
محمد تهامي
كانت الدعوة قد بدأت من لقاءٍ سبقها يوم الأربعاء، حين جمعنا لقاءٌ كريم بالفاضل د. حياة الله عتيد، وتبادلنا حديثًا امتد إلى الغداء، فإذا به يدعونا إلى بيته يوم الجمعة. حاولنا الاعتذار.
ليس لأن الدعوة لا تسعدنا، وإنما لأن الكريم أحيانًا يحاول أن يخفف عن الكريم؛ فقد كان يكفينا اللقاء، وكان في النفس تقديرٌ لظروف البيت، لكن د. عتيق كان قد اتخذ قراره، وأصر أن يكون الغداء في بيته.
وبعض الدعوات لا تحتاج إلى قبولٍ بقدر ما تحتاج إلى احترام قلب صاحبها. فقلنا: نأتي. وكانت البداية من المسجد الأخضر في إسطنبول بعد صلاة الجمعة. جلسنا في الكافتيريا المجاورة للمسجد، وتناولنا الشاي، وكان الشاي أول خيطٍ في نسيج يومٍ لم نكن نعرف أنه سيترك في القلب كل هذا الأثر.
ثم انطلقنا بصحبةٍ كريمة إلى مكتب مؤسسة «أوتد»، حيث كان لنا اجتماع حول فكرة مشروعٍ للأيتام؛ تبادلنا الرؤى والأفكار، وتحدثنا عن مشروعٍ يحمل في جوهره معنى الإنسان قبل المشروع، وطلب أن نُسجل كلمة في الملف الذهبي، لأن بعض اللقاءات لا ينبغي أن تُترك لذاكرة الأفراد، وإنما تستحق أن تُوثق باعتبارها جزءًا من ذاكرة المؤسسة.
وفي الطريق حدث أمرٌ آخر لا علاقة له بالاجتماع، لكنه كان من أجمل ما في اليوم. اتصالٌ رقيق، عذب، بصديقٍ لم نهاتفه، ولم نلتقه، منذ ما يقارب ثلاثة وثلاثين عامًا.
ثلاثة وثلاثون عامًا! ومع ذلك، ما إن بدأ الصوت حتى شعرت أن السنوات لم تمر. استعدنا الذكريات، واستدعينا الوجوه، ومررنا على أيامٍ قديمة كأنها لم تكن بعيدة إلا بالأيام والتقويم، لا بالقلوب. وهنا تعلمت من جديد أن الزمن يستطيع أن يبعد الأجساد، لكنه لا يستطيع وحده أن يهزم الذكريات التي سكنت في مكانها الصحيح من القلب. كان ذلك الاتصال أشبه برسالة تقول لنا: ليست كل الأشياء التي انقطعت قد انتهت؛ بعضها فقط انتظر اللحظة المناسبة ليعود.
ثم توجهنا إلى البيت. وهنا بدأت الحكاية الكبرى. لم ندخل بيتًا نستطيع أن نصفه بأنه بيتٌ مضياف فحسب؛ دخلنا إلى لوحة من الكرم الأفغاني، والدفء السعودي، والروح التركية التي احتضنت اللقاء كله. كان الاستقبال فوق الوصف. الوجوه الطيبة. الابتسامات الصادقة. الحفاوة التي لا تحتاج إلى تدريب. وكانت الغالية أم محمد في مقدمة المشهد، بما تحمل من روحٍ تجعل البيت بيتًا قبل أن يكون مكانًا. وكان الأبناء الأعزاء، محمد ومؤيد ومهيمن وعائشة ومجد، جزءًا من تلك اللوحة العائلية الجميلة؛ حضورًا يشرح معنى أن تكون الضيافة ثقافةً تتوارثها البيوت، لا مناسبةً عابرة.
