للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
في نهاية يومٍ عادي في أحد مساجد القاهرة، كان هناك رجلٌ يستعد للرحيل. لم يكن يحمل حقيبةً فاخرة. لم يكن حوله حرس. لم تصطف أمامه السيارات. ولم يقف الناس في طابورٍ لاستقبال شخصيةٍ أكاديمية كبيرة. كان المشهد أبسط من ذلك بكثير. أهل مسجد يودّعون رجلًا أحبوه. رجلًا عرفوه بينهم. جلس معهم. صلّى معهم. تبادل معهم السلام. وربما مرّ بينهم مراتٍ كثيرة دون أن يسأل أحد: من أنت؟ ما شهادتك؟ ما منصبك؟ كم جامعةً عملت فيها؟ كان يكفيهم شيء واحد: أنهم عرفوا قلبه.
وحين جاء وقت الرحيل، اكتشفوا شيئًا جعل القصة أكبر من وداع رجل. اكتشفوا أن الرجل الذي عرفوه في القاهرة كان الأستاذ حسن عبد الحليم عبد الله سيد أحمد، أستاذ الفيزياء بجامعة الخرطوم، والذي شغل منصب عميد كلية التربية. لكن المفارقة التي تجعل القصة تهزّ شيئًا في داخلنا… أن الحرب التي عصفت بالسودان دفعته إلى القاهرة، وهناك عمل بائعًا للخضار. وهنا يجب أن نتوقف. ليس أمام الخضار. ولا أمام العمادة. بل أمام الإنسان.
ماذا يحدث للإنسان حين يسقط عنه لقبه؟
نحن نعيش في عالمٍ شديد الولع بالألقاب. الدكتور. المهندس. المدير. العميد. الرئيس. الخبير. المستشار. نكتبها قبل أسمائنا، ونضعها على أبواب مكاتبنا، ونطبعها على بطاقاتنا. ثم نبدأ، دون أن نشعر، في الخلط بين أمرين لا علاقة بينهما: ما نملكه… ومن نكون. فنظن أن المنصب يمنحنا القيمة. وأن المكتب يرفع مكانتنا. وأن اللقب يصنع الهيبة. ثم تأتي الحياة أحيانًا… فتأخذ كل شيء في لحظة. تأخذ المكتب. والراتب. والعنوان. والمدينة. والجامعة. والكرسي. وتترك الإنسان وحده أمام السؤال الذي كان يؤجله: من أنت… عندما لا يبقى على بابك شيء مكتوب؟ هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
الحرب أخذت الجامعة… ولم تأخذ الأستاذ
حين جاءت الحرب، لم تسأله الحياة عن شهاداته. لم تقل له: أنت أستاذ فيزياء، إذن لن تتألم. لم تقل: أنت عميد كلية، إذن لن تحتاج إلى عمل. الحروب لا تقرأ السيرة الذاتية. والأزمات لا تحترم المناصب. والنزوح لا يفرّق بين عميدٍ وعامل. فقد الإنسان مكانه. واضطر إلى البحث عن مكانٍ آخر. وفي القاهرة… كان يمكن أن يختار اليأس. كان يمكن أن يقول: أنا أكبر من هذا العمل. كان يمكن أن ينظر إلى يديه ويقول: هذه اليد التي كتبت المعادلات ودرّست الطلاب لا ينبغي أن تمتد إلى الخضار. لكنه فعل شيئًا أعظم. مدّ يده إلى العمل. وهنا، يبدأ معنى القيادة الحقيقي. ليس في أن تعرف كيف تجلس على الكرسي. بل في أن تعرف كيف تقف عندما لا يعود هناك كرسي.
