حين تتوضأ الأرواح بماء الجمعة… مائدة بحرية لا تضاهي

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في ظهيرة الثاني من مايو، سنة خمسة وعشرين بعد الألفين، حين صافحت الشمس جدران البيوت برفق، ومال النسيم على أرض الكويت الطيبة يمسح تعب الأسبوع بهمسةٍ دافئة، وارتفعت تكبيرات الجمعة في المساجد تنفض الغبار عن القلوب… كان هناك وعدٌ ينتظرنا في بيت المستشار عبيدو، لا يشبه المواعيد، ولا تشبهه الموائد. إنه موعد الأرواح حين تأنس، وموعد الحكايات حين تنضج على نار المحبة والوداد.

انقضت خطبة الجمعة وأُقيمت الصلاة، وامتدت بعدها خطوة الجماعة إلى بيتٍ يعرف أهله الطيب، وتعرفه الصحبة بالوفاء. هناك، في ذلك الركن العامر بالقلوب، اجتمع أبناء ههيا – البلدة الشرقاوية العزيزة التي لا تغادر الذاكرة – على مائدةٍ بحرية أعدّها عمر حليمة كأنما هي قطعة من بحرٍ طُبخت على نار الذكرى، وتبّلت برائحة الأزقة القديمة في “الشيرة”، حيث تبدأ الحكاية.

وما أعذب الحديث حين يكون من فمٍ يحب ما يفعل، ويتقن ما يحب. جلس عمر يحكي لنا – ونحن نصف مأخوذين ونصف جائعين – كيف انطلق باكرًا إلى الشيرة، تلك السوق البحرية التي تُشبه في ازدحامها صدر الحياة حين يمتلئ بالحياة. كان يسرد تفاصيله كمن يروي فصلاً من روايةٍ أليفة، ابتاع الأسماك كمن ينتقي الجمال من بين الجمال، ثم مضى بها إلى المسمكة، حيث تشتعل الأفران وتُغنّي الشوايات روائحها، وتتمايل المقالي بزيتٍ يحتفظ بسرّ الشرق، لم ينسَ البصل الأخضر، ولا الخبز المصلي الذي تفوح منه رائحة الفرن وذكريات الطفولة، ولا الأرز الصيادية الذي جاء مفاجأة اليوم، مطبوخًا بمهارة مدهشة، تشبه مقامات العازفين حين يُخدعوننا بأنها مرتجلة وهي في الحقيقة ثمرة تمرينٍ طويل. علمنا لاحقًا أن ليوسف يدًا خفية في تنسيق تلك المفاجأة، لكنها يد تستشير وتحاور، وقد استعان بمذاق أبوعلي، ذاك الذي يعرف للمذاقِ اسمه، وللطبخِ نغمه.

وحين انتهت الأيدي من الأكل، بدأ وقت الشاي، وهو وقتٌ لا يقل قداسةً عن الصلاة عندنا. جلس أبوعلي يجهز الشاي ويصبه كأنما يقود سيمفونية، لها إيقاع، ولها نكهة، ولها وقار. الشاي عنده ليس مشروبًا، بل طقسٌ من طقوس السكينة. ثم جاءت “حلاوة الكلاش”، تلك التحفة التي لا توصف، بل تُذوق، ويُغلق بعدها الجفن برضا، ويبتسم القلب من غير أن يدري، وبين رشفة وأخرى، بدأ الحنين يهمس. أخبار البلدة تتهادى على الألسنة: من تزوج؟ من سافر؟ من شُفي؟ من مات؟ كانت الذاكرة حاضرة، والأرواح تحلق بين الكويت وههيا كأن المسافة ذابت بفعل المحبة. رفعنا الأكفّ لمن رحلوا بالرحمة، ومن بقوا بالبركة، وذكرنا أسماءً كانت تعيش بيننا، واليوم تعيش فينا. ولأن كل مائدة تحتاج إلى من يراقب جمالها من بعيد، ويتأكد أن لكلّ شيء نصيبه، كان هناك فريق الاستطلاع والمراقبة: الدمرداش، وعبيدو، وصلاح. يتهامسون بالملحوظة تارة، ويضحكون تارة، ويراقبون المشهد كله بعينٍ فيها دفء الرضا ووميض الحكاية.

كأن الزمان توقّف عند تلك الظهيرة، وكأن المنفلوطي حين كتب “العبرات” لم يكن يقصد إلا مثل هذه المجالس حين تنسكب فيها الأحاسيس بصمت، وكأن الرافعي حين قال “إنما الودُّ موهبةٌ لا تُشترى” كان يعني رفقةً كهذه، اجتمعوا من غير موعد، وافترقوا وكلٌ منهم يحمل في قلبه طمأنينةً صغيرة تشبه الهدايا. ذلك اليوم لم يكن جمعة فحسب، بل كان ترجمةً لقول القائل : “هنالك أوقات تمرّ بالمرء تكون هي الحياة، وما عداها مجرد تفاصيل.” وكانت مائدة المستشار عبيدو، بأصوات الصحبة الطيبة، وعبق الأرض الطاهرة، من تلك الأوقات التي لا تُنسى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top