
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
بعض الموائد لا تُشبِع الجوع… بل تُربك القلب من فرط الامتنان.
في الأربعاء أواخر سبتمبر 2026، اتصل بي العزيز أحمد نادي، أبو جَنّة، يخبرني أنه سيزورني بعد المغرب، على غداءٍ أو عشاء، كما تيسّر اللقاء. ولم يأتِ بيدٍ فارغة؛ جاء يحمل مائدةً مصريةً عامرة، كأنما اقتطع شيئًا من دفء البيوت المصرية ووضعه أمامي في غربتي: سمكٌ مشويٌّ بالردّة على الطريقة المصرية، وسمك البربون، وأرز الصيادية، والسلطة. كانت مائدةً تكفي لتُدخل السرور إلى النفس، وتُعيد إلى الذاكرة رائحة البيوت التي لا يُسأل فيها الضيف عمّا يشتهي بقدر ما يُسأل عمّا يُسعده.
لكن أبا جَنّة، فيما يبدو، لم يكن يعلم أنني سأحتاج إلى أيامٍ ثلاثة كي أفرغ من تلك المائدة! وما إن ظننت أنني أوفيت الطعام بعض حقه، حتى فوجئت، يوم السابع من أكتوبر2026، بمائدةٍ أخرى لا تقل كرمًا عن سابقتها. قلت في نفسي: لعلّها المرة الأخيرة، ولعلّ رسالتي وصلت، ولعلّ الرجل سيتركني أستعيد أنفاسي قليلًا! لكنني كنت أجهل أن الكرم حين يسكن البيوت لا يحتاج إلى مناسبة، وأن بعض القلوب لا تتعامل مع الضيافة بوصفها واجبًا يُؤدَّى، بل محبةً تجد طريقها إلى الفعل دون استئذان.
موعدٌ مع الفول والفلافل!
كان بيني وبين العزيز نادي أحمد نادي، نجل الأسرة الكريمة، موعدٌ للخروج معًا. وقد شعرت أنني قصّرت في حقه، فكان اتفاقنا أن نلتقي على موعدٍ مصريٍّ أصيل: الفول والفلافل! موعدٌ بسيط، لا يحتاج إلى مائدةٍ ممتدة، ولا إلى استعداداتٍ كبيرة؛ يكفيه رفقةٌ طيبة، وحديثٌ صادق، وشيءٌ من بساطة الحياة التي نشتاق إليها. وجاء يوم السبت، العاشر من أكتوبر، وأنا أنتظر موعدنا، فإذا باتصال نادي يأتي على غير ما توقعت: “يا عمو، حضرتك موجود في السكن؟” أجبته بما يفيد أنني موجود، منتظرًا لموعد خروجنا. فإذا به يخبرني أن والدته الكريمة ” أم جنة” طلبت منه أن يوصل إليّ طعامًا أعدّته خصيصًا لي! وهنا، يا سادة، سقط موعد الفول والفلافل أمام قوة الموقف، لا أمام قوة الطعام!
حاولتُ أن أتمالك نفسي، لكن قلبي كان قد تأثّر قبل أن أرى ما تحمله يدَا نادي. لم تعد المسألة مائدةً ثالثة، ولا أصنافًا جديدة تُضاف إلى ما سبق؛ لقد أصبح السؤال أكبر من الطعام كله: كيف تستطيع أسرةٌ أن تُحيط إنسانًا بكل هذا الاهتمام، وأن تتذكّره في تفاصيل يومه، وتفكّر فيما يسعده، وتبادر إلى إكرامه، بينما هو يحاول جاهدًا ألّا يُثقِل عليها أو يُحمّلها فوق ما تحتمل؟
صعد نادي، فإذا بي أمام مائدةٍ تكاد تنطق بلسان أمٍّ كريمةٍ أبت إلا أن يصل دفء بيتها إلى مَن أرادت إكرامه. صينيةٌ كبيرة من المحشي المصري، تتجاور فيها لفائف ورق العنب، والفلفل، والكوسة، والباذنجان، وإلى جوارها طبقٌ من الدجاج المقلي، وحُلّةٌ تفوح منها رائحة الشوربة واللحم المسلوق، وإناءٌ آخر من الملوخية، ثم طبق البطاطا الذي بدا وكأن أم جَنّة أرادت به أن تضع اللمسة الأخيرة على لوحةٍ من الكرم المصري الأصيل.
يا أم جَنّة، بالله عليكِ، ماذا تركتِ لنا لنقوله بعد هذا؟! وكيف للكلمات أن تفي مائدةً لم تُعِدّها يدُكِ وحدها، بل أعدّها قلبٌ رأى في إكرام الآخرين سعادةً له قبل أن يكون سعادةً لهم؟ لقد تجاوز الأمر حدود الضيافة؛ فثمة أشياء لا تُقاس بكثرتها، وإنما بما تحمله من معانٍ. وقد تكون لقمةٌ بسيطةٌ في وقتها أبلغ من موائد كثيرة، فكيف بمائدةٍ اجتمع فيها هذا التنوع، وهذا الجهد، وهذه العناية التي لا تترك للضيف مجالًا إلا أن يشعر بأنه واحدٌ من أهل البيت؟! يا أم جَنّة، أرفقِي بقلب رجلٍ يحاول أن يشكركِ، فإذا بكرمكِ يسبق شكره، وبمحبتكِ تعجز الكلمات عن اللحاق بها!
كفى يا أبا جَنّة… وكفى يا أم جَنّة!
