ما يبقى منّا في القلوب – شهادة في الوفاء، وأثر الإنسان، والعلاقات التي تستحق الحياة

محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

من حكايةٍ خاصة إلى معنى إنساني

منذ عام 1988، عرفتُ أستاذي وأخي الأكبر إسماعيل، “أبا أحمد”. جمعتنا سنوات العمل، وتغيّرت المواقع والمسؤوليات، لكن العلاقة تجاوزت حدود الزمالة إلى أخوّةٍ صادقة لم تُضعفها المسافات، ولم تُلغِها تحوّلات الحياة. وفي ذكرى ميلاده، كتبتُ عنه وفاءً لرجلٍ عزيز، واستعادةً لسنواتٍ أعتز بها. لم أكن أتوقع أن تفتح كلماتي أبوابًا في ذاكرة الآخرين، وأن تتجاوز الحكاية حدود علاقتي به، لتكشف عن مشاعر وتجارب لم أكن أعرفها. استعاد بعض القرّاء أيامًا جميلة، ودعا آخرون لأبي أحمد بالصحة والعافية، وعبّر أحدهم عن شوقه إلى رؤيته بعد طول غياب. لكن بعض الكلمات استوقفتني على نحوٍ أعمق؛ لأنها لم تكشف لي مكانته في قلوبهم فحسب، بل جعلتني أتأمل في طبيعة الأثر الذي يتركه الإنسان دون أن يدري. فقد نكتب عن شخصٍ نحبه، ثم نكتشف أن في حكايته شيئًا من حكايات الآخرين، وأن ذكرى ظنناها خاصةً تحمل معنى يتجاوز أصحابها.

حين توقظ كلمةٌ علاقةً نائمة

كتب أحد القرّاء عن المقال أنه “أنار بكلماتك خفوت العلاقات التي نقصر في الحفاظ على دوام جذوتها”. لم تكن العبارة مجرد ثناءٍ على ما كُتب؛ بل لامست مفارقةً نعيشها كثيرًا: نحتفظ بالمحبة في قلوبنا، لكننا لا نمنحها دائمًا ما تحتاج إليه لتظل حاضرةً في حياتنا. تأخذنا المسؤوليات، وتتزاحم الأولويات، ونؤجل اتصالًا أو زيارةً أو رسالةً نظن أن وقتها لم يفت. ولا يكون وراء ذلك خصامٌ أو تغيّرٌ في المشاعر؛ إنما تتراكم التأجيلات الصغيرة، حتى يصبح الصمت مألوفًا، وتغدو المبادرة أصعب مما كانت. ثم تأتي كلمةٌ صادقة، فتذكّرنا بأن بعض العلاقات لا ينقصها الحب، بل ينقصها أن نُظهره. ولعل أجمل ما تستطيع الكتابة فعله أنها لا تكتفي بإحياء ذكرى، بل تعيد إلينا قيمة الحاضر، وتذكّرنا بمن يستحقون سؤالنا واهتمامنا، قبل أن تتحول الكلمات المؤجلة إلى أمنياتٍ لا تجد طريقها إلى أصحابها.

سكينةٌ لا تحتاج إلى كثرة اللقاء

ومن بين التعليقات، جاءت شهادةٌ بقيت عالقةً في ذهني. كتب صاحبها أنه كان يرى أبا أحمد على فتراتٍ متباعدة، ولا يتجاوز لقاؤهما السلام، لكنه كان يشعر بالسكينة حين يراه، وبالهدوء حين يسمع صوته. ما الذي يجعل إنسانًا يترك هذا الأثر في نفسٍ لم تجمعه به صحبةٌ يومية؟ ربما لا نستطيع تحديد السر بدقة؛ فالأثر الإنساني لا تصنعه صفةٌ واحدة، ولا يُختزل في موقفٍ بعينه. لكننا نعرف أن في الناس من يمنح حضوره الآخرين شعورًا بالطمأنينة، دون أن يتعمد ذلك أو ينتظر أن يلاحظه أحد. وهنا تكمن دلالة هذه الشهادة؛ فهي لا تصف عملًا أنجزه أبو أحمد، ولا موقفًا استثنائيًا قام به، بل تكشف عن أثرٍ تركه حضوره نفسه في قلب إنسان. قد لا يدرك المرء أن هدوءه يبعث السكينة، أو أن طريقته في الحديث تترك راحةً في النفوس، أو أن لقاءً عابرًا به يصبح ذكرى طيبةً لدى شخصٍ آخر. ليس كل أثرٍ عظيمٍ صاخبًا، وليس كل قربٍ حقيقيٍّ مرهونًا بكثرة اللقاء. فقد يمر الإنسان في حياتنا قليلًا، لكنه يترك في نفوسنا ما لا تمحوه السنوات.

