حين تنتهي الإقامة… ويبدأ معنى الرحيل

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

ذكريات مسافر | الكويت، من 1994 إلى 2025

في الثاني عشر من أكتوبر، تنتهي إقامتي في الكويت، جملةٌ قصيرة في ظاهرها، لا تتجاوز كلماتٍ قليلة، لكنها حين تمرّ على رجلٍ عاش في هذا البلد قرابة اثنين وثلاثين عامًا، لا تعود جملةً إدارية عابرة؛ تصبح بابًا يطلّ على عمرٍ كامل، في العاشر من أكتوبر، مرّت تسعة أشهر على مغادرتي. واليوم، يأتي تاريخ انتهاء الإقامة ليضع خطًّا تحت فصلٍ طويل من حياتي. لا أستطيع أن أنظر إلى التاريخين بوصفهما رقمين في التقويم؛ فبينهما سنواتٌ من العمل، ومراحل من النضج، ووجوهٌ عرفتها، وأماكن شهدت محاولاتي، وأيامٌ لم يكن فيها العمل وظيفةً أؤديها، بل مسؤوليةً أحملها معي حتى حين أغادر مكتبي، كيف يمكن لوثيقةٍ أن تنتهي في يوم، بينما يحتاج العمر إلى صفحاتٍ كي يروي ما حدث؟

عمرٌ لا تختصره الأرقام

      وصلت إلى الكويت عام 1994، وفي داخلي ما يحمله الإنسان حين يبدأ فصلًا جديدًا من حياته: طموحٌ يتجاوز حدود الوظيفة، واستعدادٌ للعمل، وإيمانٌ بأن ما نضعه من جهدٍ صادق يمكن أن يتحول، مع الوقت، إلى قيمةٍ تتجاوز صاحبها، ومضت الأعوام. لم تكن ثلاثين سنةً متشابهة، ولم يكن الطريق مستقيمًا في كل مراحله. كانت هناك مسؤوليات تتسع، وتجارب تعلّم، ومواقف تختبر الإنسان، وأعمال تحتاج إلى من يفكر في اليوم الذي لم يأتِ بعد، لا في المهمة التي ينبغي إنجازها اليوم فحسب، ومن يعرف الحياة المؤسسية من داخلها يدرك أن ما يظهر للناس من نتائج ليس إلا الجزء المرئي من حكاية طويلة. خلف كل تطورٍ عملٌ لا يُرى، وخلف كل مبادرةٍ فكرةٌ احتاجت إلى من يرعاها، وخلف كل استقرارٍ جهودٌ ربما لم يعرف بها إلا أصحابها. وقد يمضي يوم العمل، لكن بعض المسؤوليات تظل مفتوحةً في الذهن، ترافق صاحبها إلى بيته، وتستيقظ معه في الصباح التالي، هكذا تتراكم الخبرة؛ لا بعدد السنوات وحده، بل بما تتركه السنوات في العقل والضمير، وبما تعلّمه الإنسان من النجاح والتعثر، ومن إدارة الاختلاف، ومن الموازنة بين ما ينبغي فعله وما يمكن فعله، ومن إدراك أن المؤسسة ليست لوائح وهياكل فقط، وإنما بشرٌ يعملون، ويتأثرون، ويمنحون من أعمارهم ما لا يظهر في كشوف الحسابات.

