يا حنون على عبادك يا رب… الدعاء الذي بقي بعد رحيل صاحبه

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

بعض الناس يرحلون وتبقى صورهم. وبعضهم يرحلون وتبقى أصواتهم. وبعضهم يرحلون وتبقى مواقفهم. لكن القليل جدًا من الناس يرحلون وتبقى جملة واحدة منهم، تكبر كلما تقدمت بنا السنون، وتزداد وضوحًا كلما ازدادت الحياة تعقيدًا، حتى تصبح مع الأيام أشبه بمصباح يضيء الطريق كلما اشتد الظلام. وأبي ـ رحمه الله ـ كان واحدًا من هؤلاء. لم يكن خطيبًا مشهورًا. ولم يكن صاحب مؤلفات تملأ المكتبات. ولم يكن ممن تتناقل الصحف أخبارهم. كان رجلًا من أولئك الذين يعبرون الحياة بهدوء، لكنهم يتركون في القلوب ما لا تتركه الضوضاء.

ومن بين أشياء كثيرة تركها لنا، بقي شيء واحد يرفض أن يغادر الذاكرة. دعاء كان يردده كثيرًا. دعاء لم يكن طويلًا. ولم يكن مزخرفًا بالألفاظ. ولم يكن يحتاج إلى شرح. كان يرفع يديه، أو يهمس به في لحظة تأمل، أو يردده حين تضيق الأمور، أو حتى حين تتسع، ثم يقول: ” يا حنون على عبادك يا رب.” كانت تمر علينا الكلمات يومها كما تمر الكلمات العادية على مسامع الأبناء. لكن الأعمار لها طريقة عجيبة في كشف المعاني المؤجلة. فالعبارات التي لا نفهمها في العشرين، قد نعيش عمرًا كاملًا لنفهمها في الستين.

واليوم، بعد أن غاب أبي، أجدني أعود إلى هذه الجملة أكثر مما أعود إلى كثير من الكتب. ليس لأنها جملة بليغة فحسب. بل لأنها كانت خلاصة رحلة رجل مع الله. لقد أدركت متأخرًا أن الإنسان حين يقترب من نهاية تجاربه، يتوقف عن جمع الكلمات، ويبدأ في اختصار الحياة. وكأن العمر كله يتحول إلى قطرة. والحكمة كلها تتحول إلى جملة. والرحلة كلها تتحول إلى دعاء. وأبي ـ رحمه الله ـ اختصر رحلة عمره كلها في هذه الكلمات الخمس: “يا حنون على عبادك يا رب.”

في صغري كنت أظن أن القوة هي التي تدير العالم. ثم كبرت قليلًا فظننت أن المال هو الذي يغير العالم. ثم تقدمت بي السنون فظننت أن العلم هو الذي يحرك العالم. لكنني كلما تقدمت في العمر اكتشفت شيئًا آخر. أن الله سبحانه لم يبن هذا الكون على القوة وحدها. ولم يبنه على الحسابات وحدها. ولم يبنه على القوانين وحدها. بل بناه على الرحمة. قال أحد الحكماء: ” فإن كُشف للناس لطف الله الخفي في أقدارهم، لذابوا حبًا.”ولعل هذا هو المعنى الذي كان أبي يراه بعين قلبه. فكم من أمر تأخر فكان التأخير رحمة. وكم من باب أُغلق فكان الإغلاق نجاة. وكم من خسارة ظنها الإنسان مصيبة، ثم اكتشف بعد سنوات أنها كانت منحة ترتدي ثوبًا خشنًا.

لقد كان أبي يرى الحنان الإلهي في الأماكن التي لا يراه فيها الناس. يراه في العطاء. ويراه في المنع. يراه في الصحة. ويراه في المرض. يراه في اللقاء. ويراه في الفراق. وكأنه فهم سرًا كبيرًا يغيب عن كثير من البشر: أن الحنان الإلهي لا يعني أن تأتي الأمور كما نريد. بل أن تأتي كما يعلم الله أنها خير لنا. ولذلك فإن أجمل ما في الحنان ليس أنه يمنحك ما تحب. بل أنه يحميك مما لا تعرف.

وقد تأملت قصص الأنبياء طويلًا، فوجدت أن خيط الحنان يمتد فيها جميعًا. كان الحنان حاضرًا مع موسى عليه السلام وهو طفل في اليم. وحاضرًا مع يوسف عليه السلام وهو وحيد في البئر. وحاضرًا مع إبراهيم عليه السلام وسط النار. وحاضرًا مع نبينا محمد ﷺ في الغار يوم أحاط الخوف بالطرق كلها. فالحنان الإلهي لا يظهر فقط حين تتغير الظروف. بل يظهر أحيانًا حين يمنحك الله السكينة قبل أن تتغير الظروف. وهذا أعظم. لأن تغيير الواقع نعمة. أما تغيير القلب فمعجزة. وأبي ـ رحمه الله ـ كان يعرف هذه المعاني بالفطرة. لم يكن يشرحها. كان يعيشها. وكانت كلماته القليلة تحمل من اليقين ما تحمله مجلدات كاملة.

