
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
تمرّ الأيام على الإنسان، بعضها يمرّ كأنه لم يكن، وبعضها لا يمرّ أبدًا… بل يسكن فينا. أما 01 أكتوبر 1991، فقد كان يومًا من تلك الأيام التي غادرت فيهاُ الحياةُ شكلَها العادي، وتركت في القلب ذكرى لا تشبه سواها. كنت يومها مسافرًا برفقة زوجتي بعد العرس. كان البيت خلفي، والطريق أمامي، وكانت أمي ــ رحمها الله ــ في البيت. وقبل أن أغادر، اقتربت منها. قبّلت يديها، وقبّلت رأسها، ثم انحنيت لأقبّل قدميها، فأبت أن أترك لها موضعًا إلا وقبّلته.
ثم قلت لها: أمي… ارضي عني. فقالت لي، بكلمات لم أكن أعرف يومها أنها ستصبح واحدة من أثقل أمانات عمري: “يا محمد يا ابني… شعر رأسي راضٍ عنك”. قالتها أمي، ومضيت. لكنني لم أمضِ وحدي. مضيت ومعي جملة واحدة، أصبحت بعد ذلك كلما جاء 01 اكتوبر أشد حضورًا في قلبي من العام الذي سبقه: “شعر رأسي راضٍ عنك” ما أعجب الأم! قد تعطيك دعاءً في سبع كلمات، ثم تقضي بقية عمرك تحاول أن تكون جديرًا به. وقد تظن أنك يومها كنت تطلب رضاها، فإذا بك تكتشف بعد سنوات أنها كانت تمنحك وصية.
حين أصبحت الآية تسألني
وفي جمعة اليوم، كنت أقرأ من أواخر سورة البقرة، فأقف طويلًا عند قول الله تعالى:
﴿وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرࣲ وَلَمۡ تَجِدُوا۟ كَاتِبࣰا فَرِهَـٰنࣱ مَّقۡبُوضَةࣱۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضࣰا فَلۡیُؤَدِّ ٱلَّذِی ٱؤۡتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلۡیَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَۚ وَمَن یَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥۤ ءَاثِمࣱ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِیمࣱ﴾ [البقرة: 283].
فكنت أتوقف عند: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. وأقول في نفسي: هل للأمانة صور لا تُكتب في العقود؟ هل يمكن أن تكون هناك أمانة تسلّمها لك أمّك بكلمة؟ هل يمكن أن يكون رضاها شهادةً، وأن يصبح عليك دينٌ لا يُقضى بالمال؟ ثم يعود إليّ صوتها: “شعر رأسي راضٍ عنك” فأشعر أنني أمام أمانة. لقد ائتمنتني أمي على عمرٍ كامل من تربيتها. على سنوات حملتني فيها قبل أن أحمل نفسي. على ليالٍ ربما سهرت فيها وأنا نائم. على خوفٍ أخفته عني حتى لا أخاف. على دعوات قالتها في غيابي ولم أسمعها. على تعبٍ لم تسألني يومًا أن أردّه. على يدٍ أمسكت يدي عندما كنت لا أعرف الطريق. ثم في آخر الطريق قالت لي: أنا راضية عنك. فكيف أردّ هذا الدين؟ أمي لم تطلب مني شيئًا
رحمك الله يا أمي… لم تطلبي مني مالًا. لم تطلبي بيتًا. لم تطلبي هدية. لم تطلبي أن أردّ لكِ شيئًا من تلك السنين. كنتِ تريدين شيئًا أعظم: أن أظل ابنك الذي يليق بتربيتك. أن يكون في أخلاقي شيء من تعبك. في رحمتي شيء من قلبك. في صبري شيء من صبرك. في علاقتي بأهلي شيء من وصيتك. وفي معاملتي للناس أثرٌ من يدك التي ربّتني. ولذلك كلما مرّ 01 أكتوبر، لا أتذكر فقط يوم سفري بعد زواجي. أتذكر أنني غادرت البيت يومها ومعي أمانة. وأظل أسأل نفسي: هل أدّيتُها؟
ربما كان السفر بداية الرسالة
يومها كنت أظن أنني أسافر من بيت أمي إلى حياة جديدة. ولم أكن أعلم أن أمي كانت تسلّمني، في تلك اللحظة، إلى الحياة. قالت لي:
“شعر رأسي راضٍ عنك” وكأنها تقول: يا ابني… خذ رضا أمك معك. لكن لا تجعله وسادة تنام عليها؛ اجعله عهدًا تستيقظ عليه.