لا شيء مهين في العمل
هناك طبقةٌ خفية في هذه القصة تستحق أن نتوقف أمامها. نحن كثيرًا ما نقيس الأعمال بمكانتها الاجتماعية، لا بقيمتها الإنسانية. نرفع من شأن الوظائف التي تمنح صاحبها لقبًا. وننظر أحيانًا إلى العمل اليدوي وكأنه أقل شأنًا. لكن ما الذي يجعل عملًا كريمًا وعملًا مهينًا؟ هل هو المكتب؟ هل هي البدلة؟ هل هو حجم الراتب؟ أم أن الكرامة الحقيقية في أن تعمل بيدك دون أن تبيع نفسك؟ كان الأستاذ حسن يبيع الخضار. لكنني لا أرى في المشهد أستاذًا “نزل” إلى عملٍ أقل. أرى إنسانًا صعد فوق كبريائه. لأن هناك فرقًا هائلًا بين التواضع والمهانة. المهانة أن تعمل ما يخالف كرامتك. أما التواضع… فأن تعمل ما يحفظ كرامتك حين تضيق بك الحياة. أن تقول: سأبدأ من حيث أستطيع، لا من حيث كنت. وهذه الجملة وحدها تصلح أن تكون دستورًا لكل إنسانٍ سقطت من يده وظيفة، أو أغلقت في وجهه شركة، أو اضطر إلى الهجرة، أو وجد نفسه فجأةً في مكانٍ لم يكن يتخيله.
وفي المسجد… انكشف السر
لكن أجمل ما في القصة ليس أنه أصبح بائع خضار. أجمل ما فيها أن أهل المسجد أحبوه قبل أن يعرفوا منصبه. وهذا من أعظم تكريمٍ يمكن أن يحصل عليه قائد. لأنهم لم يقولوا: نحن نودع العميد. لم يعرفوا العميد أصلًا في البداية. كان بالنسبة إليهم: حسن. الإنسان. الجار. المصلي. الرجل الذي عرفوه. وهنا يحدث شيء بالغ الدلالة: قد تعرّفك الشهادة إلى الناس. وقد يعرّفك المنصب إلى الناس. لكن السلوك هو الذي يجعل الناس يحبونك. اللقب يفتح الباب. لكن الأخلاق هي التي تجعل الناس يطلبون منك ألا تغادر.
أيهما أكبر: المنصب أم الإنسان؟
تخيل أنك تملك كرسيًا كبيرًا. يجلس عليه الناس باحترام. وحين تجلس، يقفون. وحين تتحدث، يصمتون. ثم يأتي صباحٌ لا يعود فيه الكرسي لك. ماذا بقي؟ إذا لم يبق شيء… فلم تكن قائدًا. كنتَ شاغل كرسي. أما إذا ظل الناس يحبونك بعد أن غادرت المكتب… إذا بقيت كلمتك محترمةً دون سلطة… إذا اتصل بك الناس لأنهم يحتاجون نصيحتك، لا لأنهم يحتاجون توقيعك… إذا ذكرك موظفٌ بعد سنوات وقال: “هذا الرجل علّمني شيئًا غيّر حياتي”. فهنا فقط تعرف أن القيادة لم تكن في الكرسي. كانت فيك.
القائد الذي لا يحتاج إلى منصب
هناك قادة لا نعرف أنهم قادة. لا يظهرون في المؤتمرات. ولا تُكتب أسماؤهم في الأخبار. ولا يملكون فرقًا كبيرة. لكنهم عندما تضيق الحياة… تراهم يتحركون. يبحثون عن الحل. يحملون المسؤولية. يعملون بما تيسر. ولا ينتظرون أن تأتي الظروف المناسبة. هؤلاء يفهمون شيئًا لا تفهمه بعض كتب الإدارة: القيادة ليست القدرة على التحكم في الظروف؛ القيادة القدرة على التحكم في نفسك حين تعجز عن التحكم في الظروف. ولهذا ربما كانت الأزمات أكثر البيئات صدقًا لاكتشاف القادة. في الرخاء، يستطيع الجميع أن يبدو قويًا. أما في الانكسار… فلا يبقى إلا الجوهر.
