أبي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

في الرابع من أكتوبر، لا تأتي ذكرى أبي إلى قلبي كموعدٍ في التقويم، وإنما تأتي كشيءٍ أعمق من التاريخ؛ تأتي كأن بابًا قديمًا في داخلي يُفتح فجأة، فأجد وراءه وجهًا أعرفه منذ طفولتي، وصوتًا لم يعد يُسمع في البيت، لكنه لم يتوقف يومًا عن الحضور في القلب. تمر السنوات، ويتغير العمر، وتتبدل المدن والوجوه والأيام، ويبقى الأب في مكانٍ لا تستطيع السنوات الوصول إليه. هناك، حيث لا يشيخ الذين أحببناهم، ولا تغيب أصواتهم تمامًا، ولا يصبحون ماضيًا مهما ابتعد الزمن.

لم يكن أبي كثير الكلام

كان أبي من أولئك الذين لا يحتاجون إلى كثرة الكلام؛ لأن حياتهم كانت تقول ما لا تقوله الخطب. عاش بسيطًا، ومضى في عمله ومسؤولياته بهدوء الرجل الذي يعرف أن الأمانة لا تحتاج إلى جمهور، وأن الإنسان قد يؤدي أعظم أعماله دون أن يصفق له أحد. كان يعمل في السكك الحديدية، في موقعٍ لا يعرفه معظم الناس، لكنه كان يعرف معنى المسؤولية فيه؛ يقف في موضعه، يؤدي واجبه، ويحمل أمانته كما ينبغي لرجلٍ يعرف أن حياة الناس قد تتعلق بدقة ما يفعل. وربما لم أفهم وأنا صغير معنى ذلك كله، لكنني فهمته بعد أن كبرت: هناك رجال لا تصنعهم المناصب، وإنما تصنعهم الأمانة حين لا يراهم أحد.

كان يقف حيث يجب أن يقف

كلما مر قطار في الذاكرة، لم أعد أسمع صفارته وحدها؛ أسمع معها شيئًا من أبي. أتخيله واقفًا في موقعه، يراقب، ويتابع، ويؤدي ما عليه، بينما يمضي الناس في طريقهم مطمئنين، وربما لم يعرف أحد منهم اسم الرجل الذي كان جزءًا من سلامة رحلتهم. وهذه واحدة من أعمق الصور التي تركها أبي في داخلي: أن تقوم بما عليك، ولو لم يعرف الناس أنك فعلته؛ وأن يكون رضاك عن أمانتك أكبر من حاجتك إلى اعتراف الآخرين بها. لقد علّمني أبي، من حيث لم يقل، أن بعض الأعمال العظيمة تمر في حياة الناس دون أن يعرفوا أصحابها.

أبي الذي علّمني بالمعنى قبل الكلام

لم يكن أبي بالنسبة إليّ مجرد أبٍ في البيت، بل كان معنى يتسع كلما كبرت. كان يجمع في حضوره صداقة الأخ، وحنان الأب، وهيبة المعلم؛ يحترم الإنسان قبل منصبه، وينصح دون أن يجرح كرامة من أمامه، ويعطي دون منّ، ويرى الناس بعين الرحمة. وربما لهذا بقي أثره فيمن عرفه؛ لأن بعض الناس لا يتركون وراءهم مجموعة من الذكريات، بل يتركون في الآخرين شيئًا من أنفسهم. وقد فهمت بعد سنوات أن التربية الحقيقية لا تحدث دائمًا عندما يجلس الأب ليعطي ابنه درسًا؛ أحيانًا تحدث وهو يمشي أمامه، ويتعامل مع الناس، ويؤدي عمله، ويصبر، ويصمت، ويدعو.

بعض الكلمات لا تموت

من الكلمات التي بقيت في داخلي من أبي دعاؤه الذي كان يردده: ” ويحبب فيكم خلقه” كنت أسمعها كدعاء أبٍ لأبنائه، أما اليوم فأسمع فيها فلسفة حياة كاملة. لم يكن يتمنى لنا مالًا كثيرًا، ولا منصبًا كبيرًا، ولا شهرة واسعة؛ كان يتمنى أن يحبب الله فينا خلقه. وكلما كبرت أدركت كم هي عظيمة هذه الأمنية: أن يترك الإنسان وراءه في قلوب الناس محبة لا يشتريها، وأن يكون حضوره بينهم رحمة، وغيابه دعاءً، وذكراه خيرًا. ولعل أجمل ما في دعاء الآباء أنهم لا يعرفون، وهم يقولونه، كم سيمتد أثره في أبنائهم. قد تنسى تفاصيل كثيرة من طفولتك، وقد تتلاشى ملامح أيام بعيدة، لكن جملة قالها الأب ذات مساء قد تعيش معك حتى آخر العمر. الكلمات الصادقة لا تحتاج إلى ذاكرة تحفظها؛ القلب يتولى ذلك.