حين يصبح العمل جزءًا من العمر

         ثمة مرحلة في حياة الإنسان لا يعود فيها العمل مجرد مصدرٍ للرزق أو عنوانٍ في بطاقة التعريف؛ يصبح جزءًا من تكوينه، ومن الطريقة التي يفهم بها العالم، ومن المعايير التي يحاكم بها نفسه قبل أن يحاكم الآخرين، في تلك المرحلة، لا يقيس المرء يومه بما أنجزه من مهام فحسب، بل بما أصلحه، وما طوّره، وما مهّد له، وما منع وقوعه من أخطاء، وما تركه لمن سيواصل الطريق بعده، وقد لا يعرف أحد كم مرة أعاد الإنسان التفكير في قرار، أو كم ليلةً انشغل فيها بمشكلةٍ لم تكن تسمح له ضميره المهني أن يؤجلها، أو كم مبادرةٍ حملها قبل أن تصبح واقعًا. فالمؤسسات تتذكر النتائج أحيانًا، لكنها قد تنسى الطريق الذي قاد إليها؛ تحتفي بما اكتمل، ولا ترى دائمًا ما استنزفه اكتماله من وقتٍ وصبرٍ ومثابرة، وليس في ذلك دعوةٌ إلى أن يطالب الإنسان الناس بحسابٍ عن كل ساعةٍ بذلها، بل تذكيرٌ بأن وراء النتائج أعمارًا بشرية، وأن الإدارة التي تريد استدامة النجاح تحتاج إلى أن تفهم كيف صُنع، لا أن تكتفي بالانتفاع به.

يومٌ تنتهي فيه الإقامة

      اليوم، تنتهي إقامتي في الكويت بحسب التاريخ المسجّل في الأوراق. وهذا شأن الوثائق؛ لكل وثيقةٍ مدة، ولكل إجراءٍ موعد، ولكل مرحلةٍ إطارها الذي ينتهي عنده، لكنني أتوقف أمام المفارقة الإنسانية: كيف ينتهي ارتباطٌ رسمي في يوم، بينما تظل التجربة ممتدةً في الذاكرة؟ وكيف يغادر الإنسان مكانًا عاش فيه معظم سنوات عمره المهني، دون أن يغادر معه كل ما عرفه وتعلّمه وتركه هناك؟  لست أخلط بين انتهاء الإقامة وانتهاء الانتماء الإنساني إلى تجربةٍ عشتها؛ فلكلٍّ منهما معناه. ولا أرى أن طول البقاء يمنح الإنسان حقًا أبديًا في المكان، كما لا أرى أن المغادرة تُسقط قيمة السنوات التي سبقتها،  إنما أقول إن للأعمار حرمةً لا ينبغي أن تختزلها الإجراءات، وللخبرات قيمةً لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء المواقع، وللذكريات مساحةً لا تملك الوثائق أن تحدد حدودها، قد تنتهي الصفة القانونية، وتتغير العناوين، وتُطوى المعاملات؛ أما ما تعلّمه الإنسان، وما أسهم فيه، وما صار إليه بعد هذه الرحلة، فيمضي معه إلى حيث يبدأ فصله التالي.

ما بين الإنسان والمؤسسة

     تأخذني هذه اللحظة إلى سؤالٍ يتجاوز حكايتي الشخصية: كيف تنظر المؤسسات إلى الذين أمضوا سنواتٍ طويلة في بنائها وتطويرها؟  لا أقصد مؤسسةً بعينها، ولا أكتب حكمًا على تجربةٍ منفردة. إنما أتحدث عن حقيقةٍ تستحق أن تتأملها كل إدارة: الإنسان قد ينتهي دوره، لكن قيمة خبرته لا تنتهي بالضرورة معه.

    من حق المؤسسات أن تتغير، وأن تعيد ترتيب أولوياتها، وأن تختار قياداتها، وأن تراجع أداءها. ومن حقها كذلك أن تنهي علاقةً مهنية حين تقتضي المصلحة ذلك، وفق الأطر العادلة والنظامية. لكن النضج المؤسسي يظهر في الكيفية التي تُدار بها هذه التحولات، وفي القدرة على الفصل بين القرار المهني وقيمة الإنسان، وبين اختلاف الرؤى وإنكار الجهود، فالوفاء المؤسسي ليس أن يبقى الجميع في مواقعهم، ولا أن تتحول سنوات الخدمة إلى حصانةٍ من التقييم. إنه أن تكون المؤسسة عادلةً وهي تختلف، ومهنيةً وهي تتغير، ومنصفةً وهي تفتح الطريق لمرحلةٍ جديدة، المؤسسة الناضجة لا تُبقي الإنسان في موقعه مجاملةً له، ولا تمحو تاريخه لأنه غادره؛ بل تمنح كل مرحلةٍ حقها، وتحفظ لكل إنسانٍ قدره، وهنا يتصل الوفاء بالحوكمة اتصالًا عميقًا؛ لأن الحوكمة ليست لوائح تضبط الصلاحيات فحسب، بل ثقافةٌ تضبط استخدام السلطة، وتحمي القرارات من الأهواء، وتضمن أن تُدار العلاقات المهنية بمعايير واضحة، لا بانطباعاتٍ شخصية تتغير بتغير الأشخاص.

