ليلة سحور في رمضان… حين دفع الصديق الحساب ومضى صامتًا

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

كانت الساعة تميل إلى السكون بعد صلاة التراويح من ليلة السابع عشر من رمضان 1447هـ، الموافق 6 مارس 2026. الليل الرمضاني في تلك الساعة له طعم خاص؛ الشوارع تهدأ قليلاً، لكن القلوب تبقى يقظة، كأنها ما زالت تمشي في أثر الركعات والدعوات التي ارتفعت قبل قليل إلى السماء.

كنت قد عدت لتوي إلى مقر إقامتي. في القلب شيء من سكينة التراويح، وفي النفس شوق إلى فنجان قهوة هادئ يرافقه تأمل قصير في يومٍ مضى من أيام رمضان المباركة. وما إن وضعت هاتفي على الطاولة حتى رنّ فجأة، رنّة خفيفة لكنها في مثل هذا الوقت لا تأتي عادة إلا من صديق قريب. رفعت الهاتف، فإذا بصوت صديق عزيز يحمل في نبرته تلك الألفة التي لا تحتاج إلى مقدمات. قال ضاحكًا: “عدت من التراويح؟ نحن في الطريق، أنا وصديق معي، ونفكر أن نشرب قهوة معك إن كنت وصلت.”

قلت له فورًا، بلهجة امتنان صادقة: “حالا وصلت… يا مرحبًا.” ثم أضفت مازحًا، كما يفعل الأصدقاء حين يختصر المزاح مسافات المحبة: “نرحب بأبي بكر وعمر.” ضحك ضحكة صافية وقال: “نحن في الطريق.” أغلقت الهاتف وأنا أشعر أن الليل صار أدفأ. فالأصدقاء في رمضان ليسوا مجرد زوار؛ إنهم امتداد لذاكرة قديمة، حيث كانت البيوت تُفتح بعد التراويح بلا موعد، وتصبح القهوة والتمر عذرًا للحديث أكثر من كونها ضيافة.

لم تمض دقائق حتى وصل الصديقان. كان الليل هادئًا، لكن دخولهما حمل معه حياة صغيرة. أحدهما يحمل كيسًا بيده، والآخر يبتسم كأنهما جاءا بمفاجأة بسيطة. جلست أرحب بهما، فبادرني صديقي قائلاً: “جئنا بشيء خفيف للسحور.” فتحت الكيس فإذا فيه طبق من الحواوشي الساخن، ومعه طاجن حلوى أم علي تفوح منه رائحة اللبن والمكسرات. قلت ضاحكًا: “لا تأتون إلا وأنتم تحملون مائدتكم معكم!” فقال ببساطة صادقة: “شيء خفيف للسحور… نحن لا نعرف كيف نصنع شيئًا يليق بك.” ثم أضاف وهو يشير إلى الرفيق الآخر: “ثم إن صاحبنا العزيز هنا لم يترك لنا فرصة أن نقدم شيئًا في مرات سابقة.” كانت كلمات عابرة، لكنها تحمل تلك الروح التي لا تُشترى. روح الأصدقاء الذين لا يقيسون العلاقة بما يقدمونه أو يُقدم لهم، بل بما يسكن القلوب من مودة صافية. جلسنا، وبدأ الليل يفتح أبوابه للحديث. القهوة أمامنا، والحواوشي الساخن يوزع رائحته في المكان، وطاجن أم علي يلمع كأنه قطعة من ذاكرة مصرية قديمة جاءت لتشاركنا السحور. في مثل هذه اللحظات لا يحتاج الحديث إلى ترتيب. ينتقل من موضوع إلى آخر كما تنتقل أنفاس الليل بين نسيم وسكون.

 تحدثنا عن رمضان… عن أيامه التي تمر سريعًا رغم أننا ننتظرها عامًا كاملًا. وعن الليالي التي كانت في طفولتنا أطول وأكثر دفئًا، حين كان صوت القرآن يخرج من البيوت كما يخرج الضوء من النوافذ. تحدثنا عن ذكريات المساجد، وعن أصوات القراء الذين كانوا يملؤون الليل خشوعًا. ومرّ في الحديث اسم القارئ الصومالي العذب عبد الرشيد صوفي، ذلك الصوت الذي حين يقرأ تشعر أن الآيات تسير في القلب قبل أن تصل إلى الأذن. ثم ذكرنا القارئ المصري أحمد كاسب، وكيف أن بعض الأصوات تصبح جزءًا من ذاكرة رمضان نفسها؛ فإذا سمعتها عاد إليك زمن كامل من الخشوع والطمأنينة.

