بين حكمة البدايات وروعة النهايات

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في هذا الكون الفسيح، حيث يدور الزمن كقلادة منسوجة بحبات الليل والنهار، أودع الله فيه نظامًا بديعًا وحكمةً بالغة، جعل الأيام صفحات، والسنين فصولًا، ليكتب العقلاء فيها سيرتهم، ويترك الحكماء فيها بصماتهم. ومن أروع ما في هذا النظام الإلهي، أن جعل طرفي العام شهرين محرمين؛ يُختتم العام بذي الحجة، ويُستقبل العام بالمحرَّم، كأنما يهمس الله لعباده: “اختموا خطواتكم بالخير، وافتحوا صفحاتكم بالبركة.” هنا، حيث تتعانق العبادة بالحكمة، ويصافح الإيمان فنون القيادة، ندرك أن القائد الحقيقي هو من يقرأ هذه السنن الكونية بعين البصيرة، فيجعل من نهاياته مرافئ للتقييم، ومن بداياته منصات للانطلاق.

حين يصبح الختام مرآة القائد

  1. التقييم: شجاعة مواجهة الذات

قال صن تزو: “إذا عرفت عدوك ونفسك، فلن تخشى مئة معركة.”
وذو الحجة يذكّرنا أن الوقوف في عرفة ليس فقط عبادة، بل وقفة حساب ومراجعة.
القائد الشجاع:
• يزن إنجازاته بميزان العدل، لا بميزان الغرور أو جلد الذات.
• يعترف بالأخطاء كما يفرح بالنجاحات، لأن الاعتراف باب الإصلاح.
• يصغي إلى فريقه، فالنقد البنّاء جسرٌ نحو التميز.

  1. التوبة القيادية: تحوّل راقٍ لا نهاية

التوبة في جوهرها ليست مجرد ندم، بل إعادة صياغة للمسار. يقول نيلسون مانديلا: “لا أخسر أبدًا، إما أن أربح أو أتعلم.” والقائد المتوب من غروره أو قسوته أو جمود فكره، هو قائد يولد من جديد كل عام.

  1. الشكر: اللغة السرية للعظماء

الحج ذبحٌ وشكر، والقيادة شكرٌ واعتراف بالفضل. جون ك. ماكسويل لخصها بقوله: “الناس ينسون ما تقول، لكنهم لا ينسون كيف جعلتهم يشعرون.” والقائد الذي يكرم جهود فريقه، يزرع فيهم الولاء قبل الانتماء

بداية العام.. النقاء قبل الانطلاق

  1. التخطيط: عبادة الوقت ووضوح الهدف

صيام عاشوراء ليس فقط شعيرة، بل درس في الالتزام بالموعد والنية.
القائد الملهم يبدأ عامه بخطة واضحة، ورؤية كالنجمة التي لا تغيب.
• يحدد الأهداف كما خطط النبي ﷺ لهجرته بدقة.
• يحتفظ بالمرونة، فحتى الخطط العظيمة قد تحتاج تعديلًا.

  1. النقاء: قيادة بقلب حر

المحرّم شهرٌ يحرّم فيه الظلم، وكذا القيادة:
• نزاهة تُقيم العدل.
• شفافية تصنع الثقة.
• روحانية تحفظ التوازن.

  1. التواضع: زينة القيادة

في عاشوراء، نتذكر نجاة موسى عليه السلام، ليبقى الدرس خالدًا: الطغاة يزولون، والمتواضعون يخلدون.
سقراط قال: “الحكمة الحقيقية أن تعرف أنك لا تعرف.”

القيادة الرشيقة.. فن الموازنة

  1. الرحمة فوق القوة

الله يغفر في عرفة وعاشوراء، ليعلّمنا أن الرحمة أبقى من البطش.
القائد الرحيم:
• يغفر الأخطاء، لكن لا يبرر الكسل.
• يدفع للأمام، لا يسحق تحت الأقدام.

  1. التوازن: عبادة العمل وإنتاجية الروح

الصيام يعلّم الانضباط، والعمل يزدهر بالانضباط نفسه.
القائد الواعي:
• يوازن بين طموحه وحياة فريقه.
• يجعل القيم أساس الإنجاز، لا ضحية له.

  1. التوبة المستمرة: سرّ البقاء في القمة

كما يتوب المؤمن كل يوم، يتجدد القائد كل يوم، لأن الجمود موتٌ بطيء.

الختام: قائدٌ يولد من جديد

القيادة أمانة قبل أن تكون منصبًا، ورسالة قبل أن تكون سلطة.وحكمة الشهرين الحرام تلخص الدرس:
• ابدأ بنية طاهرة.
• اختم بتقييم صادق.
• اجعل الرحمة والتواضع رفيقي دربك.

وعلى لسان علي بن أبي طالب: “لا تكونن إمَّعة تقول: أنا مع الناس.”
بل كن نجمًا يهتدي به غيرك، لا ظلًا يتبع القوافل. “والله يُعلِّمُكُم، واللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيم.” ﴿البقرة: ٢٨٢﴾

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top