وكانت الذكريات تتحرك بيننا، وبين لحظةٍ وأخرى كانت تصلنا أصوات أصدقاء كرام مر زمنٌ طويل دون أن تجمعنا بهم الأيام، فإذا بأسمائهم تعود إلى المجلس، وبذكرياتهم تستعيد مكانها. ولعل الإنسان لا يعرف قيمة بعض العلاقات إلا عندما يعيد الزمن أسماء أصحابها إلى مجلسٍ بعد غياب. فالصديق الحقيقي لا يغيب حين يغيب صوته؛ يبقى حاضرًا في الموضع الذي تركه في القلب.
المائدة الأولى… مائدة البلاد الثلاث
ثم افترشت المائدة. وهنا، يا لها من مائدة! لم تكن مائدةً من بلدٍ واحد. كانت كأنها اجتماعٌ هادئ لثلاثة أوطان على سفرة واحدة. في مقدمتها شوربة العدس، ذلك الدفء الذي يسبق الطعام ويهيئ القلب له. ثم صينية كبيرة من الأرز، تعلوها قطع اللحم، في منظرٍ لوحده كان كافيًا ليعلن أن صاحب البيت لم يرد لنا غداءً عابرًا. وبجانبها طبق السلطة، كأنه بستان خضروات صغير، بألوانه التي تجعل العين تأكل قبل الفم.
ثم طبق الخضار المشكل باللحم المفروم، والدجاج المحمر، وطبق البطاطا المقرمشة، والدجاج المقلي “البروست”. وطبق القلاش باللحم، إلى جانب مشروبات طبيعية متعددة ولبن العيران. كانت النكهات تتحاور.
كانت أفغانستان حاضرةً في روح الكرم ووفرة المائدة. وكانت السعودية حاضرةً في معنى الاجتماع حول الطعام، وفي دفء البيت، وفي القهوة والتمر وما وراءهما من ثقافة إكرام الضيف. وكانت تركيا حاضرةً في المكان، وفي تفاصيل المشهد، وفي ذلك المزج الجميل الذي جعل المائدة لا تنتمي إلى مطبخٍ واحد، وإنما إلى ذاكرةٍ مشتركة لثلاثة شعوب تعرف معنى الضيف. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذه المائدة: إنها لم تكن مائدة طعام؛ كانت مائدة ثقافات التقت على مبدأ واحد: أن الضيف لا يأتي إلى البيت ليأكل، بل يأتي ليُكرم.
وقد وجدت في شعر الشاعر الأفغاني البشتوني خوشحال خان ختك معنى يليق بهذا المشهد؛ فهو يقول في أحد نصوصه إن ما يؤكل من أجل البطن وحده يضيع، أما ما يؤكل في الصحبة والمؤانسة فهو الطعام الحقيقي. وكأن الرجل، قبل قرون، كان يكتب وصفًا لهذه المائدة دون أن يعرفها: فالطعام الذي يُؤكل في صحبة المحبة لا يُهضم في الجسد فقط؛ بل يُحفظ في الذاكرة.
المائدة الثانية… حين يصبح الشاي حوارًا
وحين ظننا أن المائدة قد بلغت نهايتها، بدأت مائدة أخرى. الشاي الأخضر، والشاي الأحمر، والقهوة العربية، والتمر. ثم أطباق المكسرات. لكنها لم تكن أطباقًا عادية. كانت كأننا انتقلنا فجأة إلى متجرٍ متخصص بالمكسرات الفاخرة؛ الصنوبر الأفغاني، والفستق، واللوز، والجوز، والشوكولاتة، ثم أطباق الكاستر. وهنا أدركنا أن الضيافة لا تقول للضيف: “هذا ما لدينا” بل تقول له:” هذا ما أعددناه لك، وهذا ما نتمنى أن يسعدك.” وفي ثقافةٍ عريقة مثل الثقافة الأفغانية، لم تكن الضيافة مجرد عادة اجتماعية؛ بل ارتبطت في الأدب البشتوني بالشرف، والكرم، وحسن الصحبة. وقد تناولت الدراسات الأدبية شعر حكيم أفغاني بوصفه حاملًا لعدد من القيم الثقافية، ومنها الضيافة، والصدق، والحب، والوحدة. ولذلك لم تكن كثرة الأطباق هي التي أدهشتني. الذي أدهشني أن الكرم كان يتصرف بهدوء، وكأنه أمر طبيعي في هذا البيت.