أقولها لكما بمحبةٍ صادقة، وبشيءٍ من العجز عن التعبير: كفى يا أبا جَنّة، وكفى يا أم جَنّة! ليس لأننا اكتفينا من كرمكما، ولا لأن الطعام قد فاض عن حاجتنا فحسب، بل لأن القلب أحيانًا يعجز عن استقبال كل هذا الجميل دون أن تفيض عيناه.
يا أبا جَنّة، لقد أحسنت حين ظننت أن الطريق إلى قلب الإنسان قد يمرّ من مائدةٍ عامرة، لكنك تجاوزت الطعام إلى ما هو أبقى: جعلتني أشعر أن لي أهلًا يسألون عني، ويفكرون فيّ، ويحرصون على ألّا ينقصني شيء، حتى في أبسط تفاصيل يومي. ويا أم جَنّة، يا صاحبة اليد التي أعدّت، والقلب الذي فكّر، والروح التي لم تكتفِ بأن ترسل طبقًا، بل أرسلت معه مودةً واهتمامًا ودفئًا؛ كيف نشكرك على محبةٍ جاءت بهذا الصدق كله؟
إنني أعرف أنكما قد ترَيان ما فعلتماه أمرًا طبيعيًا، وأنكما ربما تقولان إن هذا أقلّ واجبٍ تجاه إنسانٍ عزيز. لكن بعض ما ترونه بسيطًا يترك في نفس صاحبه أثرًا لا يُقاس بحجم المائدة، ولا بعدد الأطباق، ولا بما استغرقه إعدادها من وقتٍ وجهد. فثمة فرقٌ بين أن يأكل الإنسان طعامًا أُعدّ له، وأن يشعر أن هناك من فكّر فيه قبل أن يجلس إلى مائدته. وثمة فرقٌ بين أن يُقدَّم الطعام للضيف، وأن يُحاط الإنسان بعنايةٍ تجعله يطمئن إلى أنه ليس وحده.
بعض الكرم يُبكي صاحبه
لم يكن الذي أبكاني هو كثرة الطعام، على جماله وتنوّعه، بل المعنى الذي حمله إليّ. في الغربة، يتعلم الإنسان أن يدبّر شؤونه، وأن يعتاد تفاصيل يومه، وأن يقول لنفسه إن كل شيءٍ بخير. لكنه يظلّ، مهما بلغ من القوة والاستقلال، محتاجًا إلى تلك اللمسات الإنسانية التي تأتي بلا طلب، وإلى محبةٍ لا تنتظر مقابلًا، وإلى بيتٍ يشعر معه أن أبوابه مفتوحةٌ للقلب قبل الضيف. وهذا ما فعلتموه معي. لم تسألاني ماذا ينقصني، ولم تنتظرا مني أن أطلب. بادرتما، وأعددتما، وأرسلتما، ثم تركتما للمحبة أن تتحدث عنكما. ولعلّ هذا هو أرقى وجوه الكرم: أن يشعر الإنسان أن أحدًا انتبه إلى وجوده، وتذكّره، وأراد أن يُدخل السرور إلى قلبه دون أن يحمّله عبء السؤال أو الحرج.
إن بعض الموائد تنتهي حين نرفع الأطباق، وبعضها يظلّ ممتدًّا في الذاكرة سنواتٍ طويلة. ومائدتكم، يا أبا جَنّة ويا أم جَنّة، من النوع الثاني؛ لأن الذي وصلني منها لم يكن الطعام وحده، بل معنى الأسرة، ودفء البيوت المصرية، ونبل النفوس التي تمنح من قلبها قبل أن تمنح من يدها.
دعوةٌ من القلب
يا الله، كما أدخل أبو جَنّة وأم جَنّة السرور إلى قلبي، فأدخل السرور إلى قلبيهما أضعافًا مضاعفة. اللهم بارك لهما في عمرهما وصحتهما ورزقهما وأهلهما، واجعل بيتهما عامرًا بالمودة والرحمة والسكينة، ولا تُريهما فيمن يحبّان بأسًا يحزن قلبيهما. اللهم كما امتدت أيديهما إليّ بالعطاء، فأمدد لهما من فضلك ورحمتك وأكرم عليهما من واسع رزقك، واجعل كل لقمةٍ قدّماها، وكل جهدٍ بذلاه، وكل خاطرٍ طيبٍ قصَداه، في ميزان حسناتهما.
اللهم احفظ نادي، جَنّة، حفصة، عبيدة، وخديجة، واحفظ أهل هذا البيت الطيب، وأدم عليهم نعمة الاجتماع والمحبة، واجعل أبناءهم قرة عينٍ لهما، واكتب لهم من الخير ما يفوق رجاءهما، ومن البركة ما يتسع لكل من أحسنوا إليه. كفى يا أبا جَنّة… وكفى يا أم جَنّة؛ فقد أطعمتماني من كرم أيديكما، وأشبعتماني من طيب قلبيكما، وتركتما في نفسي أثرًا لا تستطيع كل الموائد أن تصنعه. محبتي وامتناني لكما، وللبيت الطيب الذي خرجت منه هذه الموائد، وللقلبين اللذين ذكّراني بأن الدنيا ما زالت بخير، ما دام فيها أناسٌ يجعلون من المحبة فعلًا، ومن الكرم لغةً، ومن الاهتمام بيتًا يأوي إليه الغريب. حفظكما الله، وأدام عليكما نعمه، وجزاكما عني خير الجزاء.