بثينة… عمود الخيمة

محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

الحاجة بثينة رمضان قايد … مواليد 4 ديسمبر 1936

رحلت إلى رحمة الله في 5 أكتوبر 2025

هناك أسماءٌ لا تكون مجرد أسماء… تجتمع حروفها، فإذا بها ترسم شيئًا من صاحبها قبل أن نعرفه. وحين أقول: بثينة رمضان قايد، أشعر أن الحروف نفسها قد اجتمعت على مهل، وأخذ كل حرف نصيبه من صاحبته. بثينة… فيها من الرقة ما يكفي لابتسامة، ومن الدلال ما يجعل الاسم وحده حكاية. ثم جاء رمضان، فأضاف إلى الاسم بركةً ودفئًا وعبقًا روحانيًا لا تضيّعه شمس الأيام. ثم جاءت قايد…وهنا جاءت الهيبة لتقول: لحظة… لا بد أن يكون في الاسم “قايد”، ولم تكن “قايد” في اسمها فقط. لقد رأينا شيئًا من القيادة في حضورها، وفي طريقتها، وفي علاقتها بالناس.

امرأة رأيت فيها القيادة

كانت أول رؤية لي للحاجة بثينة في بدايات الألفية الثانية، لم تكن المعرفة يومها طويلة، ولا اللقاءات كثيرة، لكن بعض الشخصيات لا تحتاج إلى سنوات حتى تكشف لك شيئًا من حقيقتها. كانت معها رفقة، وكنت أراها وهي تدير الفريق، وتنظم التفاصيل، وتجمع الناس حولها. وكان في حضورها شيء لافت: قيادة يقظة، وهمّة، ورحمة. وحين امتد التواصل معها عبر الهاتف، كانت تلك الصفات تظهر أكثر. لم تكن القيادة عندها صوتًا مرتفعًا، ولا أمرًا ونهيًا. كانت القيادة عندها رعاية. أن تعرف ماذا يحتاج الآخر. أن تشعر بمن حولك. أن تجمع ولا تفرّق. أن تكون حاضرة حين يحتاجك الناس. وهذه هي القيادة التي لا تُدرّسها الكتب بسهولة؛ لأنها تنبع من القلب قبل أن تظهر في السلوك.

عمود الخيمة

كانت الحاجة بثينة في أسرتها الكبيرة شيئًا يشبه عمود الخيمة. قد لا ينتبه الناس دائمًا إلى العمود وهم يجلسون تحت ظل الخيمة، لكنهم لو غاب، عرفوا كم كان وجوده مهمًا. وهكذا كانت. والدة أم أحمد إسماعيل، وجابر قايد، وخالة إسماعيل غريب، وجميلة، وكانت في امتداد الأسرة قلبًا يجمع، ويدًا ترعى، وحضورًا يترك الطمأنينة. ولذلك فإن فقدها ليس فقد إنسانة واحدة فحسب. إنه فقد زاوية من زوايا البيت الكبير. فقد صوتٍ كان له مكانه. وحضورٍ كانت له هيبته. وامرأة كانت تعرف كيف تكون أمًا، وأختًا، وخالةً، وقريبةً، ورفيقةً، وقائدةً في الوقت نفسه.

بعض النساء يتركن وراءهن منظومة من المحبة

ليست قيمة الإنسان بعدد السنوات التي عاشها فقط. بل بعدد القلوب التي ترك فيها أثرًا. والحاجة بثينة تركت خلفها شيئًا أكبر من الذكرى: تركت علاقات. وتركت أبناءً وبناتٍ وأهلًا وأحبة يحمل كل واحد منهم شيئًا منها. في هذا يحمل أحدهم دعاءها. وفي ذاك تظهر رحمتها. وفي آخر تستمر طريقتها في جمع الناس. وهكذا لا يموت أثر الإنسان حين يموت جسده. إنما ينتقل من شخص إلى شخص. ومن جيل إلى جيل.

5 أكتوبر… يوم الرحيل، لا يوم النهاية

في 5 أكتوبر 2025 رحلت الحاجة بثينة رمضان قايد عن دنيانا. لكن الرحيل لا يعني النهاية. فالإنسان الذي عاش بين الناس بالرحمة، لا يغيب سريعًا. والذي جعل بيته موطنًا للمحبة، تبقى أبوابه مفتوحة في ذاكرة من دخلوها. والذي حمل أسرته بقلبه، يظل حاضرًا كلما اجتمعت الأسرة وتذكرت أيامها. وما أجمل أن يكون للإنسان بعد رحيله أهلٌ يدعون له، وقلوبٌ تذكره بالخير، وأثرٌ يشهد له.

يا بثينة… تركتِ لنا الاسم والمعنى

حين أتذكر اسمك الآن، لا أراه أربعة عشر حرفًا تجمعت على بطاقة. أراه سيرة. بثينة: رقةٌ ودلال. رمضان: بركةٌ ودفء. قايد: هيبةٌ وقيادة. وكأن الاسم كان يكتب بعض ملامح صاحبته قبل أن نعرفها. ولعل أجمل ما في الإنسان أن يصبح اسمه بعد رحيله صفةً في قلوب الناس. فإذا قالوا: بثينة… قالوا معها: الرحمة، القيادة. الأسرة. الوفاء. والقلب الكبير.

إلى أبنائها وأهلها وأحبتها

إلى وفاء أم أحمد إسماعيل، وجابر أبو أحمد، وعفاف أم أنس، وإسماعيل غريب أبو أحمد، وجميلة أم أحمد، وإلى الأسرة الكريمة كلها: أحسن الله عزاءكم. إن فقد الأم والأخت والخالة والقريبة ليس سهلًا، لكن عزاءكم أن من أحببتم لم تخرج من الدنيا خالية اليدين. خرجت وقد تركت خلفها محبةً كثيرة. وهذه من أجمل الصدقات التي يتركها الإنسان في الدنيا: أن يكون هناك من يقول بعد رحيله: رحمها الله… كانت طيبة. رحمها الله… كانت رحيمة. رحمها الله… كانت تجمعنا. رحمها الله… كانت عمود الخيمة.

اللهم إن بثينة قد صارت إليك

اللهم إن الحاجة بثينة رمضان قايد قد صارت إلى رحمتك، فكن بها أرحم من كل من أحبها. اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها واعف عنها، وأكرم نزلها، ووسّع مدخلها، واجعل قبرها نورًا وطمأنينة. اللهم اجعل ما قدمته لأهلها وأبنائها وذويها من رعاية ورحمة وقيادة واحتواء، في ميزان حسناتها. اللهم اجزها عن كل قلبٍ أسعدته، وكل إنسانٍ رعته، وكل بيتٍ جمعته، وكل خيرٍ صنعته، خير الجزاء.

اللهم اجبر قلوب أبنائها وبناتها وإخوتها وأخواتها، وأحفادها، وأهلها، ومحبيها. اللهم لا تحرمهم أجرها، ولا تفتنهم بعدها، واغفر لها ولهم. اللهم اجمعها بمن تحب في جناتك، في مقامٍ لا فراق فيه، ولا مرض، ولا وجع، ولا رحيل. رحم الله الحاجة بثينة رمضان قايد… كانت في حياتها عمود الخيمة، واليوم نسأل الله أن يجعل لها في الجنة ظلًا لا يزول، ونعيمًا لا ينقطع، ورحمةً لا تنتهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top