اليوم الثاني من رحلة موكب الأمل.. كينيا

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم يكن الصباح عاديًا، ولا الساعة العاشرة مجرد توقيت على ساعة الفندق. كان اليوم الثاني من رحلة موكب الأمل، السبت 24 يناير 2026، يبدأ كمن يفتح نافذة القلب لا نافذة الغرفة. تحرّكنا من الفندق، لكن الحقيقة أننا كنّا نتحرّك من داخلنا قبل أن تتحرك الحافلة، كأن الأرواح سبقت الأقدام، وكأن لكل واحدٍ منّا طريقه الداخلي الذي يسير فيه بالتوازي مع الطريق الترابي الطويل خارج نيروبي. على امتداد الطريق، لم يكن الصمت سيّد اللحظة، ولم تكن الأحاديث ضجيجًا. كانت تأملات… انطباعات شخصية، حوارات نفسٍ خافتة تخرج أحيانًا على هيئة جملة، وتعود أحيانًا إلى الصدر. تبادل الفريق مشاعر لا تُصنّف: دهشة، خشية، امتنان، ثقل مسؤولية، وخوف نبيل من ألا نكون على قدر الأمانة. كل واحد كان يرى أفريقيا من نافذته، لكن كل واحد كان يرى نفسه أكثر.

نصف ساعة… لكنها ليست مسافة
المسافة بين نيروبي والعشش لم تتجاوز نصف ساعة، لكن ما قطعناه لم يكن طريقًا، بل انتقالًا داخليًا حادًا. ثلاثون دقيقة كانت كافية ليتبدّل المشهد، لا في الخارج فقط، بل في داخلنا. المدينة تتراجع، والإسفلت يبهت، والوجوه خلف الزجاج تصبح أكثر صمتًا، كأن القلب يستعدّ لما سيُرى. في تلك النصف ساعة، أدركنا أن القرب الجغرافي لا يعني عدالة، وأن الظلم لا يحتاج مسافات طويلة ليصنع عالمين متجاورين لا يلتقيان.

الحافلة… حين تصبح الاعترافات جزءًا من الطريق
داخل الحافلة، لم يكن الميكروفون أداة تنظيم، بل أداة كشف. الدكتور مجدي، على عادته، فتح مساحة sharing، لا تقارير ولا خطابات، بل حكايات. كل واحد يشارك شيئًا من تجربته الحياتية: جرحًا قديمًا، درسًا تعلّمه متأخرًا، أو لحظة غيّرت مساره. كانت الحافلة تمضي، لكن القلوب كانت تتباطأ لتُصغي. بعض الكلمات قيلت لأول مرة، وبعض الصمت كان أبلغ من الكلام. هناك، في ذلك الممر الضيّق بين المقاعد، تشكّل فريق أعمق، لا يجمعه البرنامج فقط، بل الإنسان بما فيه. فهمنا أن العمل الإنساني لا يُدار بالأهداف وحدها، بل بقدرتنا على أن نرى بعضنا كما نحن، قبل أن نطلب من أنفسنا أن نغيّر العالم.

العشوائيات… حين يصبح الجدار شاهدًا
وصلنا إلى منطقة العشوائيات. كلمة واحدة لا تكفي. هنا لا تُقاس البيوت بالأمتار، بل بالاحتمال. عشش من صفائح مهترئة، أخشاب متآكلة، أقمشة ممزقة، وأسقف كأنها معلّقة بدعاء ساكنيها. الأزقة ضيقة، لكنها ممتلئة بحياة تقاوم. الأرض طين، والماء شحيح، والهواء مثقل بروائح الفقر، لا لأن الناس كذلك، بل لأن القسوة إذا طال مقامها أرهقت كل شيء حولها.

الوجوه… هنا تبدأ الحكاية الحقيقية. وجوه أمهات يحملن التعب على ملامحهن كأنه جزء من الخِلقة، ووجوه أطفال عيونهم أكبر من أعمارهم، لأنهم رأوا أكثر مما ينبغي. ومع ذلك، لم نُستقبل بانكسار، بل بنوع غريب من الوقار الصامت، كأنهم يقولون: نحن فقراء، لكننا أحياء.

