مائدةٌ من طينِ النيل… حين يهاجر الريفُ إلى الدوحة ولا يفقد قلبه

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

في مساءٍ رمضانيٍّ من ليالي الدوحة، الأحد 22 فبراير 2026، الخامس من رمضان 1447، لم تكن الدعوة مجرد إفطار… كانت عودةً كاملةً إلى الريف المصري، إلى رائحة الطين بعد المطر، إلى شجرة الجميز التي تحرس البيوت، إلى أمٍّ تفتح النافذة قبل الأذان بدقائق لتطمئن أن القدر بلغ تمامه، وأن البركة قد سبقت الطعام.

قبل الموعد بثلاثة أيام، جاءت مكالمةٌ كريمة من الفاضل محمد عبد الرحمن أبو مازن. كان في صوته شيءٌ من دفء القرى، ذلك الدفء الذي لا يتكلف العبارة، ولا يحتاج إلى زخرفة. حاولت الاعتذار لظرفٍ ما، لكن الإصرار كان أصيلًا، إصرارًا يشبه طيبة الفلاح إذا عزم: لا يتراجع، ولا يقبل أن يُكسر خاطره. شعرت أن الدعوة ليست إلى مائدة، بل إلى قلب. وأن الرفض سيكون تفريطًا في نعمةٍ لا تتكرر.

دخلت البيت قبيل المغرب بلحظات، فاستقبلتني سكينةٌ لا تُشترى. بيوتٌ قليلةٌ تلك التي ما إن تعبر عتبتها حتى تشعر أن الملائكة سبقتك إليها. كان في المكان هدوءٌ شفيف، ترتيبٌ لا صخب فيه، وابتسامةٌ صادقة من الحبيب رائد نيابة عن والدته، التي أدارت تفاصيل المائدة بمهارةٍ عالية، كأنها تقود أوركسترا خفية، تعرف متى يدخل كل طبق، ومتى ينسحب كل إناء، دون أن يشعر أحدٌ بثقل الحركة أو ضجيج الترتيب.

ومع أذان المغرب، جاءت المائدة الأولى. تمرٌ محشوٌّ بالزبدة وحبة البركة، لم يكن تمرًا فحسب، بل رسالة: “ابدأوا بالبساطة التي فيها بركة.” إلى جواره عصير البرتقال الطازج بلونه الذهبي، وكأن الشمس نفسها حضرت لتصافح الصائمين، وفنجان قهوة عربية يعلن أن للضيف مكانةً لا تُساوَم. كان الإفطار الأول خفيفًا، رقيقًا، كأنه تمهيدٌ لقصيدة طويلة.

ثم قمنا إلى صلاة المغرب. قرأ الإمام سورة التين، ثم سورة العصر. ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾… كأنها تذكيرٌ بأن البركة تسكن الأشياء البسيطة.﴿وَالْعَصْرِ﴾… كأنها وصيةٌ بأن الوقت رأس المال، وأن مثل هذه اللقاءات هي ربح العمر. شعرتُ أن القراءة لم تكن صدفة، بل اصطفاء. أن الله يهمس لنا: احفظوا هذا المشهد، فليس كل بيتٍ يُقرأ فيه القرآن بهذا الصفاء، وليس كل جمعٍ يلتف حول المائدة بروحٍ واحدة.

عدنا إلى المائدة الثانية… وهنا بدأت الحكاية الكبرى.

صينية الأرز الأصفر بالمكسرات تتصدر المشهد، تعلوها بطةٌ محمرة، كأنها تاجٌ فوق عرشٍ من الذهب. إلى جوارها طاجن لحم بالصلصة، يرسل بخاره رسالةً لا تحتاج إلى ترجمة. طبق أرنب، وطبق بانيه دجاج محمر، وطاجن ثريد باللحم – يسميه أهل الخليج “تشريبة” – أصيلٌ في جذوره، عابرٌ للحدود في روحه.

كانت المائدة خليطًا بديعًا بين مصر والخليج، بين الريف والنخلة، بين النيل والبحر. أطباق سلطة خليطة بالخضروات، ألوانها لوحة فنية لا تُوصف، الأخضر يجاور الأحمر، والأصفر يتسلل بخفة، وكأن الطبيعة أرسلت توقيعها الخاص. سمبوسةٌ مقرمشة، طبق مخلل مصري يعيدك فورًا إلى موائد الجدات، ومصقعة “دولية” كما أحب أن أسميها، تجمع بين النكهة المصرية واللمسة العالمية، يحيط بها الفلفل الأحمر والأخضر كإطارٍ فنيٍّ لعملٍ إبداعي.

ثم المحشي… يا له من محشي!
عنبٌ وكرنب، يتوسطهما الفلفل، مصطفٌّ في نظامٍ بديع، كأنه عقدٌ من اللؤلؤ الأخضر. وأطباق الملوخية الخضراء، تلك التي لا يفهم سرّها إلا من تربّى على رائحتها. كانت تُسكب بحب، ويُقال لك: “زد… البركة في الزيادة.” وشوربة لسان العصفور بقطع الدجاج، خفيفةٌ على القلب، عميقةٌ في الطعم.

