
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
حضوره في الغياب
حين أفكر في والدي رحمه الله، يخطر ببالي أن بعض الحضور لا يُقاس بالمسافات، وأن بعض الغياب أكثر حيوية من أي حضور مادي. لقد عشت مع الوالد فترة ليست طويلة، بفعل الغربة المبكرة، لكن تأثيره امتد في حياتي كأنني كنت معه طوال العمر. لم يكن حضوره مجرد علاقة أب وابن، بل كان مدرسة كاملة تعلمت فيها كيف يكون الإنسان، كيف يُوثق لحياته وأعماله، وكيف يجعل من كل فعل أثرًا يتجاوز حدود الزمن والمكان. كان يحرص الوالد رحمه الله على توثيق كل صغيرة وكبيرة، حتى التكبير والتهليل والتحميد، بعناية دقيقة، مكتوبة بخط يده، وكأن كل حرف هو شهادة صادقة على حياته. وما زلت أذكر كيف أثرت فيّ تلك الوثائق، وكيف جعلتني أفكر: ما دوافعه؟ لماذا كل هذا الحرص على التوثيق؟
فرض كفاية بين الأجيال
حين سألني صديق عن دوافع الوالد رحمه الله، أدركت أن الإجابة ليست بسيطة، فهي تتجاوز الفضول أو الرغبة في تسجيل الأحداث. كانت دوافعه ربانية، متصلة بالإيمان والواجب الأخلاقي. فالتوثيق عنده لم يكن مجرد كتابة للذكرى، بل كان رسالة للأجيال، وإيذانًا بأن الحياة تمضي سريعًا، وأن القيم والأفعال تحتاج إلى أثر ثابت يمكن العودة إليه. الوالد رحمه الله كان يرى أن كل حركة وكل كلمة، مهما بدت عابرة، تحمل معها درسًا وقيمة، وأنها مسؤولية أمام الله وأمام الناس. كان التوثيق بالنسبة له فرض كفاية، ليس على أبنائه وحدهم، بل على كل من عرفه وعاش معه، ليتعلم كيف يكون الإنسان مؤمنًا مسؤولًا.
من الجودة إلى الحكمة
تعلمت منه الكثير من القيم العملية قبل النظرية. لقد كان صانعًا للتميز، متقنًا لكل تفاصيل العمل، سواء في إجراءات الجودة ISO، أو الحوكمة والمسؤولية المجتمعية، أو الامتثال الرقابي. قبل أن أقرأ عن هذه المفاهيم، كنت أراها حيّة في تصرفاته اليومية، في احترامه للآخرين، في توثيقه لكل عمل، وفي حرصه على أن يكون لكل فعل أثرٌ طويل الأمد. لقد جعلني الوالد أرى أن كل مؤسسة، مهما كانت صغيرة أو كبيرة، يمكن أن تعيش روحًا ربانية إذا توفرت فيها القيم الصحيحة، مثل النزاهة، والشفافية، والحرص على الجودة، والمسؤولية تجاه المجتمع. وكانت حياته شهادة على ذلك: كل تفاصيلها متقنة، وكل أثرٍ فيها له قيمة لا تُنسى.
الكتابة تكريم للأثر
قد يسأل البعض لماذا أكتب عن الوالد أكثر من باقي الإخوة؟ الحقيقة أن الكتابة ليست تفضيلًا، بل إكرام للأثر الذي تركه في قلبي وحياتي. كل كتابة هي محاولة لفهم ما تركه وراءه، ولتخليد ما علمه دون أن يتقيد بزمان أو مكان. الوالد لم يترك لي مجالًا للاعتماد على الذاكرة وحدها، فقد أحاطني بكل ما يحتاجه القلب والعقل لفهمه. الكتابة عن والدٍ كهذا ليست مجاملة، بل واجب وامتنان، وفرصة لتسليم القيم التي زرعها فينا للآخرين، لتبقى أحياءً بعد غيابه، وتلهم من يعيشون بعده.
الأساس والضوء
ليس التوثيق وحده ما يجعل الإنسان خالدًا، بل الأخلاق العالية والقدوة الصالحة. والدي رحمه الله كان نموذجًا حيًا، يعيش القيم قبل أن ينطق بها. التواضع، والصدق، والحرص على الآخرين، والكرم الهادئ، كلها كانت علامات واضحة على إنسانية عظيمة. أتذكر كيف كان الجيران، وحتى الغرباء، يذكرونه بالخير، كيف كان تأثيره يمتد بصمتٍ لكن بعمق. هذا ما يجعلنا نفهم أن التوثيق والكتابة ليست فقط عن المستندات، بل عن الروح التي تعيش بين الناس، وعن أثر الخير الذي يتركه الإنسان بعد رحيله.
أثر والدٍ يضيء الطريق
أربعون عامًا من مسيرتي المهنية، لم أجد يومًا أثر والدي بعيدًا عني. كل خطوة عملتها، كل قرار اتخذته، كل مشروع أسسته، كان فيه من توجيهاته ما يشدني نحو الأفضل. لم يكن يعلمني فقط عن الجودة والحوكمة، بل علمني كيف تكون المسؤولية أكثر من واجب وظيفي، كيف تصبح حياةً كاملة أخلاقًا وأداءً وأثرًا. حين أراجع ذكرياته، أشعر أن كل شهادة، وكل تقرير، وكل قرار احتوى على جزء من حكمته، على بصمته التي لا تزول. وكل ذلك كان مكتوبًا بخط يده، موثقًا بعناية، ليبقى دليلًا للأجيال، وليس مجرد روتين مكتبي.
من الوداع إلى التقدير
رحيل الوالد رحمه الله لم يكن نهاية حضور، بل بداية مرحلة أخرى من التعلم: التأمل في أثره، والمضي في الحياة وفق ما غرسه فينا. لقد علمني أن التوثيق ليس مجرد كتابة، بل فن الحفاظ على الأثر، وأن كل فعل صغير إذا كان مبنيًا على النية الصالحة، يصبح إرثًا خالدًا. كما علمني أن الولاء والاحترام للوالدين ليس فقط بالكلمات، بل بالأفعال، بالكتابة، بالحفظ للأثر، وبالمشاركة في نقل التجربة إلى الآخرين.
أثر لا يزول
الوالد رحمه الله لم يترك لنا مجرد ذكريات، بل ترك حياة كاملة يمكن أن تُحتذى. التوثيق، الأخلاق، المسؤولية، الجودة، الحوكمة، كل شيء كان جزءًا من رسالته الكبرى: أن الإنسان إذا عاش بقيمه، سيكون أثره خالدًا، وسيظل نورًا للأجيال. واليوم، بعد مرور كل هذه السنوات، أكتب من قلبي، والدموع تنهمر، لأقول: شكراً لك يا والدي، لأنك علمتني أن كل فعل مهما بدا صغيرًا، يمكن أن يكون فرض كفاية إذا ما صيغ بنية صافية، وأن الحياة المؤثرة ليست في المدة، بل في العمق الذي نتركه خلفنا. رحم الله الوالد، وجعل أثره نورًا يُهتدى به، ودرسًا يُتبع، ورسالةً حية لكل من عرفه أو لم يعرفه بعد، ليبقى بيننا مؤسسة ربانية تعيش في كل حركة، وفي كل كلمة، وفي كل قلب أحب الخير كما أحب والديه.