متى نفهم آباءنا؟

ربما يحتاج الإنسان إلى أن يكبر حتى يبدأ في قراءة أبيه من جديد. حين كنت صغيرًا، كنت أراه أبي؛ وحين كبرت، بدأت أراه إنسانًا حمل مسؤولياته، وعاش أيامه، وتحمل ما لم أكن أعرفه، وعمل، وصبر، وأعطى، وخاف علينا، ودعا لنا، ومضى في الحياة دون أن يكتب لنا سجلًا بكل ما فعل. وهذه إحدى المفارقات المؤلمة في الحياة: أننا كثيرًا ما نحتاج إلى سنوات طويلة حتى نفهم الذين أحبونا منذ البداية. نكتشف قيمة التعب بعد أن يتوقف صاحبه عن التعب، ونفهم معنى الحماية بعد أن نفقد اليد التي كانت تحيط بنا، ونشعر بثقل الدعاء بعد أن يصبح صاحبه تحت التراب. لذلك فإن بعض الآباء لا نعرف حجم حضورهم في حياتنا إلا عندما يتحول حضورهم من شيءٍ نراه إلى شيءٍ نفتقده.

أبي الذي بقي فيّ

حين رحل أبي، لم أشعر أنه خرج من حياتي دفعة واحدة؛ شعرت أنه انتقل من مكانٍ إلى مكان. انتقل من أمام العين إلى داخل القلب، ومن الحديث اليومي إلى الذاكرة، ومن البيت إلى الدعاء. بقي في طريقة نظرتي إلى المسؤولية، وفي تقديري للعمل الذي لا يراه الناس، وفي احترامي للإنسان قبل موقعه، وفي إيماني بأن الخير لا يحتاج إلى ضجيج حتى يكون عظيمًا. أحيانًا أبحث عن أبي فلا أجده في صورة قديمة، وإنما أجده في موقف أتصرف فيه كما كان يتصرف، أو كلمة أقولها فأكتشف أنها تشبه كلماته، أو دعاء أرفعه إلى الله فأشعر أنني أكمل دعاءً بدأه هو منذ سنوات. وهنا أفهم أن الآباء لا يموتون بالطريقة التي نظنها؛ يموت الجسد، أما ما زرعه الأب في أبنائه فيواصل الحياة من بعده.

ماذا ترك لي أبي؟

لم يترك لي أبي مجرد ذكريات أعود إليها كلما اشتقت. ترك لي معنى. ترك لي أن الرجل يمكن أن يكون كبيرًا دون أن يتكبر، وأن يعمل دون أن يطلب التصفيق، وأن يعطي دون أن ينتظر المقابل، وأن يحفظ للناس كرامتهم حتى وهو ينصحهم، وأن يعيش مستقيمًا، حتى إن لم يكن هناك من يراقبه. وكلما تأملت حياته، أدركت أن أعظم ما يمكن أن يتركه الأب لابنه ليس شيئًا يوضع في اليد، وإنما شيء يستقر في الضمير. المال قد ينتهي، والبيوت قد تتغير، والصور قد تبهت، لكن السيرة الطيبة تظل تمشي مع أبنائها من جيل إلى جيل. وقد يكون أعظم ميراث يتركه الأب أن يجعل ابنه يقول بعد سنوات: كنت أريد أن أكون مثله في أشياء كثيرة، ولم أفهم ذلك إلا بعد أن كبرت.

