، فإذا بالأطباق لا تبدو كأطباقٍ متفرقة، وإنما كأنها أقواسٌ من الألوان، كل قوس يقود إلى الآخر. أخضر. وأحمر. وأصفر. وبرتقالي. وألوانٌ لا تستطيع العين أن تمر عليها دون أن تتوقف. كان البستان صغيرًا في المكان… لكنه كان كبيرًا في الشعور.
وهنا، يا أبا تركي، لا بد أن نقف قليلًا. لأن كثرة الطعام ليست هي التي صنعت جمال هذه الليلة. قد يستطيع الإنسان أن يملأ طاولةً بالطعام. لكن ليس كل إنسان يستطيع أن يملأ مجلسًا بالطمأنينة. وهذا هو الفرق بين أن تستقبل ضيفًا… وأن تستقبله في قلبك. لقد كان الاستقبال عربيًا في أصله، أصيلًا في روحه، هادئًا في لغته، لا تكلف فيه ولا استعراض. وجهٌ بشوش. مجلسٌ مطمئن. صحبةٌ قديمة تعود بعد الغياب. حديثٌ يزيل وحشة الأيام. ثم مائدة تقول كل ما عجزت الكلمات عن قوله.
يقول ابن خلدون، في معنى عميق من حديثه عن العمران والاجتماع، إن الإنسان لا يستطيع أن يستغني عن الاجتماع بغيره؛ فحياته لا تقوم منفردة. لكنني أظن أن بعض المجالس تكشف لنا المعنى الأجمل: نحن لا نحتاج الناس فقط لأن الحياة تحتاجهم؛ نحن نحتاجهم لأن أرواحنا نفسها تُصبح أكثر اتساعًا حين تجد من تأمن إليه. ولهذا كان اللقاء بعد طول غياب أجمل من كثير من الأشياء التي كانت على المائدة. فالطعام يُشبع الجسد… أما اللقاء فيشبع شيئًا أعمق.
ومن أجمل ما يمكن أن يقال عن الكرم، لا بوصفه كثرةً في الطعام، وإنما بوصفه حالةً في النفس: الكريم لا يسأل: كم يكفيهم؟ بل يسأل قلبه: كيف أجعلهم يشعرون أنهم في بيتهم؟ وهذه المائدة أجابت عن السؤال دون أن تنطق. صينية يحملها اثنان. أرز. دجاج، سلطات. جريش، هريس، سمبوسة. نخي. وباجيلا، فاكهة. كيك. مشروبات. ثم بستانٌ صغير من الفاكهة. لكن وراء كل ذلك كان هناك شيء واحد: إنسان أراد أن يكرم من جاءه.
يا أبا تركي… شكرًا على تلك الدعوة التي بدأت كعشاء. ثم اكتشفنا أنها كانت موعدًا مع الذاكرة. شكرًا على الوجه الذي استقبلنا قبل أن تستقبلنا المائدة. شكرًا على المجلس الذي جمع من طال غيابهم. شكرًا على تلك الساعة المطمئنة التي لم نشعر فيها أن الزمن يمضي. وشكرًا على المائدة التي لم تكن مجرد طعام، وإنما كانت ترجمةً صامتةً لخلقٍ قديم: أن الضيف حين يدخل البيت، يدخل معه رزقه، وتدخل معه البركة، ويخرج صاحب البيت من ضيق ما عنده إلى سعة ما يستطيع أن يمنحه.
ولعل أجمل ما بقي في هذه الليلة ليس شكل الصينية، ولا لون الأرز، ولا عدد أطباق الفاكهة. بل تلك اللحظة التي نظرت فيها إلى الوجوه حولي. بعد طول غياب. فقلت في نفسي: ربما كانت الدعوة عشاءً في ظاهرها… لكن الله أراد لها أن تكون لقاءً بين قلوبٍ كان ينبغي أن تلتقي. وهنا تصبح المائدة قدرًا جميلًا. فالإنسان قد يذهب إلى الطعام… فيعود محملًا بالذكريات. وقد يظن أنه ذهب ليجلس ساعة… فيكتشف أنه استعاد جزءًا من عمره. وقد يدخل مجلسًا لا يعرف ماذا ينتظره فيه… فيخرج وهو يحمل وجوهًا لن ينساها.
وفي نهاية تلك الليلة، أدركت أن هناك موائد لا يمكن أن تُقاس بعدد الأطباق. فمائدة أبي تركي لم تكن الأكبر لأن صينيتها حملها شخصان. ولم تكن الأجمل لأن الفاكهة بدت كالبستان. ولم تكن الأكرم لأن الطعام تعدد من الأرز إلى الدجاج، ومن الجريش إلى الحريص، ومن السمبوسة إلى النخي والباجيلا، ومن الكيك إلى الفاكهة. كانت مائدةً لا تُنسى لأن القلوب كانت حاضرة عليها قبل الأطباق. وهذا هو الكرم الذي يبقى. كرمٌ لا ينتهي حين تُرفع الصحون. بل يبدأ أثره حين تُرفع.
يا الله… كما جمعتنا في ذلك المجلس على المودة، فلا تفرق بين قلوبنا إلا إلى خير. اللهم بارك في محمد أحمد فخرو، أبا تركي، وفي بيته وأهله ورزقه وعمره، واجعل بيته بيت سكينة، وكرمه بابًا من أبواب فضلك عليه. اللهم بارك في ناصر الخال، أبا عبد الله، واحفظه أينما كان، وأدم بيننا وبينه المحبة والصفاء، وعوّض طول الغياب بلقاءاتٍ لا تنقطع. اللهم بارك في عبد الرحمن الخال أبا عبد الله، وألبسه لباس العافية، وأكرمه من واسع فضلك، واجعل أيامه عامرةً بالمحبة والطمأنينة. اللهم اجعل كل لقمةٍ قُدمت لنا في تلك الليلة نورًا لصاحبها، وكل يدٍ امتدت بالطعام في ميزان حسناته، وكل لحظة أنسٍ صدقةً جاريةً في صحائفهم. واجمعنا دائمًا على الخير… حول موائد المحبة في الدنيا، وحول مائدةٍ لا ينتهي نعيمها في الجنة. فبعض الموائد تُرفع من فوق الطاولات بعد ساعات… وبعضها تبقى في القلب سنوات. ومائدة أبي تركي… كانت من تلك الموائد التي لا ترفعها الذاكرة أبدًا.