المائدة الثالثة… بستان على الطاولة
ثم جاءت المائدة الثالثة. الفاكهة. لكن كلمة «فاكهة» هنا لا تكفي. كانت كأننا انتقلنا من البيت إلى بستان. العنب، والموز، والتفاح، والأنجاص، وغيرها من الفواكه، تتوزع في أطباقها بألوان تجعل المائدة تبدو وكأنها فصلٌ كامل من فصول الربيع. وهنا شعرت أن أهل البيت لا يريدون أن يتركوا للضيف فرصةً لأن يقول: اكتفينا. كلما انتهت مائدة، بدأت أخرى. وكلما ظننا أن الكرم بلغ نهايته، ظهر منه فصلٌ جديد. وهكذا يكون الكرم الحقيقي: لا يعرف صاحبه متى انتهى، لأن قلبه لا يتعامل مع الضيافة بوصفها واجبًا يُؤدى، بل محبةً يريد أن يطيلها.
المائدة الرابعة… ما حملناه معنا
ثم جاءت المائدة الرابعة. ولم تكن على الطاولة. كانت عند باب الخروج. هدايا حملناها معنا؛ حلويات شرقية، وعطور رقيقة، وأشياء صغيرة في حجمها، كبيرة في معناها. وهنا أدركت أن صاحب البيت لم يكن يريد لنا أن نغادر فارغي اليدين. فالضيف عند بعض الناس يغادر بعد أن يأكل. وعند بعض البيوت يغادر وهو يحمل شيئًا معه. لكن عند البيوت الكبيرة حقًا، يغادر الضيف وهو يحمل أثرًا لا يستطيع أن يضعه في حقيبة. وقد صدق المعنى الذي نجده في تراث الحكماء والشعراء الأفغان: القيمة ليست في كثرة ما يملك الإنسان، بل في ما يجعل ملكه نافعًا لغيره؛ وهذه جملة تستحق أن تُكتب وحدها: الثروة التي لا تُسعد إنسانًا آخر تبقى ملكًا لصاحبها؛ أما حين تتحول إلى أثرٍ في قلب إنسان، فإنها تصبح ذكرى.
أم محمد… والكرم الذي يحتاج إلى دعاء
وفي وسط هذه المائدة كلها، كانت هناك امرأة تستحق أن تُروى حكايتها وحدها. أم محمد.
يا أم محمد، لم تكن المائدة وحدها هي التي تتحدث عنك؛ البيت كله كان يتحدث. كل طبقٍ كان يقول شيئًا. كل ابتسامة كانت تقول شيئًا. كل حركةٍ في البيت كانت تقول إن وراء هذه الضيافة قلبًا كبيرًا. ونسأل الله أن يجزيك عن كل ما صنعتِ خير الجزاء، وأن يجعل ما قدمتِه لنا يومًا من أيام الفرح في ميزانك، وأن يكتب لك من كل تعبٍ راحة، ومن كل عطاءٍ بركة.
اللهم يا لطيف، يا شافي، يا رحيم، نسألك لأم محمد شفاءً يملأ جسدها عافية، وقلبها طمأنينة، وأيامها راحة. اللهم أذهب عنها الألم والتعب، ورد إليها صحتها ردًا جميلًا، وألبسها لباس العافية، ولا تدع في جسدها موضعًا إلا عافيته، ولا في نفسها همًا إلا أذهبته، ولا في قلبها أمنيةً في الخير إلا حققتها. اللهم اجعل مرضها رفعةً لها، وتطهيرًا، ورحمةً، وبابًا إلى لطفك الذي لا يراه الإنسان إلا بعد أن يمر من ضيق البلاء إلى سعة العافية.