ماذا علّمتنا بسطة الخضار؟
علّمتنا أن البداية من الصفر ليست عيبًا. وأن العمل ليس صغيرًا إذا كان شريفًا. وأن الشهادة لا تجعل اليد أرفع من يد العامل. وأن الإنسان يمكن أن ينتقل من قاعة المحاضرات إلى سوق الخضار… دون أن ينتقل من الكرامة إلى المهانة. بل ربما يحدث العكس: قد يغادر الإنسان كرسيًا فيكتشف نفسه. وقد يفقد لقبًا فيكتشف قيمته. وقد يسقط من منصبٍ فيرتفع في أعين الناس. وهنا تكمن المفارقة: أحيانًا لا تكشف الأزمة ضعف الإنسان. تكشف قوته التي لم يكن أحد يراها.
والجامعات… أين هي في هذه القصة؟
أستاذ الفيزياء لا يحمل فقط معرفةً بالمعادلات. هو يحمل سنواتٍ من التفكير. من البحث. من التعليم. من تدريب العقول على السؤال. والعجيب أن الحرب ربما نقلته من مكانٍ يعلّم فيه الطلاب الفيزياء… إلى مكانٍ تعلّم فيه الناس درسًا أكبر: كيف يعيش الإنسان عندما تتغير قوانين العالم من حوله. في الجامعة، كان يشرح قوانين الطبيعة. وفي القاهرة، ربما كان يعيش قانونًا آخر: أن الإنسان لا تُقاس قيمته بالظرف الذي وجد نفسه فيه. قد يتغير المكان. وقد يتغير العمل. وقد تتغير الحياة. لكن العقل الذي تعلم كيف يحل المشكلات لا يتوقف لأن مكتبه اختفى. والقلب الذي تعلّم الصبر لا يحتاج إلى كرسي حتى يستمر.
إلى كل قائد يجلس الآن على كرسي
هذه القصة ليست فقط للفقراء. وليست للمهاجرين. وليست للذين فقدوا وظائفهم. إنها، وربما قبل هؤلاء جميعًا، للذين ما زالت كراسيهم تحتهم. أيها المدير… لا تظن أن الناس يحترمونك لأنك مدير. احترم الإنسان الذي أمامك، وسيبقى احترامه لك حين ينتهي منصبك. أيها العميد… لا تجعل الجامعة تمنحك قيمةً أكبر من قيمة الإنسان الذي أمامك. أيها الرئيس… تذكر أن الكرسي الذي تجلس عليه سبقك إليه غيرك، وسيجلس عليه بعدك غيرك. أيها القائد… اسأل نفسك كل صباح: لو سُحب مني المنصب غدًا، ماذا سيبقى مني؟ إن كانت الإجابة: لا شيء… فهذه ليست إجابةً مخيفة. إنها فرصة. لأن أمامك وقتًا لتبني الإنسان قبل أن يبني المنصب صورتك.
وإلى كل إنسان بدأ من جديد…
ربما أنت الآن في مكانٍ لم تختره. ربما تركت عملك. ربما هاجرت. ربما خسرت مشروعًا. ربما تعمل في وظيفةٍ لا تشبه شهادتك. ربما تنظر إلى من حولك فتقول: “كنتُ شيئًا آخر.” لا. أنت لست وظيفتك القديمة. ولست مكتبك. ولست لقبك. ولست الراتب الذي فقدته. ولست المدينة التي خرجت منها. أنت الإنسان الذي يستطيع أن يبدأ مرةً أخرى. وقد يكون هذا العمل الذي تراه اليوم صغيرًا هو الجسر الذي ستعبر عليه إلى غدٍ أكبر. فلا تحتقر بدايتك. كثير من النهايات العظيمة بدأت من أماكن لم يتوقعها أحد.
وأهل المسجد… صنعوا أجمل خاتمة
ربما لم يقصدوا أن يقدموا درسًا في القيادة. ربما لم يفكروا في كل هذا. كانوا فقط يودعون رجلًا أحبوه. لكنهم، دون أن يعرفوا، قالوا للعالم شيئًا بالغ العمق: نحن لا نودع منصبه. نحن نودع حسن. وهذه وحدها شهادةٌ لا تُكتب على ورق. لأن بعض الشهادات تمنحها الجامعات. وبعضها تمنحها الدولة. وبعضها تمنحها المؤسسات. لكن هناك شهادةً أرفع: أن يحزن الناس لأنك راحل. لا لأنهم يحتاجون توقيعك. بل لأنهم سيفتقدونك أنت.
