زنجبار… حين تكلّمت الأرض

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

الرحلة التي أعادت تعريفنا

في أقصى الهامش من خريطة العالم، جزيرةٌ لا تلوّح بيدها كما تفعل المدن، بل تُومئ بقلبها. تُخاطبك لا بأصواتها، بل بصمتها. ليست وجهةً، بل مرآة. ليست مكانًا، بل امتحانًا. إنها زنجبار… حيث الأرض لا تستقبلك لتُريك، بل لتُعيدك كما لم تكن. وصلنا إليها ببطاقات تعريف، وعُدنا منها بهويات جديدة.
لم تكن زيارة. كانت مرايا.

الفصل الأول: عندما تنطق الأرض

في زنجبار، لا تتحدث الطرق، لكنها تروي. التراب لا يحمل أقدامنا، بل يستنطقها: لماذا أنتم هنا؟
الماء لا يُشرب فقط، بل يُبكينا: كم منّا لا يعرف العطش الحقيقي؟
الطفل لا يسأل، بل ينظر. وتلك النظرة، وحدها، تعيد صياغة معنى “الرسالة”. إنها أرض لا تحتاج ترجمانًا. يكفي أن تمشي فيها قليلًا، حتى تُدرك: العطاء ليس شيئًا تملكه وتمنحه…العطاء هو أنت، حين تُختزل في معنى.

الفصل الثاني: حين اجتمعت القارات… وتحدّث القلب

من ثلاث قارات، عبرت ثلاث مؤسسات، بثلاث لغات… لتقول شيئًا واحدًا. إحداهن: حيث السخاء لا يُشهر اسمه، بل يعمل بصمت الواث، والثانية: كأنها قلب نابض في المنتصف، يربط، يوازن، ينسّق، ويرى ما لا يُقال. والأخيرة: التي لا تنفذ فقط، بل تنبض، تنقل النبض، وتحوّل الحاجة إلى صوت.لم يكن اللقاء في قاعة. بل كان في العيون. ولم تكن الشراكة على ورق. بل على الأرض

الفصل الثالث: أطفال لا يعرفون اليأس

في إحدى القرى، جلس “سعيد” على حجرٍ صغير، ينظر إلى حذائه الممزق لا ليشكو، بل ليفكر: هل سأصل إلى المدرسة قبل أن يبرد الطريق؟
وفي الجانب الآخر، كانت “فاطمة” تغلي الماء ثلاث مرات لا لتطهّره فقط، بل لتغلي خوفها عليه.
وفي مسجد من خشبٍ قديم، كان المؤذن يرفع الأذان لا بصوته، بل بإيمانه أن أحدًا سيسمع… حتى لو تأخّر السامعون. هذه اللحظات، لم تكن “مشاهد”، بل كانت وصايا صامتة.
كل طفلٍ كان رسالة.
كل أمٍ كانت قضية.
وكل مسجدٍ متهالك… كان صرخة بلا ضجيج.

الفصل الرابع: القيادة التي لا تُرى… ولكن تُحس

كان الأستاذ عبدالقادر يمشي خلفنا لا أمامنا.
يصغي أكثر مما يتكلم.
يُعلّم دون أن يُدرّس.
وفي نظرته عمق، لا يُترجم، بل يُعاش.

حين وقف في الساحة بين الناس، لم يُلقِ كلمة. لكن كل من حوله صمت… كأنهم يعرفون أن الحديث بدأ.قال لنا في أحد اللقاءات:
“القيادة الحقيقية؟ أن تترك المكان أصدق مما وجدته.” في زنجبار، لم نترك مشاريع فقط، بل تركنا صدقًا.

الفصل الخامس: “إشارة بالإصبع”… كانت تكفي

في الممر الضيق داخل الجامعة، وقفت فتاة شابة، لا تحمل كتابًا، بل حلما.
سألتها إحدى الزائرات:
“ماذا تريدين أن تصبحي؟”
لم تُجب.
اكتفت برفع إصبعها، نحو السماء…
إشارة واحدة، صنعت ألف عنوان، وفهمنا: أن الحلم الحقيقي لا يُشرح.
الحلم… يُشعر به.

الفصل السادس: الفراغ الذي لم يكن فراغًا

قال أحدهم: “في زنجبار، حتى الفراغ يتكلم.”

الصفوف الفارغة في المدرسة لا تشتكي، لكنها تنتظر. الجدران التي لا تحمل سقفًا لا تسأل، لكنها تُومئ: “هل من أحد؟” الليل بلا كهرباء لا يخيف، لكنه يُذكّر: ليس كل من ينام، مرتاح. إنه فراغٌ ليس عجزًا، بل دعوة نبيلة للمشاركة.

الفصل السابع: الزيارة التي لم تنتهِ

عدنا إلى المطارات، وفتّشنا جوازاتنا، لكن من عاد حقًا؟ الجسد فقط هو من غادر، أما الفكرة… فهي باقية.

مشروعات المياه؟
هي لم تروِ فقط، بل أعادت تعريف النقاء.
المدارس؟
هي لم تُعلّم فقط، بل فتحت نوافذ.
التحفيظ؟
هو لم يُخرّج حفاظًا فقط، بل رمم أرواحًا.زنجبار… لا تُودع أحدًا.
بل تُنبتك في أرضها، وتدعوك أن تُثمر في مكانك.

الخاتمة: حين صمتنا… فهمنا

كنا نُعد الكلمات بعناية، وننتقي المصطلحات، لكن زنجبار علمتنا أن بعض الرسائل، لا تُقال.
الدرس الحقيقي؟
أن تبني قبل أن تتكلم.
أن تنصت قبل أن تُقرّر.
أن تُشعل في غيرك ضوءًا… لا يحتاج أن يرى وجهك. وفي نهاية المشهد، عادت الفتاة لتُشير بإصبعها نحو الأفق.

نظرت إلينا مرة أخيرة…
ولم تقل شيئًا.

لكننا جميعًا فهمنا:
ما بدأتموه هنا… لن ينتهي.

توقيعٌ غير مكتوب:
لكل من مرّ بزنجبار… أنت الآن جزء منها، شئت أم أبيت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top