مائدةٌ من المغرب… ومحبةٌ لا تعرف الحدود

محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

الحمد لله الذي يجعل في دروب الحياة أناسًا إذا اقتربوا أضاءوا المكان، وإذا دعوا أكرموا، وإذا اجتمعوا بك شعرت أن المحبة ليست كلمةً تُقال، بل روحٌ تسكن التفاصيل، وتظهر في أبسط المواقف وأجملها.

في يوم الأحد، 25 أكتوبر 2026، اتصل بي الفاضل السيد منيسي، أبو محمود، ودعاني إلى مائدة عشاء في مطعم “حبيب إسطنبول”. سعدت باتصاله، ولبّيت دعوته، وكان اللقاء عامرًا بالألفة والحديث الطيب. وفي طريق العودة، قال لي أبو محمود، وكأن قلبه لا يكتفي بموعدٍ واحد للمحبة: “إن شاء الله، غدًا الإفطار عندنا… أم مريم تدعوك إلى مائدة الغد”. ابتسمتُ وقلت له، محبةً ورفقًا: “يا أبا محمود، كفى! لقد تناولنا طعام العشاء اليوم، فارفق بي. وأم مريم قادمة من المغرب، فهنيئًا لك بها، ودعني أتركك تقضي معها أكبر قدرٍ ممكن من الوقت”. كانت كلماتي تحمل حرصًا على راحته، وعلى أن يستمتع بوجود زوجته الغالية، القادمة من المغرب، وأن تكون أيام اجتماعهما عامرةً بالسكينة والفرح. لكن يبدو أن للمحبة تدبيرًا آخر، وأن بعض الدعوات لا تُغلق أبوابها بمجرد الاعتذار؛ لأنها صادرةٌ من قلبٍ يرى في إكرام ضيفه سعادةً لا مشقة.

حين يأتيك الكرم قبل أن تستعد له

وفي يوم الاثنين، السادس والعشرين من أكتوبر 2026، قبيل المغرب، اتصل بي أبو محمود، وأخبرني أنه في الأسفل. دعوتُه إلى المنزل، فالتقينا، وصلّينا المغرب، وقلت له إننا ننتظر إلى ما بعد صلاة العشاء. وكان لديّ موعدٌ مع صديقٍ آخر، فحرصنا على الوفاء به، ثم انطلقنا بعد العشاء إلى مقر إقامة الأستاذ السيد منيسي. وما إن وصلنا حتى استقبلتنا الحبيبة مريم – ما شاء الله – بمرحٍ عالٍ، وروحٍ طفوليةٍ جميلة، أضفت على اللقاء بهجةً لا تُوصف. ثم استقبلتنا الفاضلة أم مريم، بذلك الذوق المغربي الرفيع، والرقي الذي لا يحتاج إلى تعريف؛ فبعض الناس يحملون معهم وطنهم في أدبهم، وفي كرمهم، وفي الطريقة التي يرحبون بها بالآخرين. وهناك، لم تكن المائدة مجرد طعامٍ أُعدّ للضيوف، بل كانت تحيةً من المغرب، ورسالةً من قلبٍ كريم، واحتفاءً باللقاء الذي جمعنا.

المائدة المغربية… حين تتحدث النكهات عن أهلها

يا لجمال المائدة المغربية حين تمتزج فيها الألوان، وتتجاور النكهات، وتصبح الأطباق حكاياتٍ من تراثٍ عريق! كان أمامنا طبقٌ مغربيٌّ فريد، يجمع الخضروات والفاكهة المتنوعة والمكسرات في تناغمٍ بديع، كأنما اجتمعت فيه الطبيعة لتصنع لوحةً من الجمال. وإلى جانبه قطعٌ من الجبن الأبيض، وأطباقٌ من المقليات المغربية، ثم طبقٌ من اللحم الطازج الطري، المطهوّ في زيت الزيتون، تعلوه قطعٌ من الدهن الأصفر، في مشهدٍ يفتح الشهية ويستحضر دفء المطبخ المغربي الأصيل. ولم تغب عن المائدة أطباق الزيتون المخلل، والفلفل الأحمر، والصوص، والخبز؛ تفاصيلٌ تتكامل لتصنع مائدةً كريمة، لا ينقصها شيء، سوى أن نطيل الجلوس حولها، ونترك للحديث متسعًا، وللمحبة وقتًا أطول. ما أجمل الطعام حين يكون وراؤه قلبٌ كريم، وما أطيب المائدة حين لا يكون هدفها إشباع الجسد وحده، بل إكرام الروح أيضًا! فالمائدة التي تُعدّ بمحبة، لا تُقاس بما عليها من أطباق، وإنما بما تمنحه لمن يجلس حولها من شعورٍ بالألفة، والقبول، والامتنان.

