حين عاد المساء يحمل بيتًا كاملًا ليست كل الموائد تُدعى إليها… بعضها ينتظرك في مقر إقامتك

محمد تهامي

محمد تهامي

في رحلة الإنسان، يكتشف أن أعظم ما يربحه ليس كثرة المدن التي زارها، ولا الفنادق التي أقام فيها، ولا البرامج التي أنجزها، وإنما القلوب التي اختارها الله لترافقه في الطريق. فالأسفار تكشف المعادن. والعمل يكشف الأخلاق. أما التفاصيل الصغيرة… فهي التي تكشف عظمة الإنسان.

كان ذلك مساء الإثنين، الثالث عشر من يوليو 2026، في كمبالا بأوغندا. انتهى يومٌ طويل من أيام رحلة التحول المؤسسي، يوم امتلأ بالحوار، والعصف الذهني، والرؤى، ومناقشة مستقبل المؤسسات، وبناء الإنسان قبل بناء الهياكل. خرجنا من مقر البرنامج، وكان يرافقني الفاضل أحمد عيد” أبو حمزة”. كانت المدينة تستعد للمساء، وأخذت الأضواء تنعكس على الطرقات، بينما كان التعب قد بدأ يعلن حضوره بعد ساعات طويلة من العمل.

وفي الطريق إلى الفندق، التفتُ إلى أحمد، وسألت بكل بساطة: “إلى أي اتجاه نذهب للعشاء؟” كان سؤالًا عابرًا… لكنه بالنسبة لي كان يحمل معنى آخر. لم أكن أرغب أن أُثقِل عليه. ولا أن يتحول العشاء إلى ترتيبٍ جديد، أو تكلفةٍ إضافية، أو وقتٍ يُقتطع من راحته. قلت له بهدوء: ” أحب أن يكون الأمر بسيطًا… فلا حاجة لمطعم، ولا أريد أن أشغلك، أو أكلّفك، أو أكلف المؤسسة.”

إن الإنسان كلما تقدم به العمر، أدرك أن أجمل العلاقات ليست تلك التي يكثر فيها البذخ، وإنما تلك التي يقل فيها التكلف حتى يكاد يختفي. فكلما نضجت الأرواح، صارت تبحث عن الصدق قبل المظاهر، وعن راحة المضيف قبل متعة الضيف، وعن المودة التي لا تُثقِل أحدًا. ولطالما ردد أحد الحكماء: “إذا احتجت أن تتكلّف ليَسعد ضيفك، فقد أتعبت المودّة، لأن المودّة الحقيقية لا تُبنى على المشقة، وإنما تُبنى على راحة القلوب.” ابتسم أحمد عيد ابتسامة الواثق الهادئة، ولم يدخل في جدال، ولم يحاول أن يقنعني بكلمات كثيرة، بل قال عبارة قصيرة، لكنها كانت أكبر من كل الشروح: “في شيء بسيط… قامت الفاضلة العروس “أم حمزة” بإعداده، وهو موجود في الفندق.” ثم عاد ينظر إلى الطريق، وكأن الأمر لا يستحق أن يُذكر. أما أنا، فقد بقيت أتأمل تلك الجملة طوال الطريق.

كم هي عظيمة البيوت التي ترى أن “الشيء البسيط” هو أن تُشغل نفسك براحة غيرك! وكم هي راقية النفوس التي تصنع المعروف ثم تصفه بأنه “شيء بسيط”، بينما هو في ميزان القلوب كبير، وفي ميزان الأخلاق أعظم من أن يوصف. لقد أدركت حينها أن أجمل صور الكرم ليست في كثرة ما يُقدَّم، وإنما في الطريقة التي يُقدَّم بها، دون إحراج، ودون إظهار فضل، ودون أن يشعر الضيف أنه حمّل أحدًا فوق طاقته. وقد قال أحد الحكماء: “إذا اعتذر الكريم عن معروفه بأنه شيء يسير، فاعلم أن تواضعه أعظم من عطائه، وأن قلبه أوسع من مائدته.”ومضينا في الطريق… لكنني كنت أعلم أن ما ينتظرني في الفندق ليس وجبة عشاء… بل درس جديد في الذوق، وأدب الضيافة، وجمال النفوس التي تُخفي إحسانها في عبارة عابرة: شيء بسيط.”

وصلت إلى مقر الإقامة. صعدت إلى الغرفة، وأنا أفكر في يومٍ جديد ينتظرنا، وفي محاور البرنامج، وما بقي من أعمال. وما إن فتحت الباب… حتى وجدت حقيبة موضوعة في هدوء. اقتربت منها. ولم أحتج إلى كثير من التفكير. فقد عرفت أن وراءها قلبًا كريمًا. فتحتها… وهنا فقط أدركت أن أحمد لم يذهب إلى مطعم. بل سبقني إلى معنى أجمل. لقد كان العشاء ينتظرني في الفندق. وكأن لسان حاله يقول: ” أردتَ البساطة… فجعلناها تصل إليك دون أن تتحرك.” يا لها من أخلاق… فالكرم الحقيقي لا يجادل صاحبه، ولا يحرجه، ولا يخالف رغبته، بل يبحث عن أجمل الطرق لتحقيقها. وقد قال حكيم من أهل المروءات: “النبيل لا يفرض إحسانه… بل يقدمه بالطريقة التي تحفظ كرامة من أمامه.”

