
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في مثل هذا اليوم… لا يُقاس العيد بساعةٍ ولا يُحصر في مكان، بل يُقاس بمدى ما تفيض به القلوب من دفء، وما تحمله الذكريات من حياة. وفي صبيحة عيدٍ جاء هذا العام وأنا خارج البلاد، أدركت-بيقينٍ لا يتزعزع-أن المسافات قد تُباعد الأجساد، لكنها تعجز تمامًا عن أن تُباعد المشاعر.
إلى العزيزة أسماء غريب… وإلى العزيز أحمد الشرقاوي… وإلى الغزالتين شهد، حنين سلامٌ يتقدّم على الكلمات، ويعتذر إن خانته الحروف عن حمل ما في القلب.
لم يكن المشهد مجرد دعوةٍ لإفطار يوم العيد، بل كان وعدًا سُجّل في خواتيم رمضان، وكأن آخر أنفاس الشهر الكريم أرادت أن تُسلّم الأمانة لأول صباحٍ من الفرح. وعدٌ لم يكن عابرًا، بل كان ممهورًا بالحرص، مغموسًا بالود، ومحاطًا بصدقٍ نادر.
وها هي اللحظة تتجسد… صلاة العيد تنقضي، والقلوب ما زالت معلقة بنفحات التكبير، لتأتي المتابعة التي لا تُشبه إلا القلوب الحيّة: “فينك يا عمو… الفلافل ستبرد!” يا الله… ما أرقّ هذا العتاب، وما أدفأ هذا النداء. إنها ليست جملة، بل رسالة حبٍ خالصة، تقول: “مكانك محفوظ… وغيابك لا يمرّ مرورًا عاديًا.”
وفي ذات الوقت، روحٌ أخرى تُكمّل المشهد… أحمد الشرقاوي، لا يكتفي بالانتظار، بل يتهيأ، يراقب، يجهّز موقف السيارة، وكأن التفاصيل الصغيرة عنده هي العنوان الحقيقي للوفاء. قال أحد الحكماء: “العناية بالتفاصيل ليست ترفًا، بل هي لغة الحب التي لا يجيدها إلا الصادقون.” وقد أتقنتما هذه اللغة حتى صارت مشهدًا يُروى.
ثم الاستقبال… ذاك الباب الذي لا يُفتح فقط، بل يُشرّع بما فيه من قلوب. “أهلًا يا أستاذ محمد”… عبارةٌ قد تبدو عادية، لكنها حين تُقال بصدق، تصبح وسامًا يُعلّق في الذاكرة. ثم ذلك المشهد الذي لا يُشترى ولا يُصطنع: تقبيل الرأس، احتفاءً وتوقيرًا، لأم شهد، وشهد، وحنين… هنا فقط، نفهم أن العيد ليس طعامًا ولا لباسًا، بل هو احترامٌ يُعاش، ومحبةٌ تُمارس.
ويبدأ الدفء الحقيقي… شاي الكرك، ليس مجرد شراب، بل مقدمة لرحلة من الألفة، والتمر—كما لو أنه يختصر تاريخًا من البركة. ثم تأتي المائدة… لكنها ليست مائدة، بل حكاية وطنٍ كامل. ماعون الفول… ماعون الفلافل… الجبنة البيضاء… البيض المقلي… المخلل المصري… الخبز المصري… وذلك الماعون المشكّل الذي يحمل في تنوعه رسالة: “الحياة أجمل حين نجتمع رغم اختلافنا.” أما طبق الخضروات… فهنا تتوقف الكلمات قليلًا، احترامًا لذلك الجهد الصامت من الغالية أم شهد. ذاك الغسل، ذاك الإعداد، تلك العناية التي لا يراها كثيرون، لكنها تُحسّ في كل لقمة. قال حكيمٌ: “أعظم الأعمال ما خفي أثره وظهر أثره.” وقد ظهر أثرها… جمالًا، ونقاءً، وصدقًا.
ثم تبدأ طقوس العيد… من يد أم شهد، الكحك، البسكويت، البيتي فور، والتمراية التي لا تقدّم فقط، بل تُضفي على كل شيء روحًا. ومزاحٌ خفيف مع حنين… تلك الضحكة التي تُعيد ترتيب القلب، وتُذكّرنا أن الطفولة ليست عمرًا، بل حالة نقاء، وشهد… تشارك، تبتسم، تُكمل المشهد، كأنها تقول: “الفرح لا يكتمل إلا بنا جميعًا.”
ثم تمتد اللحظة… إلى حيث الأصول، إلى حيث الجذور… مكالمة مع الأحبة الكبار: أستاذي، ومعلمي، وأخي الأكبر… أبو أحمد إسماعيل، وأختي الغالية أم أحمد… وهنا فقط، يُصبح العيد دائرةً مكتملة، تبدأ بالحب، وتعود إليه.
أيها الأحبة… قال أحد الحكماء: “البيت الذي يسكنه الحب، لا يحتاج إلى زينة.” وبيتكم… كان مزينًا بما هو أعظم من كل الزينة: القلوب. وقال آخر: “ليس العيد لمن لبس الجديد، بل لمن جدد الود.” وقد جددتم الود حتى صار درسًا يُكتب، وذكرى تُحفظ، وأثرًا لا يُنسى. ورغم أنني خارج الكويت… إلا أنني أقرب مما يظن المكان. كنت هناك… في الدعوة، في المتابعة، في الفلافل التي “ستبرد”، في موقف السيارة، في الشاي، في الضحكة، في كل تفصيلةٍ صنعت هذا الجمال. لأن القلوب-حين تصدق-تلغي الجغرافيا.
اللهم يا جامع القلوب… اجمعنا دومًا على خيرٍ، وبارك في أسماء، واجعلها كما عهدناها: نبض متابعةٍ لا يفتر، وقلب عطاءٍ لا ينضب. اللهم وبارك في أحمد الشرقاوي، واجعل حرصه في ميزان حسناته، وارزقه سعةً في الصدر، وبركةً في العمر، ونورًا في الدرب. اللهم واحفظهم واجعل كل ما قدّموه نورًا لهم يوم تلقاك، وبارك في صحتهم، وأدم عليهم سعادةً تليق بقلبهم. اللهم واحفظ شهد وحنين، واجعلهما من الصالحات، واملأ قلوبهما فرحًا، وأيامهما توفيقًا، ومستقبلهما نورًا.
اللهم وبارك في أستاذي أبي أحمد إسماعيل، وأختي أم أحمد، وأدم عليهما الصحة والعافية، واجعل وجودهما في حياتنا بركةً لا تزول. اللهم واحفظ في أختي جميلة” زينب” أم أحمد، وأخي جابر ” أبو أحمد ” وبارك لهم في صحتهم وعافيتهم، وبارك في زاهد وزوجه واولاده واعطه حتى ترضيه. اللهم كما جمعتنا على مائدة حب، فاجمعنا في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك، واجعل أعيادنا القادمة أوسع فرحًا، وأقرب لقاءً، وأعمق أثرًا.
ويبقى العيد…ليس في يومٍ يمر، بل في قلوبٍ تُحسن أن تحب.