ما لا ينبغي أن يضيع مع المغادرة

      إذا كانت المؤسسات تفقد أصحاب الخبرة حين يغادرون، فإن الخسارة الحقيقية ليست غيابهم الجسدي وحده؛ بل ضياع ما لم يتحول من خبراتهم إلى معرفةٍ مؤسسية قابلة للاستمرار،  كم من تجربةٍ يمكن أن تختصر على المؤسسة سنواتٍ من المحاولة؟ وكم من خطأٍ يمكن تجنبه لأن أحدهم مرّ به من قبل؟ وكم من علاقةٍ مهنية، أو معرفةٍ بالسياق، أو قدرةٍ على قراءة المخاطر، لا تظهر في الوصف الوظيفي، لكنها تصنع فارقًا حقيقيًا في لحظة الحاجة؟  لهذا لا ينبغي أن يكون انتقال الخبرة مبادرةً مؤجلةً إلى يوم الوداع. إنه عملٌ يبدأ منذ اليوم الأول: بالتوثيق، وتبادل المعرفة، وبناء الصف الثاني، وتوزيع المسؤولية، وتحويل الخبرات الفردية إلى نظمٍ تستطيع المؤسسة أن تستند إليها مهما تغير الأشخاص، ومن هنا، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله المؤسسة لمن خدموها طويلًا ليس أن تخلّد أسماءهم في كلماتٍ جميلة فحسب، بل أن تحفظ الدروس التي تعلمتها معهم، وأن تجعل ما بُني قابلًا للنمو بعدهم، ذلك هو الفرق بين مؤسسةٍ تعتمد على الأشخاص، ومؤسسةٍ تنجح في تحويل جهود الأشخاص إلى قدرةٍ مستدامة.

لا أكتب لأستعيد الماضي

      بعد هذه السنوات، لا أريد أن أحوّل المغادرة إلى محاكمةٍ للماضي، ولا أن أجعل يوم انتهاء الإقامة مناسبةً لتصفية الحسابات مع أحد. فالحياة أوسع من موقف، والتجارب الطويلة أكثر تعقيدًا من أن تُختصر في خاتمةٍ واحدة،  في كل رحلةٍ ما يستحق الامتنان، وما يستحق المراجعة، وما كان يمكن أن يكون أفضل. والنضج أن نستطيع النظر إلى ذلك كله دون أن نزوّر الذاكرة، ودون أن نسمح للألم بأن يمحو الجميل، أو للجميل بأن يمنعنا من الاعتراف بما آلمنا، أحمل من الكويت ما اكتسبته من خبرة، وما عرفته من الناس، وما علّمتني إياه سنوات العمل والحياة. وأترك فيها ما تركته كل رحلةٍ من آثارٍ وذكريات. لا أدّعي أن كل ما تمنّيته تحقق، ولا أن كل ما حدث كان كما أردت؛ فليس هذا شرطًا لاحترام التجربة، إنما أعرف أن السنوات التي عشتها كانت جزءًا حقيقيًا من عمري، وأن ما تعلمته فيها صار جزءًا مني، وأن المرحلة التي انتهت لا تستطيع أن تسلبني القدرة على بدء مرحلةٍ أخرى، ليس الوفاء للماضي أن نعيش أسرى له، بل أن نخرج منه أكثر فهمًا، وأقل اندفاعًا إلى الأحكام، وأقدر على البناء.