ومع مرور السنوات بدأت أكتشف أن أكثر ما أتذكره من الكبار ليس نصائحهم. بل الطريقة التي كانوا يرون بها الحياة. فالوصايا تُنسى. أما الرؤية فتبقى. والكلمات تذوب. أما المعاني فتعيش. ولذلك لم يترك أبي لنا ثروة من المال. لكنه ترك ثروة من الطمأنينة. كلما ضاقت الحياة، أتذكر صوته. كلما ازدحمت الأسئلة، أتذكر صوته. كلما وقفت أمام أمر لا أفهم حكمته، أتذكر صوته. وكلما رأيت قسوة العالم، أتذكر صوته. فالعالم اليوم متخم بالقوة. ومتخم بالسرعة. ومتخم بالمنافسة. لكنه متعطش إلى الحنان.

الناس يركضون خلف النجاح حتى ينسوا الراحة. ويركضون خلف المكاسب حتى ينسوا السكينة. ويركضون خلف المستقبل حتى يفقدوا جمال اللحظة. وفي وسط هذا الضجيج كله، ما زلت أسمع ذلك الدعاء البسيط يخرج من ذاكرة بعيدة: “يا حنون على عبادك يا رب.” فأشعر أن شيئًا من السكينة يعود إلى القلب. وكأن أبي لم يرحل تمامًا. وكأن الدعاء الذي كان يردده ما زال يؤدي مهمته حتى بعد غياب صاحبه.  وهنا أدركت معنى لم أفهمه من قبل: أن بعض الناس لا يتركون أبناءهم حين يموتون. بل يتركون لهم مفاتيح يعبرون بها الحياة. وكان هذا الدعاء أحد تلك المفاتيح. فإذا ضاقت الأبواب، فتح باب الرجاء. وإذا اشتدت الأحزان، فتح باب السكينة. وإذا تعقدت الأسئلة، فتح باب التسليم. وإذا أحاطت بالإنسان قسوة العالم، ذكره أن فوق العالم ربًا حنونًا بعباده.

رحم الله أبي. فما أكثر ما علّمنا بصمته. وما أكثر ما ربّانا بأفعاله. وما أعظم ما تركه لنا في جملة صغيرة ظننا يومًا أنها مجرد دعاء. ثم اكتشفنا أنها كانت فلسفة حياة كاملة. واليوم، كلما عبرت بي الأيام، وكلما رأيت من تقلّبات الدنيا ما رأيت، وكلما أدركت أن الإنسان أضعف من أن يفهم كل شيء، وأصغر من أن يدرك كل الحكمة المختبئة خلف الأقدار، أرفع بصري إلى السماء كما كان يفعل أبي، وأردد في هدوء: “يا حنون على عبادك يا رب.” فلا أجد بعد ذلك عبارة أوسع رجاءً منها. ولا أعمق طمأنينةً منها. ولا أقرب إلى القلب منها. وربما لأن أبي رحل… فإن الدعاء بقي. وربما لأن الجسد غاب… فإن المعنى حضر. وربما لأن الأعمار تنتهي… فإن الكلمات الصادقة لا تموت. تبقى… كما تبقى النجوم البعيدة في السماء. نهتدي بها، وإن غاب أصحابها. ونحبها، وإن لم نعد نراهم. ونمضي في الطريق مطمئنين… لأن هناك في السماء ربًا حنونًا على عباده.


ولعل أبي لم يكن استثناءً في هذه الرحلة، بل كان مثالًا يتكرر في كل بيت. فكل واحد منا له أب، أو كان له أب، أو سيحمل يومًا ذكرى أب. يختلف الشكل… لكن لا يختلف المعنى. فالأب ليس مجرد شخص في الذاكرة، بل هو طبقة من الطمأنينة الأولى في الحياة. وحين يغيب الآباء، لا يغيبون دفعة واحدة… بل تبقى منهم أشياء صغيرة: دعاء، أو نصيحة، أو طريقة نظر إلى السماء. ولذلك فإن الدعاء للآباء ليس وفاءً للماضي فقط، بل هو امتداد للحياة فينا. فهم لا يحتاجون منا الكثير… بقدر ما نحتاج نحن أن نبقيهم أحياء في دعائنا. فـاللهم ارحم آباءنا جميعًا، من رحل منهم ومن بقي، واغفر لهم، واجعل ما تركوه في قلوبنا نورًا لا ينطفئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top