مريم… بهجة اللقاء ودفء الحكاية

كان اللقاء يتقدمه حوارٌ طيب، وروحٌ عالية، وابتساماتٌ تتنقل بين الحاضرين، وكانت الحبيبة مريم تضفي على المجلس مرحًا خاصًا. وفي أثناء اللقاء، كانت تحاول التواصل مع شقيقتها الكبرى عبر الهاتف، فأعطيتها الهاتف، وإذا بها تقوم بعدة إجراءات، وتتواصل مع مجموعةٍ كبيرة من الأصدقاء. وقد أخذ مني ذلك بعض الوقت بعد اللقاء، للرد على الرسائل وإرسال الاعتذارات إلى من تواصلوا معي، موضحًا لهم أن الهاتف كان مع الأميرة مريم منيسي. وكم في هذه التفاصيل البسيطة من معنى جميل! فالأطفال لا يضيفون إلى مجالسنا ضحكاتهم فحسب، بل يفتحون نوافذ البهجة، ويذكّروننا بأن الحياة مهما ازدحمت بمسؤولياتها، تظل بحاجةٍ إلى لحظاتٍ عفوية، وإلى قلوبٍ تتسع للمرح والود. إن أجمل المجالس تلك التي لا يشعر فيها أحدٌ أنه غريب؛ فالمحبة الصادقة تجعل الضيف من أهل البيت، وتجعل البيت أكثر اتساعًا بوجوده.

أبو محمود… كرمٌ يتجاوز الدعوة

أخي العزيز السيد منيسي، أبا محمود…إنني كلما استعدت تفاصيل هذه الأيام، ازددت يقينًا بأن الكرم ليس موقفًا منفردًا، بل طبعٌ أصيل، وأن المحبة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها كثيرًا، وإنما تظهر في المبادرة، وفي الدعوة، وفي السؤال، وفي إصرار القلب على أن يكرم من يحب. لقد دعوتني إلى العشاء، ثم أردت أن تكرمني في اليوم التالي، وجمعتنا بعد ذلك مائدةٌ مغربيةٌ عامرة، أعدّتها أم مريم بذوقٍ ورفعة، واستقبلتنا مريم ببهجتها الجميلة. فجزاكم الله عني خير الجزاء، وبارك الله في بيتكم، وجعل أيامكم عامرةً بالمودة والسكينة، وأدام بيننا المحبة التي لا تزيدها الأيام إلا رسوخًا.

دعاءٌ من القلب لأهل المحبة

اللهم يا واسع الفضل، يا كريم العطاء، احفظ أخي الغالي السيد منيسي، وأدم عليه الصحة والعافية، وبارك له في عمره ورزقه وأهله، واجعل حياته مطمئنةً بذكرك، عامرةً بفضلك، مغمورةً برحمتك. اللهم احفظ زوجته الكريمة أم مريم، وألبسها ثوب الصحة والعافية، وبارك في قلبها ويدها وبيتها، واجزها عن كرمها وحسن استقبالها أجمل الجزاء، واجعل كل ما أعدّته وقدّمته في ميزان حسناتها. اللهم احفظ الحبيبة مريم، واجعلها قرة عينٍ لوالديها، وأنبتها نباتًا حسنًا، واملأ قلبها نورًا وسعادةً وطمأنينة، وارزقها مستقبلًا جميلًا، ووفقها إلى كل خير. اللهم احفظ الجدة الغالية خديجة في المغرب، وأسبغ عليها نعمتك، وأدم عليها الصحة والستر والعافية، وأقرّ أعين أهلها بها. اللهم احفظ الشقيقة الكريمة أم مريم في جنوب أفريقيا، وبارك لها في حياتها وأهلها، واجعل التواصل بينها وبين أحبتها تواصل مودةٍ ورحمة، لا تقطعه المسافات، ولا تضعفه الأيام. اللهم اجمع شملهم على خير، وأدم بينهم المحبة والرضا، وارزقهم من الخير فوق ما يرجون، واصرف عنهم كل سوء، واجعل بيوتهم موطنًا للسكينة والبركة، ولقاءاتهم أفراحًا متجددة.

مائدةٌ أخرى… ودرسٌ جديد في المحبة

يا أبا محمود، يا أخي العزيز… قد تنتهي المائدة، وتُرفع الأطباق، ويعود كلٌّ منا إلى مقر إقامته، لكن أثر الكرم يبقى، ودفء اللقاء يظل حاضرًا في الذاكرة. إن المائدة المغربية التي جمعتنا لم تكن مجرد دعوةٍ إلى الطعام؛ كانت نافذةً على أصالة أهل المغرب، وعلى رقي أم مريم، وعلى كرمك الذي لا يعرف حدودًا، وعلى بهجة مريم التي جعلت المجلس أكثر حياة. وإذا كان الطعام يُقدّم مرةً، فإن أثر المحبة يُقدّم في كل مرةٍ نستعيد فيها الموقف، ونذكر أصحابه، وندعو لهم بظهر الغيب. فما أجمل أن يكون للإنسان في حياة الآخرين أثرٌ يشبه الدعاء؛ كلما تذكروه، انفتح في قلوبهم بابٌ للامتنان. شكرًا من القلب، أبا محمود، وشكرًا لأم مريم على المائدة المغربية الراقية، وشكرًا للحبيبة مريم على بهجة اللقاء. حفظكم الله جميعًا، وأدام عليكم نعمة الاجتماع، وجعل المحبة بيننا ميثاقًا لا تنقضه الأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top