|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم تكن تلك الغرفة الواسعة في الطابق العلوي لمبنى المؤسسة مجرد مكان لاجتماع دوري. كانت – بكل تفاصيلها – مسرحًا لولادة مستقبل جديد، أو هكذا بدا الأمر حين اجتمع المدير العام، والمدير التنفيذي، والخبير الاستراتيجي، ثلاثتهم أمام طاولة واحدة، والملفات مفتوحة، والعقول يقظة، والقلوب مشتعلة بإحساس اللحظة. ذلك الاجتماع لم يكن عاديًا، كان يشبه ما يصفه مالك بن نبي: “اللحظة التي تلتقي فيها الإرادة بالرؤية، فتتشكل بوابة النهضة”. والحق… كانت كل الظروف مهيأة لنهضة حقيقية.
المشهد الأول: ولادة اتفاق لا يُنسى
بدأ الاجتماع بصوت المدير العام وهو يقول: ” لن نؤجل، المؤسسة تحتاج حركة الآن… الآن وليس غدًا”. هزّ المدير التنفيذي برأسه موافقًا، فيما كان الخبير الاستراتيجي يقلب أوراقه بثقة شخص جاء وهو يحمل خريطة كاملة لإنقاذ سفينة في عرض المحيط. وقف الثلاثة على مفترق طريق واضح: إما أن يصنعوا تاريخًا للمؤسسة، أو يبقوا مثل كثيرين مرّوا وتركوا وراءهم مشاريع نصف منجزة، وقرارات نصف حيّة، وجُملاً تبدأ ولا تكتمل. وتشكلت القرارات الكبيرة… قرارات لا تصدر إلا حين تكون العقول صادقة، والرؤية ناضجة:
- تقوية البيئة الداخلية – لأن المؤسسة لا تنهض فوق أرض رخوة.
- إطلاق خطة لتطوير القيادات العليا والوسطى – لأن القيادة هي الأوكسجين الأول لأي منظومة.
- برنامج خاص لتأهيل قائد جديد تم تصعيده – استثمار في بشر قبل الحجر.
- تفعيل المجلس التنفيذي – ليصبح العقل التشغيلي النابض، لا ديكورًا إداريًا على حائط الزمن.
- تفعيل منصب المدير التنفيذي، ليس بوصفه مقعدًا إداريًا، بل بوصفه محرّكًا لنبض المؤسسة، ومسؤولًا عن تحويل الاستراتيجيات إلى أفعال، وعن إعادة وصل الجسور بين القرارات ونتائجها.
- اعتماد منهج 80/20 في إدارة الجهد والموارد، بما يضمن تركيز القيادة على الأعمال ذات العائد الأعلى، وتوزيع الأدوار بوضوح يرفع الكفاءة ويمنع تسرّب الطاقة في التفاصيل الثانوية.
وعندما انتهى الاجتماع، شعر الثلاثة بأنهم صنعوا ما يشبه “الحدث التاريخي” في حياة المؤسسة. فالمؤسسات كما يقول بيتر دراكر: ” لا تتغير بالنيات، بل بالقرارات التي تُنفّذ”. لكن دراكر لم يكن حاضرًا…، وإن كان، لكان أخبرهم أن تنفيذ القرارات أصعب بكثير من اتخاذها.
المشهد الثاني: اليوم التالي… وصمت ثقيل
في الصباح التالي، انتظر الخبير الاستراتيجي رسالة ببدء أول خطوة. انتظر المدير العام أن يشعر بارتجاج الحياة في جسد المؤسسة. وانتظرالمدير التنفيذي أن يرى أثر حماسته التي كانت واضحة في الاجتماع. لكن… لم يحدث شيء. لا بريد. لا اتصال. لا تفويض. لا متابعة. لا سؤال. كأن الاجتماع كان فصلًا روائيًا في كتاب لا قارئ له. وهنا بدأ المشهد يأخذ ملامح الفلسفة الأعمق: أن المؤسسات لا تتباطأ لأنها تعجز عن الحل… بل لأنها تخاف بداية الطريق. أحيانًا، القرار يشبه بابًا ثقيلًا يعرف الجميع أنه يجب أن يُفتح، لكن لا أحد يملك الشجاعة ليلمس مقبضه.
المشهد الثالث: الخبير يكتب الحقيقة
جلس الخبير الاستراتيجي مساء ذلك اليوم، يكتب ملاحظاته بهدوء يشبه هدوء الطبيب حين يدرك أن المريض لا يعاني من المرض… بل من غياب العلاج. كتب في دفتره جملة علقت في الذاكرة: ” المؤسسة ليست بحاجة لقرارات جديدة… بل لروح تُنفذ القديمة”. ورجع إلى منزله وهو يتذكر قول المسيري حين كتب: “الأفكار الجميلة غير المنفّذة تتحول إلى أعباء، لا إلى حلول”. وفي صمته، أدرك شيئًا أعمق: أن المؤسسات لا تُنهكها الأخطاء بقدر ما يُنهكها تجميد الصواب.