لا تقل: أمي راضية عني. بل اسأل نفسك كل صباح: ما الذي أفعله اليوم حتى يبقى هذا الرضا حيًا في أثري؟ فالأم لا تريد من ولدها أن يبكي عليها بعد رحيلها فقط. تريد أن ترى دمعتها التي ذرفتها من أجله وقد تحولت إلى خلق. تريد أن ترى دعاءها وقد صار صلاحًا. تريد أن ترى تعبها وقد صار إنسانًا نافعًا. تريد أن تقول للسماء، لا للناس: يا رب، هذا ابني الذي تعبت في تربيته… فلا تضيّع تعبي فيه.
يا أمهات العالم… هذه رسالتكن
ولست أريد أن أختم حكايتي بأمي وحدها. فكم من أمٍ قالت لابنها كلامًا يشبه كلام أمي، ثم غابت. وكم من أمٍ ما زالت تنتظر من أبنائها أن يفهموا أن أعظم ما يمكن أن يقدموه لها ليس هديةً تُغلّف، ولا مالًا يُرسل، وإنما حياةٌ كريمة تبرهن أن تعبها لم يذهب سدى. وإن تكلمت الأمهات جميعًا، ربما قلن لأبنائهن: يا أبنائي…لا تجعلوا برّنا موسمًا. لا تتذكرونا حين نمرض فقط. ولا تجعلوا قبورنا أكثر حظًا من بيوتنا؛ تزورونها بعد موتنا بالدعاء، بينما كنا في حياتنا ننتظر منكم مكالمة، أو قبلة، أو جلسة، أو كلمة تقول: أمي… أنا أحبك.
نحن لا نريد الكثير. نريد أن نطمئن عليكم. نريد أن نرى قلوبكم طيبة. نريد أن نعرف أن ما زرعناه فيكم من رحمة لم يمت. نريد أن نرى إخوتكم متحابين. وأنتم مع آبائكم وأبنائكم رحماء. وإذا رحلنا، فلا تبحثوا عنّا في التراب فقط… ابحثوا عنّا في أخلاقكم. هناك سنبقى. في دعوةٍ دعوتها لكم. في صدقةٍ علمتكم إياها. في يدٍ مددتموها لمحتاج. في كبيرٍ أكرمتموه. في صغيرٍ رحمتموه. في صلاةٍ حافظتم عليها. وفي قلبٍ لم تؤذوه. فإذا فعلتم ذلك، فاعلموا أنكم ما زلتم تؤدون شيئًا من ديننا.
01 أكتوبر… لم يعد تاريخًا
يا أمي… منذ ذلك اليوم وأنا أكبر، وأنتِ في الذاكرة تكبرين معي. كلما تقدّم بي العمر، فهمت كلمتك أكثر. كنت أظن أنك قلتِ: “شعر رأسي راضٍ عنك” لتطمئنيني. واليوم أفهم أنك كنتِ تضعين في عنقي عهدًا. وأنا إلى اليوم أحاول أن أكون جديرًا به. فإن قصّرت، فاستغفر الله لي. وإن أحسنت، فذلك من آثار تربيتك. وإن رأيتِ فيّ خيرًا، فالحمد لله الذي أكرمني بأن جعلني ابنًا لك. أما أنتِ… فلا أملك إلا الدعاء. اللهم ارحم أمي رحمةً تليق بسعة رحمتك. اللهم اجزها عني وعن كل ما صنعت من أجلي خير الجزاء. اللهم اجعل كل تعبٍ تعبته، وكل دمعةٍ ذرفتها، وكل دعوةٍ رفعتها من أجلي، نورًا في قبرها ورفعةً في درجاتها. اللهم اجعل رضاها عني شاهدًا لها لا عليها، واجمعني بها في جناتك حيث لا فراق ولا وجع ولا رحيل.
ويا رب… ارحم أمهاتنا جميعًا؛ من بقيت منهن على قيد الحياة فأطل أعمارهن في طاعتك، وألبسهن لباس الصحة والعافية، وأكرمهن ببرّ أبنائهن، ومن رحلت منهن فاجعل قبورهن رياضًا من رياض الجنة، وأنزل عليهن من رحمتك ما يطمئن بهن، وبلّغهن منا سلامًا ودعاءً لا ينقطع. اللهم علّمنا كيف نؤدي أمانات من ربّونا. وكيف نردّ الجميل لمن أعطونا العمر دون أن يطلبوا المقابل. وكيف نفهم، قبل فوات الأوان، أن هناك ديونًا لا تُسدّد بالمال… بل بأن نعيش كما كانت أمهاتنا تتمنى لنا أن نعيش.
رحمك الله يا أمي…01 أكتوبر ليس يوم سفري منكِ. إنه اليوم الذي أدركت فيه، بعد سنوات، أنني لم أخرج من بيت أمي… بل خرجت ومعي أمانة أمي.