حين تستعيد الذاكرة أصحابها

كتب قارئ آخر: “من زمان ما أشوفت إسماعيل أبو أحمد، فاشتاقت نفسي لرؤيته”. في هذه الكلمات البسيطة تختبئ حكايةٌ لا تحتاج إلى شرح: إنسانٌ غاب عن العين، لكنه لم يغب عن القلب. تباعدت اللقاءات، ومضت السنوات، وبقي الشوق قادرًا على استدعاء الوجه والرغبة في رؤيته من جديد. واستعادت تعليقاتٌ أخرى ذكرياتٍ مشتركة وأيامًا طيبة، وضحكاتٍ جمعتنا بأشخاصٍ من مرحلةٍ مضت. حتى إن أحد الأصدقاء استحضر عبارة «أولاد خالتي»، وما ارتبط بها من لقاءاتٍ ومرحٍ وألفة. وهكذا تحوّل الحديث عن أبي أحمد إلى استعادة زمنٍ كامل؛ لم تكن قيمته في أحداثه وحدها، بل في الأشخاص الذين منحوه معناه. فالذاكرة لا تحفظ الوقائع فحسب، بل تحفظ المشاعر التي صاحبتها. قد ننسى تفاصيل يومٍ مضى، لكننا نتذكر كيف جعلنا شخصٌ ما نشعر، وكيف كانت ضحكتنا في حضوره، وكيف أعاد اسمه إلينا شيئًا من أنفسنا. وحين يستعيد الناس تلك الأيام، فإنهم لا يستعيدون الماضي وحده، بل يجدون طريقًا إلى جزءٍ منه ما زال حيًّا في داخلهم.

 حين تختصر المحبة حكاية إنسان

ومن بين التعليقات، جاءت عبارةٌ قصيرة، لكنها استوقفتني بما تحمله من عفويةٍ وصدق: “حبيب الكل هذا الرجل”. كلماتٌ قليلة، غير أنها تختصر انطباعًا لا تصنعه المجاملة العابرة؛ فأن يحظى إنسانٌ بمحبة كثيرين، وأن يستدعي اسمه هذا القدر من الود، فذلك أثرٌ يتكوّن عبر الأيام، في تفاصيل المعاملة، وصدق المواقف، وما يتركه المرء في نفوس من يلتقون به. وليس معنى ذلك أن الإنسان يستطيع أن يكون محبوبًا عند الجميع، أو أن يخلو من النقص والاختلاف؛ وإنما أن تكون له في القلوب مساحةٌ من المودة، وفي الذاكرة صورةٌ طيبة، وفي الغياب رغبةٌ في اللقاء، وفي ذكره دعوةٌ صادقة. ولعل أجمل ما في هذه العبارة أنها لم تتحدث عن منصبٍ أو إنجاز، ولم تسرد موقفًا بعينه؛ بل ذهبت مباشرةً إلى ما بقي في قلوب الناس من أبي أحمد. وهنا ندرك أن بعض المكانة لا تُمنح بقرار، ولا تُكتسب بلقب؛ إنما تنمو في صمت، حتى تأتي لحظةٌ تختصر فيها كلمةٌ عفوية سنواتٍ من العِشرة، وتقول ببساطة ما لا يحتاج إلى مزيدٍ من الشرح: حبيب الكل.

