حين تعجز الكلمات… وتتكفّل القلوب بالشرح

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

كم في القلوب مشاعر، لو سُئلت الكلمات أن تحملها لانكسرت تحت ثقلها. وكم من لحظةٍ كان الصمت فيها أبلغ من الخطب، والحضور أصدق من ألف بيان. ليست كل الحقائق قابلة للقول، ولا كل المعاني قابلة للتأليف، بعضها لا يُدرَك إلا إذا جلس إنسانٌ إلى جوار إنسان، دون منصّة، دون لافتة، دون صوتٍ أعلى من نبض القلب. في تلك المساحة الخفيّة، حيث تتراجع اللغة ويتقدّم الوجدان، تولد القيادة الحقيقية. لا تلك التي تُدرّس في القاعات، ولا التي تُقاس بالمؤشرات، بل التي تُختبَر ساعة الانكسار.

وهم الخطاب… وحقيقة الحضور

علّمونا طويلًا أن القيادة فن الخطاب، أن القائد هو من يحسن ترتيب الجمل، وضبط النبرة، وقراءة الوجوه. لكن أحدًا لم يخبرنا ماذا يفعل القائد حين ينهار أحدهم، حين لا تعود الجمل نافعة، وحين تصبح النصيحة عبئًا، وحين يكون المطلوب شيئًا واحدًا فقط: ألا يكون المنكسر وحده. القلوب لا تُجبر بحسن الخطاب، بل بحسن الحضور ساعة الانكسار. قد تقف خطيبًا فتصفّق لك الصفوف، وقد تجلس صامتًا في آخر الغرفة فيطمئن قلبٌ واحد، والثانية… هي القيادة.

مشهد لا يُنسى

لم يكن في الغرفة شيء يدل على “قيادة”. لا مكتب فخم، لا صور، لا ألقاب. كان هناك إنسانٌ أطرق رأسه، كأن العالم ضاق فجأة. دخل عليه من يُفترض أنه “قائد”، لم يبدأ بالسؤال عن الأسباب، لم يقدّم حلولًا، لم يقل: كنتُ قد حذّرتك. جلس فقط. طالت الجلسة. وكان الصمت أثقل من الكلام. بعد وقتٍ غير محسوب، رفع المنكسر رأسه وقال: “ظننتني وحدي.” قال الآخر بهدوء لا يُنسى: “لم تكن.” في تلك اللحظة، انتقلت القيادة من الكتب إلى الواقع.

القيادة التي لا تُرى

ليست كل قيادة مرئية. بعضها يحدث في الممرات، في الزوايا، في الرسائل غير المكتوبة، وفي القرارات التي لا تُنسب لأحد. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لو عثرت بغلة في العراق لسُئلتُ عنها.” لم يقل: أنا القائد، بل قال: أنا المسؤول عن الألم البعيد الذي لا أراه. تلك ليست سلطة… تلك يقظة قلب. وقال نيلسون مانديلا: “القائد الحقيقي هو من يترك الآخرين يشعرون أنهم قادوا أنفسهم.” لأن القيادة ليست دفعًا من الخلف، بل مرافقة من الداخل.

حين تفشل النظريات

في لحظات النجاح، الجميع قادة. وفي مواسم الإنجاز، تتكاثر الأصوات. لكن ساعة الخسارة… تنسحب النظريات واحدة تلو الأخرى، ولا يبقى إلا الإنسان. هناك، تُختبَر القيادة بلا رتوش:

            •   هل تحضر أم تختبئ؟

            •   هل تسمع أم تشرح؟

            •   هل تحتمل الضعف أم تفرّ منه؟

القيادة ليست أن تملك الإجابة، بل أن تتحمّل السؤال مع غيرك.

القائد الذي لا يجرح

كم من جرحٍ أُضيف إلى الجرح باسم “المصلحة العامة”. وكم من إنسانٍ خرج من تجربةٍ إدارية لا لأنه فشل، بل لأنه أُهين وهو يتعثّر. القائد الحقيقي يعرف أن الكرامة ليست مكافأة، بل شرطًا إنسانيًا لا يسقط مع الخطأ. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “أشعر قلبك الرحمة للرعية.” لم يقل: الحزم، لم يقل: الصرامة، بل قال: الرحمة أولًا، لأن ما بعدها يمكن تعلّمه، أما إن ضاعت الرحمة… ضاع الإنسان.

القيادة كأمانة لا كامتياز

القيادة ليست كرسيًا يُرتقى، بل حملٌ يُؤدّى. ليست مساحة للظهور، بل مساحة للاحتواء. القائد الذي ينجح حقًا هو من إذا غاب، قال الناس: “كنا أقوى حين كان بيننا.” لا لأنه كان يوجّه، بل لأنه كان يثبّت القلوب.

خاتمة لا تُغلق… بل تُبقي الباب مفتوحًا

إن أردت تعريفًا أخيرًا للقيادة، فلا تبحث عنه في القواميس. اسأل نفسك سؤالًا واحدًا صادقًا: أين كنتُ حين انكسر من أقود؟ هل كنت حاضرًا… أم كنتُ بليغًا فقط؟ فالبلاغة تُصفَّق لها، أما الحضور… فيسكن في القلوب طويلًا، ويبقى، حتى بعد أن تُنسى كل الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top