|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
يا ربّ…ها نحن نطرق بابك في الليلة الأولى من العشر الأواخر من رمضان، لا نحمل معنا إلا قلوبًا أنهكتها الأيام، وأرواحًا تعلّمت ألا ملجأ لها إلا إليك. جئناك يا ربّ، وقد خفّت أصوات الدنيا في صدورنا، وبقي صوت الرجاء يهمس في أعماقنا: أنك أنت الكريم الذي لا يردّ من قصده، ولا يخيّب من وقف ببابه.
يا الله…هذه ليالٍ قال عنها الصالحون: إنها ليالي العمر، تتقلّب فيها الأقدار، وتُكتب فيها الحكايات التي لا يعلمها إلا أنت، حكايات عبدٍ بكى في السَّحر فبدّلت دمعته قدرًا، وهمسة قلبٍ خافتة ففتحت لها أبواب السماء.
يا ربّ، إن كانت لنا ذنوبٌ أثقلت ظهورنا فنحن بين يدي عفوك، وإن كانت لنا قلوبٌ أنهكها التعب فنحن في ظلال رحمتك. يا واسع الرحمة… اغفر لنا ذنوبًا إن علم بها الناس لانفضّوا عنا، واستر عيوبًا إن انكشفت لضاقت بنا الأرض بما رحبت. اللهم لا تخرج هذه الليالي إلا وقد غسلت قلوبنا من كل ما لا يرضيك، وجعلتنا من الذين إذا ذُكروا في السماء قالت الملائكة: هؤلاء عُتقاء الرحمن.
يا ربّ… كم من عبدٍ كان بيننا العام الماضي ثم سبقنا إليك، وكم من قلبٍ كان يضحك معنا ثم صار تحت التراب ينتظر رحمتك. فاللهم إن كانت هذه الليالي آخر رمضان في أعمارنا، فاجعلها أجمل لقاءٍ بيننا وبينك. واكتب لنا فيها دعوةً تفتح لها أبواب السماء، وتغييرًا في أقدارنا يجعلنا نحمدك ما بقينا.
اللهم ارزقنا فيها قلبًا لا يعود كما كان، قلبًا إذا خرج من رمضان خرج وقد عرفك حق المعرفة، وأحبك حبًا لا يزول. يا ربّ… لا تجعلنا ممن أدركوا العشر الأواخر ثم خرجوا منها كما دخلوا، بل اجعلنا ممن تغيّرت أرواحهم، وانكسرت بين يديك كبرياؤهم، وعرفوا أن السعادة ليست في الدنيا… بل في القرب منك.
اللهم إن كان في هذه الليالي ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر فاجعل لنا فيها نصيبًا من كل خير، واكتب أسماءنا في ديوان المقبولين، وفي سجلّ المرحومين، وفي قافلة المعتوقين من النار. يا الله… إن كان بيننا مريض فالبسه لباس العافية، وإن كان بيننا مهموم فاجعل الفرج طريقه إليك، وإن كان بيننا قلبٌ متعب فاسقه من سكينة قربك حتى يهدأ.
اللهم احفظ بلاد المسلمين، وأدم الأمن والسكينة على أوطانهم، واحفظ أهل الخليج وقطر والكويت وعُمان وسائر بلاد الإسلام، واجعلها ديار طمأنينةٍ وسترٍ ورضا.
يا ربّ… نخرج من هذه المناجاة ولا نعلم هل قُبلت دموعنا أم لا، لكننا نعلم يقينًا أن بابك لا يُغلق، وأن رحمتك أوسع من خطايانا. فلا تحرمنا يا الله لذة الوقوف بين يديك، ولا جمال الرجاء فيك، ولا نور القرب منك. وإذا انقضت هذه الليالي فاكتب لنا أن نكون من الذين إذا ذُكر رمضان بعد عمرٍ طويل قالوا: هناك… في تلك الليالي… تغيّر كل شيء. آمين يا ربّ العالمين.