مائدة لا يعيدها الزمن إلا إن عادت أم المقداد

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

كانت الساعة تقترب من السابعة مساءً، يوم السبت، 26 يوليو 2025، حين عاد الزمن إلى الوراء بثقة العارف، لا يتردد، ولا يتلعثم. عاد بنا لا عبر آلة زمن، بل عبر نكهة… نكهة لا تصفها كتب الطهي، ولا تجرؤ على تقليدها أعظم المطاعم مهما زُينت أطباقها أو تهادت نادلاتها. نكهة لا تصدر إلا عن يد عرفت السر، وضمير لا يطبخ بل يصلي على المذاق، ويمنحه من قلبه، لا من وصفة.

مائدة من بيت أبي المقداد… ولكنها لم تكن مجرد مائدة، بل كانت وعدًا وفاءً لثلاثة عقود ونصف من طيب اللقاء، وأصالة الذوق، وثبات الروح. من بداية التسعينات، تذوقناها… وتربى على مذاقها الجيل، بل أجيال. كانت لفافة اللحم تلف الأيام قبل أن تلفّ قطعة الخبز، وكانت رائحة الدجاج تسبق الكلام، وتعلّمنا أن الطهو ليس نارًا وملحًا… بل حكمة، وصبر، ونيّة طاهرة.

بالأمس، اجتمعت الذاكرة والحواس في سيمفونية نادرة، كأن القدر أراد أن يكرمنا مرة أخرى، فاختار يدًا عرفت العطاء منذ كان العطاء صامتًا، ومذاقًا لا يعرف التنازل، ولا يغويه السهل، ولا يُكرر إلا في قلب أم المقداد.

وما أشهى ما يُطهى من أجل الأحبة.

لفافة ساندويتش دجاج… تتكلم. تحكي عن زمن لم يكن فيه الطعام للامتلاء بل للوصال. تخبرك، دون كلام، أن من أعدها يعرفك… يعرف ذائقتك، ماضيك، ونبضك. لفافة لحم تواسي، لا تُشبع فحسب، بل تحتضن. تعتني بك وأنت تقضمها، وكأنها تقول: هأنذا ما زلت هنا، كما كنت في التسعينات، حين كنّا نُكرم لا لأننا نملك، بل لأننا نُحسن.، وفي شدة تعبنا نطبخ للغير.

وأما مخبوزة الدجاج، فتلك حكاية لا تكتب، بل تهمس… همسًا يشبه دعاء أم في السَحر، أو نغمة عود أندلسي منسي. هشاشة العجين، عبق البهارات، التماهي بين النضج والنعومة… هو طعام، نعم، لكنّه رسالة.

“إن الطعام إذا خرج من القلب وصل إلى القلب”، قالها أحد العارفين، وهو لا يعرف أن ثمة امرأة تُدعى أم المقداد كانت تُترجم هذه المقولة بالزيت والدقيق، باللحم والنية، بالسهر والسكون. ولأن النفس الطيبة لا تطيق أن تعيش دون أن تترك أثرًا، فإن موائد أم المقداد ما كانت يومًا للإشباع فقط، بل للبناء. بنَت بها بيتًا من الحب، وقلوبًا من الوفاء، وذاكرة لا تشيخ. كل من جلس إليها لم يشكرها فحسب، بل أحب الحياة من جديد، أحب البيت، وأحب المعنى الدفين في الطهو حين يكون فعل حبّ، لا فعل عادة.

قد يقال إن الطهو مهارة، لكن مع أم المقداد، يصبح الطهو فنًّا، بل دينًا، بل موقفًا من الحياة. إن من لم يجلس إلى مائدتها فقد فاته نوع من التربية الهادئة، حيث يكون الانضباط في ترتيب الصحون، والكرم في تكرار اللفافات، والحب في رائحة القرفة. كل ذلك، دون أن تنطق، ودون أن تتباهى. النفس الطيبة لا تصرخ، بل تُلهم.

ولأن الذائقة لا تكذب، فقد اجتمعنا – أبناء التسعينات وأحفادها – حول تلك المائدة التي لا تزال تقاوم الغياب، وتعيدنا إلى ماضٍ كانت فيه الحياة ألذّ، لا لأننا كنا بلا أزمات، بل لأن بيننا كانت امرأة تعرف كيف تصنع من الفتات وليمة، ومن التعب شفاء، ومن وجبة عشاء… عيدًا.

وما أكثر من طبخ، وما أقل من روى!

ثم إن للمذاق أثرًا لا يدركه إلا الذين مرّوا على مائدة فيها الحب أقدم من السكر، والنية أصفى من الماء، والاحتساب أوسع من الجيوب. نعم، نحتاج أن نعيد تعريف الطهو: إنه موقف من الحياة، ورسالة، وحضارة متنقلة على أرغفة العجين. وما الحياة، إن خلَت من أمثال أم المقداد، إلا جوعٌ متخفٍّ في ثياب الشبع.

يُقال إن توماس كارلايل وجد في “العمل” مصدرًا لكل الفضائل، ولو عرَف موائد أم المقداد لقال إن الطهو الصادق هو أرقى صور العمل، لأنه لا يصنع طعامًا فقط، بل يصنع روابط. فربّ سندويتش، صنع صلة رحم أقوى من خطب الوعاظ. وربّ مخبوزة دجاج كانت عزاءً لصدرٍ موجوع، أو امتدادًا لذكرى جدٍّ غاب.

ثم إن الناس يتغيّرون… أما المذاق الذي صُنع بالحب، فثابت.

هكذا هي أم المقداد، منذ التسعينات وحتى الأمس، تقف شامخة في مطبخها، لا تنتظر ثناءً ولا تبحث عن شهرة. الطبق عندها عهد. لا تؤمن بالنسخ ولا تُجيد التقليد، لأن الأصل عندها ليس في المكونات بل في الروح.

قالوا قديمًا: “من أطعمك مَرّة صار شريكك في الحياة”، فكيف بمن أطعمك عمرًا كاملاً؟ لهذا يا أحباب، لا تقولوا إن السبت كان موعدًا مع المذاق فقط، بل مع الوفاء… مع من تُطهو الذاكرة بين يديها. فقد تفقد الناس، وتغيب الأماكن، ولكن تبقى اليد التي طبخت لك يومًا حين كنت صغيرًا أو غريبًا، أو جائعًا. وأما نحن، فسنكتب في دفتر الوفاء: “مائدة لا يعيدها الزمن… إلا إن عادت أم المقداد”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top