120 طردًا غذائيًا… وأثر يتجاوز الأرقام
بدأ توزيع 120 طردًا غذائيًا. على الورق رقم، وفي الواقع شبكة أثر إنساني تمتد بعيدًا. الطرد الواحد لا يُطعم فردًا فقط، بل أسرة، وربما أسرتين، وربما جارًا، وربما طفلًا آخر يطرق الباب خجلًا. حين نقيس الأثر الحقيقي، لا نقف عند 120، بل نقترب من ألف نفس تتنفس قليلًا براحة أكبر. لم تكن الأيدي الممتدة تطلب، بل تتسلّم بشكر كثيف. بعضهم يبتسم، بعضهم يبكي بصمت، وبعضهم يكتفي بهز الرأس كأن الدموع أثقل من أن تسقط. في تلك اللحظات، كان الفريق كله يعمل، لكن القلوب كانت تعمل أكثر. هنا فهمنا أن العطاء ليس فيما نحمل، بل في كيف نحمل الإنسان في نظرنا إليه.

مدرسة من زمن بعيد… وأمل من زمن قادم
ثم كانت زيارة المدرسة في قلب العشوائيات. مدرسة تبدو كأنها خرجت من قرن بعيد: جدران متشققة، فصول شبه خاوية من الوسائل، مقاعد بالية، وسبورة تحمل آثار أجيال متعاقبة. ومع ذلك… كان هناك شيء لا يُشترى ولا يُرمّم بالمال: الحرص. حرص في عيون الطلاب، كأن التعليم هو النافذة الوحيدة التي لا تزال مفتوحة. حرص في وقفة المعلمين، رغم قلة الإمكانيات، وكأنهم يحرسون شعلة صغيرة من الانطفاء. هنا شعرت أن المعرفة ليست ترفًا، بل طوق نجاة. أن تكتب بالقلم هنا هو فعل مقاومة.

المكتب… حين يتحول الغداء إلى ورشة عمل
انتقلنا إلى المكتب للغداء، لكن اللقاء لم يكن غذاء جسد فقط. كان لقاءً إداريًا مفتوحًا، صادقًا، بلا حواجز. جلس الفريق وتحدث الجميع: تقييم، ملاحظات، مشاركة مشاعر قبل أرقام. ما الذي نجح؟ ما الذي أثقلنا؟ ما الذي يجب أن يتغير؟ كان الحوار شفافًا، لا يخشى النقد، ولا يختبئ خلف المجاملات. هنا ظهر معنى الفريق: اختلاف الرؤى لا يفسد الهدف، بل ينضجه. كان كل صوت مسموعًا، وكل تجربة محترمة، وكأننا نعيد ترتيب الرحلة ونحن في قلبها.

القيادة… حين يكون القائد رُبّانًا
في هذا اليوم، برزت توجيهات القائد الربّان د مجدي، لا كأوامر، بل كبوصلة. حديثه لم يكن طويلًا، لكنه كان دقيقًا؛ يذكّر بالغاية، ويضبط الإيقاع، ويعيد الجميع إلى السؤال الأول: لماذا نحن هنا؟ كان حضوره هادئًا، لكن أثره عميق، كربّان يعرف أن البحر لا يُدار بالصوت العالي، بل بالبصيرة.

وإلى جانبه، كانت أم لؤي… القلب النابض. حضورها ليس في المقدمة دائمًا، لكنه في كل التفاصيل. تلتقط التعب قبل أن يُقال، وتربط بين الأشخاص بخيط إنساني خفي. هي التي تجعل الفريق عائلة، وتجعل العمل الإنساني أقل قسوة على الأرواح التي تحمله.

الفريق… ملامح لا تُختصر
بقية الفريق: كريمة، هيثم أبو مازن، وليد أبو خالد، د. أمل، عادلة، راشد، سلطان أبو اليقين، جميلة أم سلطان، نعيمة، جميلة الندابي، ومحمد أبو سارة… لم يكونوا أسماء في كشف، بل ملامح إنسانية: من يُنصت أكثر مما يتكلم، من يُسجّل الملاحظات بعين الباحث وقلب الشاهد، من يبتسم للأطفال دون لغة مشتركة، ومن يحمل الكاميرا لا ليصوّر، بل ليحفظ الذاكرة. كل واحد كان يؤدي دوره، لكن الجميع كانوا يؤدون معنى واحدًا.

مساء الرؤية القادمة
مع نهاية اليوم، كان لقاء إدارة الفريق. تبادل آراء، رسم ملامح المرحلة القادمة، حديث عن الاستدامة، عن العمق، عن الانتقال من الاستجابة إلى البناء. الروح كانت عالية، والشفافية كاملة. لم يكن هناك ادعاء كمال، بل اعتراف بالمسؤولية. في ذلك المساء، شعرنا أننا لم نزر كينيا فقط، بل استضافتنا كينيا في ضمائرنا. اليوم الثاني لم يكن محطة، بل مرآة. مرآة نرى فيها العالم كما هو، ونرى أنفسنا كما ينبغي أن نكون. موكب الأمل لا يسير على الطرقات فقط، بل يسير في القلوب. وهذا اليوم… كان شاهدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top