|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

لم تكن إسطنبول مدينةً نزورها، بل كانت مدينةً تزورنا فينا… في دواخلنا، في وجداننا، في أعماق لا يصلها إلا من غسل قلبه قبل أن يغسل وجهه عند شواطئ البوسفور. كنا نظنّ أننا جئنا لاجتماع عمل… جلسات، توصيات، نقاشات تُسجَّل في محاضر وتُحفظ في ملفات، فإذا بنا نُفاجأ أننا حضرنا لتوقيع وثيقة من نوع آخر… وثيقة بيننا وبين أرواحنا.
كانت البداية رسمية، كلّ شيء منظم كما ينبغي: السيد الرئيس، الفاضل نائبه، نخبة من العقول والأفئدة… ولكن خلف كل ملف واسمٍ وبند، كانت روحٌ تتحرك، وتوقظ فينا إحساسًا بأننا جئنا لنُبنى، لا لنبني فقط. ثم بدأ المسار يتحوّل من عملٍ إلى سفرٍ من نوع آخر…
وقفنا أولاً عند ضريح أبي أيوب الأنصاري، فشعرنا أن الزمان قد انزاح، وأننا لا نزور قبرًا، بل نُسائل رجلاً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم… سألنا أنفسنا: ما الذي حمله إلى هنا؟ أكان الحنين؟ لا… بل كان العهد. العهد الذي لا يُبلى، أن يكون للدين جغرافيا، وللحق راية، ولو بعد حين. همس أحدنا: “دفن هنا لأنه لم يحتمل أن يموت بعيدًا عن وعد الفاتح”. فأجابه الصمت… الصمت الذي امتلأ خشوعًا وحياءً.
ثم سرنا، وفي أقدامنا رهبة، إلى حيث وقف محمد الفاتح ذات فجر، يرقب الشمس قبل أن تشرق، ويسأل ربه نصرًا لا يشبهه نصر. لم نر الفاتح، ولكننا شممنا أثره… كأن ضحكته التي لم تُسجلها المراجع كانت تُسمع في المآذن، وكأن دمعه ليلة الفتح لم يجف بعد. وقفنا أمام ضريحه لا لنقرأ الفاتحة، بل لنطلبها لأنفسنا…
أن نُفتح كما فُتح، وأن نصدق كما صدق. وما بين أبي أيوب والفاتح، كانت المسافة قصيرة… لكنها امتلأت بدموع لا تُرى، وقرارات لا تُكتب، بل تُعاش.
ثم كان اللقاء الذي يشبه الصلاة… في مسجد السلطان أحمد، حيث الأزرق ليس لونًا، بل ذكرى. تلك القبة التي لا تكتفي بالعظمة المعمارية، بل تبتهل. وهذه الأعمدة، ليست أعمدة رخام بل أعمدة عهد… هناك، أحسسنا أننا أصغر من أن نصف المشهد، وأكبر من أن نفوته.
أما آيا صوفيا… فحدث ولا حرج.
هي ليست مسجدًا ولا متحفًا… بل سِجلٌ مفتوح للدهشة. كل من دخلها خرج مختلفًا، كما لو أن الحجارة فيها تحفظ السرّ، والضوء فيها لا يصدر عن نافذة، بل عن قصة. فيها صمت يتكلّم، وفيها ألفية تختصرها نظرة.
لكن الحدث الذي لن تنقله الصحف، ولن تصفه العدسات، كان صلاة الفجر بجوار الفندق… هناك، في مسجد المنطقة، لا يزوره إلا أهل الحي، وقفنا متجاورين…في هدوء وسكون لا يوصف، فقط نحن، وربّنا.
وفي تلك الركعتين… تجلى معنى لم نكن ندركه. أن القرب من الله لا يحتاج إلى قبة ضخمة، بل قلب خاشع. وأن كل ما عشنا من زيارات، كان ليقودنا إلى تلك اللحظة: أن نسجد ونحن نعلم لماذا نسجد.
وفي ختام الزيارة، اجتمعت الأرواح الطيبة، كأنها كانت موعودة. وجوه اجتمع فيها الوقار والتبسم، حوارات فيها الفكر والود، قلوب تعرف كيف تختلف دون أن تتنافر، وتتناصح دون أن تتجافى. كأن الله قد جمعنا من أطراف العالم ليقول لنا: “هكذا يكون البناء… من أرواح قبل أن يكون من أحجار.” أحدهم قال وهو يغلق حقيبته: “لا أريد أن أغادر إسطنبول.”
فأجبناه: “لن تغادرها… لأنها قد سكنت فيك.”
ونحن نغادر، لم نشعر أننا نودع مدينة، بل كأننا نغادر ضوءًا دخل فينا، وسيظلّ يشع. استذكرنا قول مالك بن نبي: “إن النهضة لا تبدأ من البناء، بل من الإيمان، من يقظة القلب.” وها نحن عدنا، نحمل بين أضلعنا يقظة لا نريد أن تنام،
ومع كل خطوة في طريق العودة، نهمس في القلب: “اللهم اجعل كل لحظة عشناها في إسطنبول شاهدةً لنا لا علينا، وبارك في من جمعنا، ومن صاحبنا، ومن صلى معنا، ومن شكرناه ومن لم نشكره، ومن سكن معنا ولم يرحل منا.”