|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
ليست غزة مدينة عابرة في خرائط السياسة، وليست مجرد شريط ضيق من الأرض يطل على المتوسط، بل هي مرآة صادقة لضمير الإنسانية، تختبر بها الأمم معنى الواجب، وتُسائل بها الأجيال: ماذا فعلتم حين كانت طفلة تبحث عن كسرة خبز بين الركام؟
حين تكتب عن غزة تشعر أن الكلمات تتساقط من قلبك قبل قلمك، فهي ليست مجرد قضية، بل امتحان للكرامة، للإنسانية، وللإيمان بأن العدل ليس شعارًا، بل مسؤولية. لقد قال غاندي يومًا: “قوة الإنسان لا تُقاس بقدرته على ضرب الآخرين، بل بقدرته على تحمل الألم دون أن يفقد إنسانيته”، وغزة تحملت الألم كله، وما زالت تُعلّم العالم أن الشجاعة ليست في السلاح وحده، بل في الإصرار على الحياة رغم أنف الموت.
سرد من بين الركام
في مساء مثقل بالغبار والدخان، كانت أم تبحث بين الأنقاض عن دمية لابنتها الصغيرة، لا عن بيتها ولا أثاثها، بل عن تلك اللعبة التي كانت تبتسم بها الطفلة كل صباح. في غزة، ليس الدمار أكثر ما يوجع، بل الذكريات التي تُدفن تحت الركام. هذه التفاصيل الصغيرة، التي لا يلتفت إليها الإعلام، هي التي تجعل الحكاية أكبر من حدود السياسة، إنها تصرخ: غزة ليست أرقامًا في نشرات الأخبار، بل وجوه، وأرواح، وأحلام معلقة. وحين ترفع غزة يدها للسماء في صلاة الفجر تحت الحصار، فإنها تُعيدنا إلى يقين ابن تيمية الذي قال: “ما يفعل أعدائي بي؟ جنتي وبستاني في صدري، إن سجنوني خلوة، وإن قتلوني فشهادة،وإن نفوني فسياحة.” وهكذا هي غزة، كل ابتلاء يتحول فيها إلى معنى، وكل دمعة تتحول إلى أمل.
حرقة الواجب
الواجب تجاه غزة ليس ترفًا عاطفيًا ولا نزوة موسمية، بل دينٌ في أعناقنا، دين قُدِّم فيه الدم، ولا يجوز أن يُرد إلا بالوفاء. قال مالكوم إكس: “إذا لم تدافع عن شيء، ستسقط أمام أي شيء.” وغزة هي الشيء الذي إن تخلت عنه الأمة، فقدت مبرر وجودها. هل يجوز لأمة تدّعي أنها خير أمة أخرجت للناس أن تنام بينما أطفال غزة يسهرون تحت القصف؟ هل يجوز أن ننشغل بالترف واللهو بينما دماء الأبرياء تصرخ من تحت الردم؟ إن غزة ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية كل إنسان حيّ. ومن يتهرب من واجبه نحوها، كمن يهرب من مواجهة نفسه أمام المرآة.
غزة تفضح العالم
في قاعات الأمم المتحدة، تتحدث الدول عن حقوق الإنسان، لكن غزة تُسقط كل الأقنعة. هنا يُقاس صدق الشعارات: هل حقوق الإنسان انتقائية؟ هل تُمنح لمن يملك القوة ويُحرم منها الضعفاء؟ لقد كتب فيكتور هوغو : “وغزة تكتب الحق بدمائها كل يوم. : “عندما يتخلى العالم عن الحق، يصبح على أصحاب الضمير أن يكتبوه بدمائهم.”
بين الأمل واليأس
قد تظن أن غزة تعيش على اليأس، لكن العجيب أنها أكثر بقاع الأرض امتلاءً بالأمل. ترى الأطفال يرسمون على جدران المخيمات شمسًا وبيوتًا ملونة، وكأنهم يُصرون على أن القادم أجمل. ترى المصلين يملؤون المساجد رغم الخوف، وكأنهم يقولون: نحن هنا باقون. وهذا يذكرنا بقول جلال الدين الرومي: “لا تحزن، فما يفقده البحر لا يفقده الموج.” غزة تفقد الكثير، لكنها لا تفقد الموجة التي تعيدها إلى الحياة كل صباح.
الواجب العملي
من السهل أن نبكي لغزة، لكن الأصعب أن نترجم دموعنا إلى عمل. غزة لا تحتاج خطبًا حماسية فقط، بل تحتاج دعمًا عمليًا: تحتاج من المثقف أن يكتب بصدق. ومن الإعلامي أن يكسر التواطؤ بالصمت. ومن رجل الأعمال أن يمد يده بالعطاء. ومن السياسي أن يتحمل المسؤولية أمام التاريخ. لأن التاريخ لا يرحم. سيأتي يوم يُسأل فيه كل جيل: ماذا فعلتم حين كان الضعفاء يذبحون أمام أعينكم؟
غزة بوابة الخلود
في غزة، لا يُدفن الشهيد تحت التراب فقط، بل يُرفع فوق التاريخ. فهي بوابة الخلود للأحرار، ومنارة العار للصامتين. وكأنها تُعيد صدى كلمات تشي غيفارا: “حيثما يوجد ظلم، فذلك هو وطني.”غزة تجعل كل إنسان صاحب ضمير يشعر أن له وطنًا هناك، حتى لو لم تطأ قدماه أرضها.
خاتمة الواجب
غزة اليوم ليست فقط جرحًا نازفًا، بل امتحانًا مكتوبًا بمداد الدم. إمّا أن نكون أوفياء له، فنحمل مسؤوليتنا التاريخية، أو نكون من الذين خانوا عهد الإنسانية. إن الكتابة عن غزة ليست كافية، لكنها جزء من الواجب. والدعاء لغزة ليس نهاية الطريق، بل بدايته. والعمل لغزة، في أي مجال، هو المقياس الحقيقي لصدق الإيمان. وكأن غزة تخاطبنا بلسانها: “لا أريد منكم دموعًا، بل أريد يقظة ضمير.”وهنا يحق أن نختم بكلمات الرافعي: “الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلامه، أمة لا تستحق أن تكون أمة.” فهل نستحق أن نكون أمة؟
الجواب مكتوب هناك… في غزة.