حين لا يكون الكرسي هو القائد
في النهاية، ليست قصة حسن قصة انتقالٍ من الجامعة إلى الخضار. إنها انتقالٌ من تعريفٍ ناقص للإنسان إلى تعريفٍ أعمق له. لقد ظننا أن الرجل كان عميدًا. ثم اكتشفنا أنه كان أكثر من ذلك. وظننا أنه أصبح بائع خضار. ثم اكتشفنا أن المهنة الجديدة لم تستطع أن تصغر الرجل. ثم ظننا أن أهل المسجد عرفوه حين عرفوا منصبه. فاكتشفنا المفاجأة الأجمل: لقد أحبوه قبل أن يعرفوا من يكون. وهنا تتغير كل المعادلة. فالإنسان ليس مجموع ألقابه. ولا قيمة الإنسان في ارتفاع الكرسي الذي يجلس عليه. ولا عظمة القائد في عدد الذين يقفون له. عظمة القائد في عدد القلوب التي تبقى واقفةً له بعد أن يغادر.
ولهذا… لا تسأل عن القائد حين يجلس. انظر إليه حين يقوم. لا تسأل عن قيمته حين تكون الأبواب مفتوحة أمامه. انظر إليه حين تغلق الأبواب. لا تسأل ماذا كان يملك. اسأل ماذا بقي منه حين فقد ما يملك. فقد يأخذون منك الجامعة… وتبقى أستاذًا. وقد يأخذون منك المكتب… وتبقى قائدًا. وقد يأخذون منك اللقب… وتبقى إنسانًا. وقد تأخذ منك الحرب مدينةً كاملة… ولا تستطيع أن تأخذ منك قدرتك على البدء. وهذا هو الدرس الذي ربما لم يدرِ أهل المسجد أنهم كانوا يكتبونه في ذلك اليوم: لم يسقط الأستاذ حسن من كرسي العميد إلى بسطة الخضار؛ سقط الكرسي من حول رجلٍ ظل واقفًا. ثم مضى… إلى فرصةٍ جديدة. إلى بلدٍ جديد. إلى حياةٍ جديدة. وربما إلى جامعةٍ جديدة. لكن أجمل ما في القصة ليس إلى أين سيذهب. بل ما الذي حمله معه. لم يحمل منصب العميد. لم يحمل مكتبه. لم يحمل لوح الجامعة. لم يحمل الكرسي. حمل حسنًا. وهذا يكفي. لأن الإنسان الذي استطاع أن يبقى إنسانًا حين تغيرت حياته…لا يحتاج إلى كرسيٍ ليقود.
كلمة أخيرة
أيها الإنسان… إذا جاء يومٌ وأخذت الحياة منك كل ما كنت تظن أنه أنت، فلا تخف. قد تكون تلك اللحظة هي المرة الأولى التي ستلتقي فيها بنفسك دون ألقاب. ابدأ. من أي مكان. بأي عملٍ شريف. وبأي يدٍ تستطيع أن تعمل. ولا تقل: كنتُ. قل: سأكون. فالكرسي له عمر. والمنصب له نهاية. والشهرة تخفت. والأبواب تتغير. لكن الإنسان الذي يبني داخله… لا تنتهي صلاحيته بانتهاء وظيفته. وربما لهذا كانت أجمل صورة في تلك الحكاية كلها… ليست صورة الأستاذ أمام طلابه. ولا صورة العميد في مكتبه. بل صورة رجلٍ بسيطٍ في القاهرة، يقف بين أهل مسجد أحبوه، ويستعد للرحيل. فقد احتاج العالم إلى حربٍ قاسية، وغربةٍ طويلة، وبسطة خضار… حتى يكتشف شيئًا كان يجب أن يعرفه منذ البداية: أن بعض الناس لا يحملون المناصب… بل المناصب هي التي تتشرف حين تحمل أسماءهم. وأن القيادة، في صورتها الأصدق، لا تبدأ حين تجلس على الكرسي. بل تبدأ حين تستطيع أن تقوم منه… ولا يتغير منك شيء.
