|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
في مساء الثلاثاء 21 أبريل 2026 – الدوحة، قطر…
في مساءٍ يميل إلى السكون، كأن الدوحة نفسها قررت أن تخفف من ضجيجها احترامًا لموعدٍ لا يشبه المواعيد، جاءت الدعوة من الفاضل محمد عبدالرحمن “أبو مازن”، لا كاقتراحٍ عابر، بل كإصرارٍ لطيفٍ يحمل في داخله يقينًا بأن اللقاء لا يُؤجَّل حين يكون على شرف د. محمود، ضيفًا عزيزًا حلّ على الأرض وفي القلب معًا.
لم يكن في الدعوة مساحة للاعتذار، بل كان فيها ما يشبه يقين الكرام حين يقررون أن اللقاء قدرٌ جميل لا يُستأذن فيه كثيرًا، بل يُلبّى. وفي ذلك المساء، كان الضيف قد مرّ أولًا على المسجد المجاور، حيث سكنت الأرواح عند صلاة المغرب، وتليت آيات الزلزلة والنصر… آياتٌ تهزّ المعنى في الداخل، وتُعيد ترتيب اليقين في القلب قبل أن تُرتَّب الموائد في الخارج. هناك، عند لحظة السجود، بدا كل شيء صغيرًا إلا المعنى…وبدا الإنسان أكبر حين ينحني لله، وأصفى حين يخرج من الصلاة لا يحمل إلا الطمأنينة.
الاستقبال… حيث تبدأ المائدة قبل الطعام
وحين دخلنا، لم يكن الاستقبال كلمات، بل كان ابتسامةً تُشبه فتح بابٍ على ضوءٍ دافئ لا يبهت. ثم جاءت القهوة العربية…كأنها أول إعلان رسمي بأن الزمن هنا له ذوق مختلف.وبجانبها التمر، لكن ليس أي تمر؛ عجوة دائرية مغطاة بجوز الهند، وتمر خلاص مغطى بذوقٍ رفيعٍ لا يُوصف، وكأن الحلوى قررت أن تتكلم لغة الضيافة بدل الطعم فقط.
كانت البداية تقول بهدوء:“هنا لا يُستقبل الضيف… بل يُكرَّم حضوره.”
وقد قيل: “الكرم ليس في الكثرة، بل في أن يُقدَّم الشيء وكأنه خُلق خصيصًا لك.”
المائدة الثانية… هندسة “أم ريم”
ثم جاءت المائدة التي لا تُشبه طاولة، بل تُشبه هندسة شعور.“أم ريم” لم تضع الطعام… بل رسمته.
شوربة لسان العصفور، كأنها حروف دافئة تسبح في صحنٍ من الطمأنينة.
قطع خضروات بالدجاج، كأنها توازن الحياة بين اللون والمعنى.وطاجن اللحم المحمّر يعلو الكوسة، وكأن الفخامة اختارت أن تستقر فوق البساطة لا أن تلغيها.
وصينية محشو ورق العنب والباذنجان… هندسة لا تُشرح، لأنها ببساطة تُرى بالقلب قبل العين.
وأطباق الأرز الأبيض، كصفحات بيضاء تنتظر أن تُكتب عليها لحظات اللقاء. والملوخية الخضراء، كأنها ذاكرة بيتٍ لا يشيخ.
والسلطة لم تكن طبقًا عاديًا، بل كانت بستانًا مصغرًا، كأن الطبيعة قررت أن تحضر بنفسها. أما الباذنجان المخلل، فكان مزيجًا شاميًا ومصريًا وتركيًا، تعلوه لمسة الفلفل الحار المقلي… وكأن الجغرافيا نفسها جلست على المائدة دون استئذان. والخبز المصري المقرمش… كان كأنه شهادة أن البيت حين يعرف ذوق الضيف، يصبح الضيف جزءًا من ذاكرة البيت.
وهنا لم تعد المائدة طعامًا… بل أصبحت سيرة كرم. وقد قيل:“إذا اجتمع الإتقان مع الحب، تحوّل الطعام إلى رسالة لا تُقرأ بالعين بل تُحسّ بالروح.”
حديث رائد… حين يتحول الاسم إلى معنى
وبين اللقمة والابتسامة، دار حديث رقيق مع الصبي “رائد”. عن معنى اسمه، عن دلالاته، عن كيف يمكن للاسم أن يكون قدرًا لطيفًا أو حلمًا مؤجلًا. ثم حدث التحول الجميل… حين قرر أن يختار لنفسه كنية، وكأن الصبي أراد أن يكتب بداية أخرى له داخل هذا اللقاء.كانت لحظة صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في معناها… لحظة تقول إن الإنسان يبدأ حين يعي اسمه، ويكبر حين يختار أثره.
المائدة الثالثة… الفاكهة والسكينة
ثم جاءت المائدة الثالثة، كأنها نغمة هادئة في ختام سيمفونية طويلة.
عصير فراولة طازج، كأنه قطرة فرحٍ في كأس شفاف.طبق فاكهة متنوع، كأن الطبيعة قررت أن تُكمل لوحتها.
القهوة العربية من جديد، والتمر، والشاي… كأن الختام لا يريد أن ينتهي بل أن يطول.ثم جاءت اللحظة التي تُكتب في الذاكرة لا في الوقت…
أم علي في الطاجن الفخار، كأنها توقيع البيت الأخير على مائدة لا تُنسى.
وما أجمل الختام حين أعلن رائد كنيته الجديدة: “أبو علي”…كأن الاسم لم يُختَر بل وُلد في تلك اللحظة.
الدعاء… حين تُختم الموائد بالسماء
وفي لحظة صفاءٍ لا تُشترى، ارتفع الدعاء، لا ككلمات بل كامتداد للمشهد كله: اللهم احفظ أبا مازن، وبارك في قلبه وبيته وعمره، واجعل كرمه أثرًا لا ينقطع، وفضله نورًا لا يخبو. اللهم بارك في “أم ريم”، واجعل يدها عامرة بالخير كما كانت هذه المائدة عامرة بالإبداع.اللهم احفظ “ريم”، وبارك في “رزان”، واجعل في حياتهم سعةً من الخير لا تضيق.اللهم بارك في “أبو علي”، واجعل له من اسمه نصيبًا من الرشد والرفعة والبركة.
اللهم اجعل هذا البيت عامرًا بالسكينة، لا ينقطع عنه الأنس، ولا يغيب عنه الخير، ولا يزول عنه الود.
واجعل من هذا اللقاء أثرًا ممتدًا لا ينتهي بانتهاء الجلسة، بل يبقى في القلوب كما تبقى الرائحة الطيبة بعد مرور أصحابها.
ختام لا يُغلق الباب
لم تكن تلك مائدة طعام…بل كانت مائدة معنى.مائدة تُعيد تعريف الكرم، لا بوصفه تقديمًا، بل بوصفه حضورًا إنسانيًا نادرًا، يترك في النفس أثرًا لا يُمحى. وإن حضرها الحكماء، لقال أحدهم: “هنا لم يُدعَ الناس إلى طعام، بل دُعيت الأرواح إلى طمأنينة.”وهكذا انتهت الليلة…
لكنها في الحقيقة لم تنتهِ، بل بقيت تمشي في الذاكرة، كأنها تقول: إن بعض اللقاءات لا تُغلق… بل تُصبح جزءًا من الإنسان.