بناء الإنسان أولاً: كيف تصنع المشاريع التنموية قادة الغد؟

Getting your Trinity Audio player ready...

محمد تهامي

مستشار التطوير المؤسسي والمشروعات

في عالم اليوم، المليء بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية، تبرز المؤسسات التنموية الشاملة كمنارات أمل ترسم للمجتمعات طريقًا نحو نهضة مستدامة تترك أثرًا طويل الأمد على حياة الأفراد والجماعات، إن هذه المؤسسات لا تقتصر على تقديم الخدمات الأساسية، بل تذهب أبعد من ذلك لتشمل بناء الإنسان وتمكينه ليصبح قوة فعالة في مجتمعه، متخذةً من قيم الاستقامة والتعاون دعامات لنجاحها.

في عام 2004، وقف أحد الدعاة أمام مشروع تنموي شامل في دولة إفريقية، ورأى بنفسه مخططًا يحتوي على وحدات تعليمية ومهنية صحية، وخدمية مصممة لرفع مستوى المجتمع والنهوض به، رفع يديه إلى السماء ودعا قائلاً: “نعيذه بالواحد الأحد من شر كل حاسد”. لم يكن هذا الدعاء مجرد كلمات، بل كان تعبيرًا عن أمل عميق بأن تظل هذه المشاريع بعيدة عن الحسد والتحديات التي قد تعوق طريقها، ليبقى تأثيرها مستدامًا وشاملًا.

وتواجه هذه المشاريع التنموية تحديات واقعية، قد تعيق مسيرتها نحو أهدافها؛ من أبرزها التحديات المالية التي تنبع من محدودية التمويل أحيانًا، مما يستوجب على المؤسسات تعزيز شراكاتها واستقطاب مزيد من الدعم للحفاظ على استمراريتها، كذلك، تمثل التحديات التنظيمية عبئًا آخر، إذ تتطلب إدارة موارد ضخمة بشكل شفاف وعادل، بحيث تصل الخدمات إلى مستحقيها بدون أي هدر، وتحديات بناء الكوادر المؤهلة، حيث يحتاج المشروع إلى خبرات محلية قادرة على تحقيق التنمية، هذه الصعوبات تستلزم قيادة حكيمة وتخطيطًا استراتيجيًا مرنًا قادرًا على التكيف مع الظروف المتغيرة، وفريق عمل متكامل، يحمل روح المسئولية والكفاءة، ووضوح الرؤية نحو أهداف مشتركة، ووضع أليات دقيقة للتقييم المستمر، بما يتيح ضبط الأداء وتطويره، ليتحول التحدي إلى قوة دافعة نحو أثر إيجابي مستدام يحقق طموحات المشروع ويرسخ نجاحه.

إن التنمية الحقيقية في هذه المشاريع ترتكز على مبدأ البركة المستدامة؛ وهو مفهوم يتجاوز المنفعة المؤقتة، ليصبح المشروع مصدرًا للاستقامة والنفع والتقدم على مدى الأجيال، فالبركة المستدامة تعني أن العمل التنموي يغرس في المجتمع بذورًا قيمية ومؤسسية تُثمر بالاستقرار، الاستمرار، والازدهار، إذ تتيح للأفراد الاعتماد على أنفسهم وبناء قدراتهم، مما يؤدي إلى تأثير طويل الأمد، كما قال ابن القيم: “البركة في العمل تأتي من الإخلاص والصدق”، فالعمل الصادق الذي يُنجز بروح خالصة، يظل أثره باقٍ وثماره تتوسع على مر الزمان.

تشير إحصائيات هذا المشروع إلى أنه تخرج منه أكثر من 3,000 متدرب في تخصصات مهنية خلال العقد الماضي، وهؤلاء المتدربون لم يصبحوا مجرد أفراد مؤهلين للعمل، بل قادة قادرين على إعالة أسرهم، والمساهمة في تحسين الظروف الاقتصادية لمجتمعاتهم، كما ارتفعت نسبة الالتحاق بالجامعات بفضل الدعم التعليمي، مما ساهم في إحداث نهضة تعليمية، ولم تقتصر الإنجازات على التعليم فقط، بل امتدت إلى تقديم خدمات صحية لأكثر من مليون شخص، مما ساهم في رفع مستوى الوعي والرعاية الصحية في المنطقة، وجعل الحياة أكثر جودة وصحة.

ويعتمد استمرار نجاح هذه المؤسسات كذلك على الروح الجماعية التي تسود داخلها، حيث لا تعمل هذه المشاريع بمعزل عن المجتمعات المحلية أو الجهات المانحة، بل تتعاون مع الحكومات والمنظمات غير الحكومية لضمان بيئة داعمة تحقق الاستمرارية للأثر الإيجابي، فعندما يُبنى الإنسان تُبنى معه المجتمعات، وتتحول هذه المشاريع إلى قاطرة للتغيير الذي يمتد أثره عبر الأجيال، كما قال ابن خلدون: “الإنسان في حاجة إلى النظام والتعاون ليتمكن من بناء الأمة، فالعمران لا يتحقق إلا بالتكامل بين الأفراد والمجتمعات.”

ختامًا، تظل المؤسسات التنموية الشاملة رمزًا للاستقامة وأداة فعالة لتحقيق البركة المستدامة التي تلامس حياة الأفراد والمجتمعات بأكملها، ففي عالم يضج بالتحديات، تقدم هذه المؤسسات نموذجًا حيًا على أن النهضة الحقيقية لا تأتي من المساعدات المؤقتة، بل من الاستثمار العميق في الإنسان، هذا هو السبيل إلى مستقبل أفضل يتسم بالاستدامة، والتغيير الحقيقي، والبركة المتواصلة، فنسأل الله أن تظل هذه المشاريع شجرة طيبة وارفة، جذورها ضاربة في أرض الأمل، وفروعها ممتدة لتظلل المجتمعات وتوجهها نحو مستقبل مشرق ومستدام، ينشر الخير ويُحقق التنمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top