ما لا نعرفه عن أثرنا

كنت أعرف إسماعيل من زاوية العلاقة التي جمعتني به، ثم جاءت شهادات الآخرين لتضيف زوايا لم أكن أراها كاملة: إنسانٌ يبعث السكينة، وصديقٌ يثير الشوق، ووجهٌ يعيد ذكرياتٍ مشتركة، ورجلٌ تتوالى الدعوات له بالخير والعافية. لم تكن هذه الأصوات تكرر معنى واحدًا؛ بل رسمت، كلٌّ من تجربتها، ملامح أثرٍ متعدّد الوجوه. ومن هنا أدركت أن معرفتنا بالناس، مهما طالت، تظل معرفةً من زاويةٍ محددة؛ فلكل إنسانٍ حكاياتٌ لا نعرفها، ومواقفُ لا نشهدها، وأثرٌ قد يتركه في قلوبٍ لم نلتقِ بها قط. والأمر نفسه ينطبق علينا. نحن نعرف ما قصدناه حين أحسنّا إلى أحدهم، لكننا لا نعرف دائمًا كيف استقبل إحساننا، ولا أيّ جزءٍ منه بقي في ذاكرته. قد ننسى كلمةً قلناها، بينما يحتفظ بها إنسانٌ لأنها جاءت في وقتٍ كان يحتاج فيه إلى ما يشبهها. لذلك، ليست شهادة الآخرين دعوةً إلى الاغترار بالثناء، بل تذكيرٌ بأن أثرنا قد يتجاوز إدراكنا، وأن ما نزرعه في تعاملاتنا اليومية يمكن أن ينمو في حياة الآخرين على نحوٍ لم نتوقعه.

المحبة التي لا تنتظر مناسبة

ليس المقصود من هذه الحكاية أن نبحث عن محبة الجميع، أو أن نجعل قيمتنا رهينةً بما يقوله الناس عنا. فذلك أمرٌ لا نملكه، ولا ينبغي أن يكون غايتنا. المعنى أبسط وأعمق: أن نعيش علاقاتنا بصدق، وأن نمنح من نحبهم حقهم من الاهتمام، وأن ندرك أن الوفاء ليس شعورًا نحتفظ به في داخلنا فحسب، بل معنى يظهر في كلمةٍ وموقفٍ ووقتٍ نمنحه لمن نحب. لا تنتظروا مناسبةً كي تسألوا عن عزيز، ولا تجعلوا الانشغال عذرًا دائمًا للغياب. فليست كل المسافات قابلةً للاختصار، ولا كل اللقاءات مضمونةً إلى الأبد. وما دام باب التواصل مفتوحًا، ففي المبادرة خير، وفي الوفاء كرامة، وفي اللقاء دفءٌ لا تعوّضه الرسائل وحدها. أما الذين مضت بهم الطرق بعيدًا، فلا حاجة إلى أن نثقل قلوبنا بالندم على كل ما فات؛ يكفي أن نتعلم من الأيام ما يجعلنا أصدق حضورًا فيما بقي منها.

الشهادة الأجمل

بدأتُ هذه الكلمات وفاءً لأخي وأستاذي إسماعيل، فإذا بشهادات القرّاء تجعلني أتأمل في معنى يتجاوز الحكاية: نحن لا نعيش في ذاكرتنا وحدها، بل نترك أجزاءً منا في ذاكرة الآخرين، كما يحمل كل واحدٍ منهم شيئًا منّا لا نعرفه. قد لا نعرف كم مرةً أعاد حضورنا الطمأنينة إلى قلب، أو كم ذكرى جميلةٍ استيقظت حين ذُكر اسمنا، أو كم إنسانًا تمنى لو التقانا مرةً أخرى. وليس مطلوبًا منا أن نعرف ذلك كله؛ فالمحبة الصادقة لا تحتاج إلى إحصاء آثارها، والخير لا يفقد قيمته إن لم نسمع عنه. لكن من الجميل أن نتوقف أحيانًا لنسأل أنفسنا: هل يجد الناس في تعاملنا احترامًا، وفي قربنا أمانًا، وفي غيابنا ذكرى طيبةً تستحق أن تُستعاد؟ فليس أعظم ما يتركه الإنسان أن يظل اسمه حاضرًا، بل أن يكون حضوره، حين يُستعاد، باعثًا على المودة والامتنان. وإذا كانت الأيام تمضي بنا جميعًا، وتتغير معها الوجوه والأماكن والظروف، فربما كانت أجمل شهادةٍ نرجوها ليست أن يقول الناس إننا كنا بلا عيوب، بل أن يجدوا، حين يذكروننا، سببًا صادقًا للدعاء لنا. وما أكرمها من حياةٍ أن نمضي فيها دون أن نعرف كل ما تركناه من خير، ثم تكشف لنا كلمةٌ من إنسان أن شيئًا جميلًا منا ما زال حيًّا في قلبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top