ما بعد الباب الأخير

  ربما يكون أصعب ما في الرحيل أن يكتشف الإنسان أن المكان الذي كان جزءًا من يومه لم يعد جزءًا من حياته اليومية، وأن التفاصيل التي اعتادها أصبحت ذكرياتٍ يستدعيها من بعيد. لكن المسافة تمنحنا أحيانًا فرصةً لرؤية ما لم نكن نراه ونحن في قلب المشهد، حين نبتعد، نفهم أن العمر لا يُقاس فقط بما بقينا فيه، بل بما تعلمناه منه. وأن قيمة الإنسان ليست رهينة مكانٍ واحد، ولا منصبٍ واحد، ولا اعترافٍ واحد. وأن الخبرة الحقيقية ليست ما نستطيع أن نرويه عن أنفسنا، بل ما نستطيع أن نقدمه حين تتغير الظروف وتبدأ مسؤوليات جديدة، قد تنتهي مرحلةٌ طويلة، لكن الحياة لا تطلب منا أن نعيدها حتى نثبت أنها كانت ذات قيمة. يكفي أن نفهمها، ونحفظ دروسها، ونواصل السير بما اكتسبناه منها، ولعلّ من أجمل ما يستطيع الإنسان أن يبلغه بعد رحلةٍ كهذه أن يتصالح مع ما مضى دون أن يتنازل عن حقه في الحلم، وأن يودّع دون أن يكره، وأن يبدأ من جديد دون أن يشعر أن البداية الجديدة إنكارٌ لما سبقها.

الإقامة الأخيرة

     في الثاني عشر من أكتوبر، تنتهي الإقامة في الأوراق. أما إقامتي في هذه الحكاية، فلا يحددها تاريخ انتهاء، ولا تحتاج إلى ختمٍ جديد. إنها محفوظةٌ في ذاكرة رجلٍ عاش قرابة اثنين وثلاثين عامًا من التجربة، وعرف أن العمر لا يُسترد، وأن العمل الصادق لا ينبغي أن يكون مجرد محطةٍ تنتهي بانتهاء العلاقة، وأن ما يتعلمه الإنسان من رحلةٍ طويلة يمكن أن يصبح زادًا لرحلاتٍ لم تبدأ بعد، لن أطلب من الماضي أن يعود، ولن أحمّله وحده مسؤولية ما لم يكتمل. سأترك لكل مرحلةٍ مكانها، ولكل ذكرى حقها، ولكل تجربةٍ درسها. ثم أمضي،   فأنا لا أحتاج إلى أن أبقى في المكان حتى أعترف بأنه كان فصلًا مهمًا في حياتي، ولا إلى أن يظل الباب مفتوحًا حتى أؤمن بأن الطريق ما زال مفتوحًا أمامي.

انتهت الإقامة… ولم تنتهِ الحكاية.

فالأوراق تحفظ مواعيد الدخول والخروج، أما العمر فيحفظ ما عجزت الأوراق عن تسجيله: جهد الإنسان، وتحولاته، ودروسه، وأثره، وإذا كان لي من هذه الرحلة يقينٌ أحمله إلى ما بعدها، فهو أن الإنسان لا يُختصر في موقعه، وأن المؤسسة لا تكبر بما تحتفظ به من أسماء، بل بما تبنيه من معرفةٍ وعدالةٍ وثقافة، وأن أعظم نجاحٍ ليس أن نبقى إلى الأبد، بل أن نترك ما يستحق أن يستمر بعدنا، ثلاثون عامًا أو ما يقارب اثنين وثلاثين… فصلٌ انتهى، وعمرٌ مضى، وخبرةٌ بقيت، وطريقٌ ما زال يتسع لما يستحق أن يُبنى بإذن الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top