وما أجمل تلك اللحظة حين طلبنا خبزًا مصريًا مقرمشًا… فجاءنا على المائدة دون طلب. هنا فقط تفهم معنى الكرم الحقيقي: أن يُلبّى احتياجك قبل أن تُتمّ عبارتك. طبق خضار مشكل من القرنبيط والكوسة والجزر الأصفر، مطهوٌّ بعناية، كأن كل قطعة فيه تقول: “أنا لم آتِ صدفة، بل عن قصد.”

حقًا… كانت كل مائدةٍ طبقًا، وكل طبقٍ مائدة. لم يكن الطعام وفيرًا فحسب، بل كان مُتقنًا. والإتقان في الطعام لغة حب. أن تتعب لأجل ضيفك، أن تختار بعناية، أن تضع لمستك الخاصة، هذا ليس ترفًا، بل عبادة. مشروبات اللبن والماء توزعت برفق، كأنها حراس التوازن. لا إفراط ولا تفريط. كل شيء في مكانه، كل تفصيل محسوب، دون أن يُشعرك أحدٌ أنه محسوب.

ثم جاءت المائدة الثالثة…
الشاي برائحته الدافئة، كنافةٌ ذهبية تتلألأ تحت الضوء، قطايف محشوة بحنان، وقطع بطيخٍ حمراء كأنها قلوبٌ مفتوحة، وعصيرٌ بارد يطفئ ما تبقى من عطش النهار.

لكن، هل كانت الحكاية حكاية طعام؟ أبدًا. كانت حكاية حنين.
حنينٌ إلى مصر التي تسكننا ولو ابتعدنا عنها آلاف الأميال. حنينٌ إلى الريف حين يكون نظيف القلب، واسع اليد، بسيط الترتيب، عميق المعنى. في تلك الليلة، شعرت أن الدوحة احتضنت قريةً كاملة. أن البيوت يمكن أن تهاجر، لكن القيم لا تهاجر.

محمد عبد الرحمن أبو مازن لم يدعُنا إلى إفطار، بل دعانا إلى ذاكرة. وأم رائد لم تطهُ الطعام، بل نسجت خيوط مودة بين القلوب. هناك بيوتٌ تُشبِع المعدة، وهناك بيوتٌ تُشبِع الروح. وهذا البيت أشبع الاثنين معًا.

جلست أتأمل الوجوه بعد الإفطار. لا أحد مستعجل. لا أحد ينظر إلى ساعته. كأن الزمن احترم المكان فتباطأ. ضحكاتٌ خفيفة، دعواتٌ صادقة، وأحاديثُ لا تتكلف. هنا فقط تفهم أن السكينة ليست غياب الضجيج، بل حضور الطمأنينة.

يا أهل هذا البيت الكريم…
جزاكم الله عنا خير الجزاء.
جعل الله بيوتكم عامرةً بالقرآن كما عَمُرت تلك الليلة بسورة التين والعصر.
بارك لكم في أرزاقكم كما باركتم لنا في طعامكم. أدام عليكم الصحة والعافية، وكتب لكم من الأجر بقدر كل لقمةٍ وُضعت بمحبة، وكل دعوةٍ خرجت من قلبٍ صادق. اللهم كما جمعتنا على مائدةٍ في الدنيا، فاجمعهم على موائد الكرامة في الجنة. اللهم احفظ محمد عبدالرحمن أبو مازن وأم رائد، وأهل بيتهم، وألبسهم لباس السكينة الذي شعرنا به لحظة دخولنا. اللهم ارزقهم من حيث لا يحتسبون، وبارك لهم في أولادهم وأعمارهم وأوقاتهم، واجعل بيتهم بيتًا يُذكر فيه اسمك، وتتنزل عليه رحماتك.

وفي ختام تلك الليلة، أدركت أن الكرم ليس وفرة أطباق، بل وفرة قلب. وأن الريف المصري، حين يُحمل في الصدور، يمكن أن يزهر في أي أرض. وأن الدوحة، تلك الليلة، لم تكن مدينةً خليجية فحسب، بل كانت ضفةً أخرى من ضفاف النيل.

خرجتُ من البيت وأنا ممتلئ…
لا بالطعام فقط، بل بمعنى أن الخير ما زال بخير، وأن الناس الطيبين لا ينقرضون، وأن الدعوة الصادقة قد تغيّر يومًا كاملًا، وربما عمرًا بأكمله. سلامٌ على مائدةٍ أعادت ترتيب الحنين في قلبي. سلامٌ على بيتٍ إذا دخلته شعرت أن الله قد سبَقك إليه. وسلامٌ على رمضان… حين يُترجم في أفعال أهله، لا في كلماتهم فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top