|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

ليس من باب المصادفة أن تتعانق الأرواح على مائدة الطعام، بل هو أحد أسرار الحياة التي علّمنا إياها الزمن، حين تنعقد المحبة في القلوب قبل أن تنعقد الولائم في المجالس. في ظهيرة يوم الإثنين، الثامن والعشرين من أبريل لعام 2025، كنا على موعد مع كرم أصيل ومذاق قطري خالص، دعا إليه الأخ كة حمد بن محمد راشد الشهواني، أبو محمد، في مجلسه العامر، حيث كانت المائدة تحاكي البحر بسخائه، وتستدعي الذاكرة القطرية بكل ما فيها من دفء ومروءة.
المجلس كان زاخرًا بصحب كريم، وجوههم تفيض هيبة ووقارًا، وأحاديثهم رقراقة كنسيم الساحل، فيها من الحكم ما يحرّك العقل، ومن الطيب ما يلامس القلب، ومن الدعابة ما يفرّج الهم. لا شيء هناك يُصنع تكلفًا، فكل شيء كان على سجية الأصيل، حيث يجتمع البذل بالرضا، وتلتقي النفوس على صفاء نادر.
كانت المائدة بحرًا بحد ذاتها، لا من حيث وفرة الطعام فحسب، بل من حيث تنوعه ورائحته التي تنقل الزائر مباشرة إلى مرافئ الخليج وقراه. تصدّرت المشهد أطباق الهامور والكنعد، وقد أُعدّت بمرق غني النكهة، يحمل في أعماقه سِرّ الطباخ الماهر، حيث الزعفران والليمون المجفف والبهار العربي الذي لا يُخطئ نَفَسه. بجوارهما تمددت أسماك الصافي الشمالي والفسكر والشعري، وكأنها تتسامر على صينية واحدة، متباهية بجمال تقديمها وبساطة طهيها، لكنها في طعمها تروي قصة البحر الذي لم يبخل على أهله يومًا، أما السيباس، فكان ضيفًا من نوع خاص، أُعد بعناية، كأنه خرج توا من مياه الخليج ليقع في يد من يحترم البحر ويجيد التعامل مع هباته. وعلى الجانب الآخر، كانت “صينية العيش الأبيض والأصفر” قطعة من الذاكرة، مطبوخة على نار المودة، مزينة بالسمن البلدي، الذي أُحضِر خصيصًا في كوب صغير بجانبه، كأنما هو تاج المائدة الذي يُسكب في لحظة التمام، الموائد ليست طعامًا فقط، بل هي رسالة. وكما قال ابن خلدون في مقدمته: “الاجتماع الإنساني ضروري، والناس متعاونون في المعاش”، فإن هذه المأدبة كانت تذكرة بأن العيش لا يزدهر إلا في ظل الكرم والتواصل. وصدق العقاد في إحدى تأملاته: “أجمل ما في الكرم أنه يعيدنا إلى إنسانيتنا الأولى، حيث لا يُحسب العطاء، بل يُمنح لأن في العطاء حياة.” وهذا ما جسّده أبو محمد في كرمه، إذ لم تكن المائدة غاية، بل وسيلة للتقارب والتآلف.
ولا تكتمل الصورة دون أن نشير إلى تلك النفحات الروحية التي فاح شذاها ، حين استدعى الحضور أبي عبدالرحمن عبد اللطيف الهاجري رحمه الله، وما أُثِر عنه من دماثة خلق ورهافة حس، وفي هذا الجمع الطيب، تعاقبت الأحاديث والدعوات لأبي محمد بالبركة في رزقه وماله وأهله، وقلوبنا تفيض امتنانًا لرجل عرف معنى الضيافة وأتقن فنها. كان دعاؤنا له صادقًا، لا من باب المجاملة، بل من باب التقدير لمن يغرس في النفوس سكينة، وفي الأفئدة امتنانًا، ولمن يحرص كيف يكون الكرم خلقًا أصيلًا، لا موسميًا ولا انتقائيًا، ولعل من أجمل ما في هذا اللقاء أنه لم يكن مناسبَة عابرة، بل كان حدثًا يُحفر في الذاكرة، ويمتد أثره إلى ما بعده. فمثل هذه المجالس تعيد تعريف العلاقات، وتحيي سنن التواصل التي كادت أن تخبو تحت ضغط السرعة والانشغال. إن أبا محمد لم يدعُنا إلى طعام، بل دعانا إلى قيمة، إلى أن نعود لبعضنا، إلى أن نلتقي بلا مناسبة سوى المحبة، إلى أن نكسر صمت الأيام بصوت الضحك والدعاء والذكر، لقد غادرنا المجلس ونحن نحمل معنا شيئًا من البحر، وشيئًا من الدفء، وشيئًا من عبق الزمن الجميل. غادرنا وقد تجدد فينا المعنى الحقيقي لـ”اللقاء”، حيث لا رسميات مفرطة، ولا خطب منمّقة، بل صدق في المشاعر، وبهاء في الكرم، وطمأنينة في الصحبة. وإن كانت الأطعمة قد نُسيت نكهتها بعد حين، فإن أثر من قدّمها لا يُنسى، لأن الطعام وإن أشبع الجسد، فإن من يقدمه بمحبة يشبع الروح. فيا أبا محمد، جزاك الله عنّا خير الجزاء، وبارك في رزقك وذريتك، ودام مجلسك عامرًا، ومائدتك بحرًا، وذكرك طيبًا في الدنيا والآخرة، والله يجمعنا دومًا على موائد الخير، لا في الدنيا فحسب، بل في دارٍ لا تزول فيها النعم ولا تفترق فيها الأرواح.