في الرابع من أكتوبر

في الرابع من أكتوبر من كل عام، لا أريد أن أتذكر يوم رحيل أبي فقط؛ 04 أكتوبر 2019. أريد أن أتذكر يومًا من أيام النعمة التي عشتها معه. فالفقد لا ينبغي أن يجعلنا نرى الراحل في لحظة موته فقط، بل في عمره كله؛ في تعبه، وابتسامته، وعمله، ودعائه، ومواقفه، وفي كل أثر جميل تركه وراءه. لهذا حين تأتي ذكرى أبي، لا أريد أن أقول فقط: رحمك الله. أريد أن أقول أيضًا: شكرًا يا أبي. شكرًا لأنك كنت أبًا قبل أن أعرف معنى الأبوة، ورجلًا قبل أن أعرف معنى الرجولة، وصاحب أثر قبل أن أعرف أن الإنسان قد يعيش عمره كله ليترك أثرًا في الآخرين.

بعض الآباء لا يغادرون

هناك آباء يغادرون الدنيا، لكنهم لا يغادرون أبناءهم. يبقون في الدعاء، وفي الملامح، وفي العادات، وفي الكلمات، وفي المواقف التي نستعيدها دون أن نشعر. يبقون في الطريقة التي نعامل بها الناس، وفي خوفنا على أبنائنا، وفي حرصنا على أن نترك لهم شيئًا من الخير الذي تركوه لنا. ولذلك لم يعد أبي بالنسبة إليّ رجلًا مات في الرابع من أكتوبر؛ صار جزءًا من الطريق الذي أمشيه. وكلما تقدمت في العمر، ازددت يقينًا بأن الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما تركه من خير في السنوات التي عاشها. وأبي، في أبسط صورة أستطيع أن أقولها، ترك فيّ ما هو أبقى من الكلام: تركني أكثر حرصًا على أن أكون إنسانًا يستحق دعوة أبي القديمة: ” ويحبب فيكم خلقه“.

يا أبي

رحمك الله يا أبي. مضت سنوات على رحيلك، وما زلت أتعلم منك. وما زالت بعض الأشياء في حياتي تحمل شيئًا منك، وما زالت دعوتك تسير معي كأنها قيلت بالأمس. لم أعد أملك أن أسمع صوتك كما كنت أسمعه، لكنني أستطيع أن أرفع يدي إلى السماء وأقول: اللهم كما أحبني أبي ودعا لي، فأكرمه برحمتك التي وسعت كل شيء. اللهم اجعل كل لحظة قضاها أبي في خدمة الناس وأداء أمانته شاهدًا له لا عليه، وكل خيرٍ علّمني إياه صدقةً جاريةً له، وكل إنسان أحسن إليه بابًا من أبواب رحمتك عليه. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأنر له فيه، وآنس وحشته، وارفع درجته، واغفر له، واجمعنا به في مستقر رحمتك، حيث لا فراق ولا وجع ولا موت.

وللآباء جميعًا

اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا؛ من بقي منهم بيننا فبارك في أعمارهم، وألبسهم ثوب الصحة والعافية، وأقر أعينهم بأبنائهم وأحفادهم، ولا ترنا فيهم بأسًا يحزن قلوبنا. ومن سبقونا إليك، فاجعل رحمتك أوسع من فقدنا، ونورك أنسًا لقبورهم، ومغفرتك سترًا لهم، واجعل ما تركوه فينا من خيرٍ ممتدًا في ميزان حسناتهم. اللهم لا تجعلنا نعرف قيمة آبائنا بعد أن يصبحوا ذكرى، ولا فضل أمهاتنا بعد أن تصبح أسماؤهم دعاءً. علّمنا أن نبرهم وهم بين أيدينا، وأن نقول لهم ما تأخرنا في قوله، وأن نمنحهم من الحب ما لا يحتاج إلى مناسبة، ومن الوقت ما لا تعيده الأيام. اللهم اجعلنا أبناءً يسرّ بهم آباؤهم في حياتهم، ويفخرون بهم في دعائهم بعد رحيلهم، ولا تجعل في قلوبنا كلمة “ليتني” تجاه أبٍ أو أم.

رحمك الله يا أبي

لقد انتقلتَ من أمام العين إلى داخل القلب، ومن البيت إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الدعاء. وكلما مر قطار، أو سمعت صفارته من بعيد، سأعرف أن بعض الناس لا تنتهي حكاياتهم حين تنتهي أعمارهم؛ لأنهم تركوا فينا شيئًا يمضي معهم إلى ما بعد الرحيل. وأنت يا أبي… ما زلتَ أبي. وما زلتُ، إلى اليوم، أتعلم منك.

محمد تهامي

محمد تهامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top