بدأت أفتح الأطباق… وكان أول ما استقبلني… طبق سلطة. لكنها لم تكن سلطة عادية. كانت لوحةً من الألوان، تنبض بالحياة. كأن بستانًا صغيرًا اجتمع في طبق واحد. كل لون فيها يحكي عن عناية. وكل ترتيب فيها يشهد أن من أعدّها لا يرى الطعام مجرد حاجة، بل رسالة ذوق. ثم جاء طبق الأرز الأبيض. بهدوئه الجميل. ونقائه الذي يذكّر بصفحات القلوب الصافية. ثم… طبق البطاطس بالدجاج. وما أدراك ما هذا الطبق. كان من تلك الأطعمة التي لا تحتاج إلى وصف كثير. يكفي أن ترى ترتيبها، حتى تدرك أن وراءها يدًا تعرف كيف تصنع الجمال قبل أن تصنع الطعام. كل قطعة فيه كانت تقول: إن الحب يمكن أن يُقدَّم في طبق. وإن الاهتمام قد يُترجم أحيانًا إلى وجبة ساخنة تصل في الوقت المناسب. وعلمت أن هذه المائدة كانت من إعداد الكريمة… أم حمزة. هنا ازداد المشهد أثرًا في النفس. لأنني كنت أعلم أنها بالأمس، الأحد، كانت تراجع المستشفى. ومع ذلك… لم يمنعها تعبها، ولا انشغالها، ولا ظروفها الصحية، من أن يكون لها نصيب في إدخال السرور على غيرها.

وهنا توقفت طويلًا. وتذكرت قول أحد الحكماء: “ليس الكرم أن تعطي وأنت مرتاح… بل أن تتذكر غيرك وأنت تتألم.” ما أروع هذا المعنى. فبعض الناس يعتذرون عن المعروف لأنهم متعبون. أما أصحاب النفوس الكبيرة… فيصنعون المعروف رغم تعبهم. ولهذا يبقى أثرهم طويلًا. إن البيوت المباركة لا تُعرف بكثرة ما فيها من الأثاث. بل بكثرة ما يخرج منها من خير. وما خرج من بيت أبي حمزة،  وأم حمزة في تلك الليلة لم يكن عشاءً فقط. بل كان رسالة تقول: إن الحياة الجميلة تبدأ حين يتحول الاهتمام إلى عادة، والكرم إلى لغة، والدعاء إلى أسلوب حياة. وقد قال حكيم أفريقي:” البيت الذي يطعم ضيفًا بمحبة… يبني جسرًا لا تهدمه المسافات.” وقال آخر: “الطعام ينتهي بعد ساعة… أما الشعور الذي يرافقه، فقد يبقى عمرًا كاملًا.”

أما الدعاء… فهو أقل ما يمكن أن يُهدى إلى أصحاب هذا المعروف. اللهم بارك للعزيز أحمد عيد، واجعل إحسانه في ميزان حسناته، وأدم عليه نعمة الخلق الكريم، وصفاء القلب، وسعة الرزق، وراحة البال، ووفقه لكل خير في دينه ودنياه. اللهم بارك للفاضلة أم حمزة، واشفها شفاءً تامًا لا يغادر سقمًا، وألبسها لباس الصحة والعافية، واجعل ما أصابها رفعةً لها، وتكفيرًا لذنوبها، وزيادةً في حسناتها. اللهم اجعل بيتهما قائمًا على التقوى، ومبنيًا على السكينة، ومغمورًا بالمودة والرحمة، واجعل بينهما من الألفة ما يزداد مع الأيام، ولا ينقص مع السنين.  اللهم ارزقهما الذرية الصالحة المباركة، التي تكون قرة عين لهما في الدنيا، وذخرًا لهما في الآخرة، واجعل أبناءهما من أهل القرآن، وأهل الأخلاق، وأهل البر، والإحسان. اللهم اجعل بيتهما بيت خير، لا يدخله همٌّ إلا أخرجته، ولا مرض إلا شفيته، ولا ضيق إلا فرجته، ولا دعاء إلا استجبته، وأدم عليهما نعمة الشكر، وجمال العطاء، وبركة المعروف. وفي نهاية ذلك المساء… أدركت أن بعض الناس لا يقدمون الطعام… بل يقدمون الطمأنينة. ولا يحملون إليك مائدة… بل يحملون إليك رسالة صامتة تقول: “ما دام بين الناس من يفكر في راحتك قبل راحته، ويذكرك في زحام يومه، ويصنع المعروف دون أن ينتظر شكرًا… فإن الخير لا يزال بخير، والدنيا لا تزال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top