المشهد الرابع: مجلس لم يُفَعَّل بعد
مرت الأيام، وبقي كل شيء مكانه. البيئة الداخلية كما هي. القيادات كما هي. البرنامج التأهيلي لم يولد بعد. المجلس التنفيذي ينام في أوراقه. وفي أحد الاجتماعات، سمع المدير العام أحد أعضاء الفريق يقول: ” نحتاج خطة… نحتاج تطوير… نحتاج تفعيل المجلس”. ابتسم المدير العام، لكن ابتسامة تحمل السؤال لا الموافقة: ألم نقرر ذلك بالفعل؟ لكن السلوك البشري – في الإدارة – قد يكون أحيانًا أغرب من الخيال: الناس تعيد المطالبة بما وافقت عليه قبل أسابيع… لأنها لم تبدأ به أصلًا. وهنا يستيقظ قول العقاد في خلفية المشهد: ” الفكرة التي تُقال ولا تُنفذ… لا وزن لها إلا بقدر الحبر الذي كُتبت به”.
المشهد الخامس: المؤسسة تنظر إليهم بصمت
وإن كان للمؤسسة لسان، لقالت: ” لم أطلب منكم اجتماعات كثيرة… طلبت منكم بداية واحدة فقط”. طلبت خطوة تنظيم. خطوة تدريب. خطوة متابعة. خطوة تفعيل. لكن أحدًا لم يأخذ بيدها نحو الطريق. المؤسسات كالبشر تمامًا، قد تعيش سنوات في حالة وعي مزيف: تعرف ما يجب فعله، تعرف الأولويات، تعرف الحل… لكنها لا تبدأ. وأسوأ ما قد يصيب مؤسسة هو أن تتحول قراراتها إلى ذكريات جميلة بدل أن تتحول إلى إنجازات.
المشهد السادس: الحقيقة التي لا يحب أحد سماعها
الحقيقة التي كشفتها هذه التجربة – بكل جمالها وبكل ألمها – ليست جديدة، لكنها حادة: أن 90% من نتائج المؤسسات تأتي من 10% من القرارات التي تُنفذ فعلًا. وأن أكبر فجوة بين التخطيط والتنفيذ ليست نقص الموارد، ولا غياب الموهبة، بل غياب الإرادة اليومية التي تقول: “ابدأ الآن… ليس غدًا”. هذه الفجوة هي ما جعلت المؤسسات العربية – في كثير من الأحيان – تبدو نشيطة ورقية، لكنها فقيرة في الأثر. لأنها تقرر بسرعة، وتتحمس سريعًا، ثم تنسى أسرع مما تتخيل.
المشهد السابع: مرآة المستقبل
بعد أسابيع، جلس الرجال الثلاثة مجددًا. نظر كل واحد في عيني الآخر، وكأنهم يدركون أنهم يملكون القوة نفسها التي امتلكوها في الاجتماع الأول، لكنهم فقدوا شيئًا أهم: الإيمان بأن الخطوة الأولى أهم من الخطة. حينها قال الخبير الاستراتيجي جملة غيّرت الجو: ” إذا لم نبدأ اليوم… فسنعقد اجتماعًا آخر بعد عامين نكرر فيه الكلمات نفسها”. سكت الجميع. هذه ليست نصيحة… بل نبوءة يعرفون أنها حقيقية.
المشهد الأخير: العودة للحقيقة
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن هذا الاجتماع – رغم عدم التنفيذ – كان درسًا لا يُنسى. درسًا يقول:
- أن القرارات لا قيمة لها بلا تنفيذ.
- وأن الحماس لا يساوي خطوة واحدة على الأرض.
- وأن الفرق بين القيادة والإدارة هو القدرة على تحويل الاتفاق إلى فعل.
- وأن المؤسسات التي لا تبدأ… لا تصل.
- وأن أولويات اليوم، إن لم تصبح إجراءات الغد، ستتحول إلى أوراق مبتلة في أدراج الذاكرة.
وفي النهاية، كان المشهد يشبه ما كتبه بيتر سنج: ” لن تتغير المنظمة حتى يتغير سلوك أفرادها… وإن كتبوا ألف خطة”.
وختامًا، هذا المقال ليس عن ثلاثة رجال ولا عن مؤسسة بعينها. هو مرآة لثقافة نعيشها جميعًا: نخطط بمهارة، ونجتمع بحماس، ونقرر بشجاعة… ثم نتردد عند لحظة التنفيذ. إنه مقال عن الحقيقة التي تهرب منها المؤسسات: أن النجاح يبدأ من أول إجراء، لا من آخر اجتماع. وأنه مهما كان القرار كبيرًا، ومهما كان الخبير حكيمًا، ومهما كان المدير شجاعًا، فإن كل شيء يبقى حبرًا على ورق… إن لم نبدأ.