اللهم بارك لأبي محمد، واحفظه، وأطل عمره على طاعتك وصحةٍ ورضا، وبارك له في أم محمد، واجعل كل واحد منهما سكنًا للآخر، ورحمةً في قلب الآخر، وعونًا في طريق الآخر. اللهم احفظ أبناءهم الأعزاء: محمدًا، ومؤيدًا، ومهيمنًا، وبلسم، ومجدًا. اللهم اجعل محمدًا ومؤيدًا ومهيمنًا رجالًا صالحين، واجعل فيهم من البر والنجاح ما تقر به أعين والديهم. اللهم احفظ بلسمًا، واجعل حياتها نورًا وسترًا وسعادة، وارزقها من الخير فوق ما تتمنى.
اللهم احفظ مجدًا، واجعل مستقبله أجمل مما يرجو، وافتح له أبواب الخير، واصرف عنه كل سوء. اللهم اجعل أبناءهم جميعًا امتدادًا جميلًا لقلوب جميلة، ولا تجعل فيهم ما يحزن والديهم، ولا ترهم فيهم يومًا بأسًا ولا مكروهًا. اللهم اجعل هذا البيت بيتَ بركة؛ إذا دخلته الرحمة أقامت، وإذا نزلت به السكينة لم تغادر، وإذا مر به البلاء كان لطفك أسبق إليه. اللهم كما جمعونا في إسطنبول على مائدةٍ من الكرم، فاجمعهم في الدنيا دائمًا على الصحة والعافية والرضا، واجمعهم في الآخرة في مستقر رحمتك.
وما بقي بعد المائدة
غادرنا البيت. وحملنا معنا الحلويات، والعطور، والذكريات، والأصدقاء الذين عادت أصواتهم بعد ثلاثة وثلاثين عامًا، وأفكار مشروعٍ للأيتام، ومشهد المسجد الأخضر، والشاي، والمائدة، والفاكهة، والهدايا. لكن الحقيقة أننا حملنا شيئًا أكبر من كل ذلك. حملنا شهادةً جديدة على أن الإنسان يستطيع أن يجعل من بيته رسالة. فليس البيت الجميل هو الذي تكثر فيه الأشياء. البيت الجميل هو الذي يشعر فيه الداخل أنه مُكرم، والمقيم أنه آمن، والمغادر أنه سيشتاق. وليس الكريم من يضع أمامك عشرين طبقًا.
الكريم هو من يجعلك تشعر أن الطبق الواحد قُدم إليك بحب. وليس أعظم الضيافة أن يقول لك صاحب البيت: “كل” بل أن يقول لك، من غير كلام: “ابقَ قليلًا… فالبيت يأنس بك”. وهذه المائدة، يا أبا محمد ويا أم محمد، لم تكن مائدةً أفغانية، ولا سعودية، ولا تركية. كانت شيئًا أجمل من ذلك كله. كانت مائدةً إنسانية، اجتمعت فيها ثلاثة أوطان، وتوحدت فيها لغة واحدة: الكرم. ولذلك ستبقى. لا لأن اللحم كان فوق الأرز. ولا لأن الفاكهة كانت كثيرة. ولا لأن المكسرات كانت من أجود الأنواع. ولا لأن الهدايا خرجت معنا. بل لأن وراء كل ذلك كان هناك بيتٌ فتح بابه، وقلبٌ فتح أبوابه معه.
وفي الحياة موائد كثيرة نمر بها… لكن القليل منها فقط يجعلنا، بعد أن نغادر، نلتفت إلى الوراء ونقول: ليتنا لم نغادر بهذه السرعة. وتلك هي المائدة التي لا تُنسى.