كان الحديث ينتقل بين الماضي والحاضر كما تنتقل الموجات الهادئة في بحر ساكن. نتذكر ختمات القرآن في المساجد القديمة، والليالي التي كنا نقف فيها خلف الأئمة حتى يثقل الوقوف، لكن القلوب لا تشعر بالتعب. وبين رشفة قهوة وأخرى، كنا نضحك أحيانًا على تفاصيل صغيرة: كيف كان السحور قديمًا بسيطًا لكنه ممتلئ بالبركة، وكيف أصبحت الموائد اليوم أكبر لكن الوقت فيها أقل. قال أحدهم فجأة: “رمضان الحقيقي هو هذا… أن نجلس هكذا بلا موعد.” هززت رأسي موافقًا. فبعض اللحظات الصغيرة تختصر معنى الشهر كله. مرّ الوقت سريعًا، كما يحدث دائمًا حين يجتمع الأصدقاء على حديث صادق.

ولما اقترب الليل من نهايته، وقف الصديقان يستعدان للمغادرة. صافحاني بحرارة، ودعوت لهما كما يدعو الإنسان لمن يحب: “حفظكما الله، وبارك فيكما وفي أهليكما.” ابتسما، وقال أحدهما: “نلتقي قريبًا بإذن الله.” خرجَا كما جاءا… بهدوء بسيط، تاركين خلفهما رائحة قهوة ودفء حديث. أغلقت الباب وعدت إلى غرفتي، ولم يخطر ببالي أن تلك الليلة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.

في اليوم التالي، وبعد صلاة الظهر، تذكرت أن عليّ أن أذهب إلى مكتب الاستقبال في مقر الإقامة لأدفع رسوم تمديد الإقامة. نزلت بهدوء، وفي ذهني حسابات بسيطة عن الإجراء المعتاد. تقدمت إلى الموظف، وقلت له إنني أريد دفع رسوم التمديد. نظر إلى الشاشة أمامه قليلًا، ثم رفع رأسه نحوي قائلاً: “الإقامة ممددة بالفعل… ومدفوعة.” ظننت أنه ربما التبس عليه الأمر. قلت له: “مدفوعة؟ من قام بالدفع؟” أعاد النظر في الجهاز، ثم قال بعد لحظة: “تم الدفع ليلة أمس.” سألته مرة أخرى، وأنا أحاول أن أفهم: “أي وقت تحديدًا؟” نظر إلى الشاشة بدقة، ثم قال: “في نفس توقيت الأمس تقريبًا… بعد منتصف الليل.”

توقفت الكلمات في حلقي لحظة. ذلك كان تقريبًا الوقت نفسه الذي غادر فيه الصديقان بعد السحور. خرجت من الاستقبال وأنا أشعر بابتسامة صامتة تتسلل إلى قلبي. لم أحتج إلى سؤال آخر. فبعض الأفعال تعرف أصحابها دون توقيع. في تلك اللحظة أدركت أن أجمل المعروف هو الذي يُفعل بصمت. ذلك المعروف الذي لا يُعلن عنه صاحبه، ولا ينتظر عليه شكرًا.

الأصدقاء الحقيقيون لا يكثرون الحديث عن الوفاء… لكنهم يتركونه يمشي في حياتك بهدوء، كما تمشي النسائم في ليل رمضان. عدت إلى غرفتي، وجلست لحظة أفكر في تلك الليلة. مكالمة بسيطة بعد التراويح، قهوة وسحور خفيف، حديث عن رمضان وذكرياته… ثم فعل صغير خفيّ، ترك أثرًا كبيرًا في القلب. ابتسمت لنفسي، وقلت في سري: ما أجمل أن يعيش الإنسان بين أصدقاء يجعلون الحياة أكثر لطفًا مما هي عليه. ففي هذا العالم الصاخب، قد لا نتذكر كل الكلمات التي قيلت… لكننا نتذكر دائمًا الأفعال التي جاءت في صمت. وكم هو جميل أن ينتهي يوم من أيام رمضان بهذا الدرس البسيط: أن الصداقة الحقيقية تشبه الدعاء… تُرفع في الخفاء، لكن أثرها يصل إلى القلب بوضوح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top