يومٌ من أيام الرحمة… حين قالت لافتة: “زمن الخير… دولة قطر”

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

في كمبالا… حيث تحولت دموع المتضررين إلى دعواتٍ تصعد إلى السماء

هناك مشاهد لا تُحكى… بل تُروى بالقلب قبل اللسان. مشاهد حين تراها تشعر أن بين الأرض والسماء موعدًا قد كُتب، وأن الله ساقك إليها لتشهد كيف يمكن للرحمة أن يكون لها صوت، وللعطاء أن يكون له وجه، وللخير أن يتحول إلى حياةٍ تُزرع في قلوب المتعبين.

كان ذلك اليوم في كمبالا – أوغندا- الجمعة السابع عشر من يوليو 2026، حيث التقت الأيدي البيضاء بالقلوب المتعبة، وحيث وقفت أمامنا أسرٌ سودانية حملت فوق أكتافها أثقال الغربة، وذاقت مرارة الفقد والاحتياج، لكنها بقيت تحمل في عيونها شيئًا لا يُهزم: الأمل. وعلى المكان ارتفعت لافتة تحمل كلماتٍ ليست كغيرها: “زمن الخير… دولة قطر”

لم تكن اللافتة مجرد تعريفٍ بمصدر العطاء… بل كانت رسالة حبٍ من أرضٍ عُرفت أن الخير فيها ليس موسمًا عابرًا، بل قيمة راسخة، وأن الإنسان حين يحتاج يجد من يمد له اليد قبل أن يطلب. كانت تلك الكلمات تختصر قصة وطنٍ جعل من العطاء جسرًا يصل بين القلوب، ومن الإحسان لغةً يفهمها كل إنسان مهما اختلفت أرضه ولسانه.

حين تبكي العين قبل أن تمتد اليد

كنت أراقب المشهد… وكان أكثر ما يؤلم القلب ليس الفقر وحده… بل آثار الأيام الصعبة على الوجوه. أمهات يحملن همّ أطفالهن. نساءٌ يحاولن أن يخفين وجعهن خلف ابتسامةٍ خجولة. أسرٌ فقدت الكثير، لكنها لم تفقد رجاءها بالله. وفي تلك اللحظات أدركت أن أعظم ما تقدمه الصدقة ليس ما تحمله السلة من طعام… بل ما تحمله من رسالة: أن هناك من يشعر بكم. وهذه الرسالة بالذات تصل إلى قلب المرأة أكثر من غيرها، لأن المرأة تعرف معنى أن تقلق على بيتها، وأن تحمل همّ أسرتها، وأن تنام وهي تفكر: ماذا سيكون غدًا؟ ولهذا فإن كل امرأةٍ ترى هذا المشهد لا ترى سلةً غذائية فقط… بل ترى أمًا تشبهها. وترى طفلًا يمكن أن يكون طفلها. وترى بيتًا ينتظر فرج الله.

حين يصبح العطاء حياة

بدأ توزيع السلال… لكن المشهد لم يكن توزيعًا تقليديًا. كان احترامًا قبل أن يكون إعطاء. وترتيبًا قبل أن يكون تسليمًا. فكل سلة كانت تحمل معنى: أن الخير الذي خرج من قلبٍ كريم، وصل بطريقةٍ تحفظ كرامة من أخذه. لم تكن المواد الغذائية مجرد احتياجات يومية… بل كانت رسالة أمان. أن هذه الأسرة ستنام الليلة وهي أكثر اطمئنانًا. أن طفلًا سيجد ما يأكله. أن أمًا ستشعر أن الدنيا لم تُغلق أبوابها. وكما قال جبران خليل جبران: “ليس العطاء أن تمنح مما تملك فقط، بل أن تمنح من ذاتك.” وهذا هو سر العطاء العظيم… أنه لا يُقاس بما يخرج من اليد، بل بما يتركه في القلب.

زمن الخير… حين تتحدث المؤسسات بلغة الرحمة

إن المؤسسات الإنسانية العظيمة لا تُعرف فقط بحجم مشاريعها، بل بقدرتها على الوصول إلى الإنسان في لحظة ضعفه. فالعمل الخيري ليس نقل مواد من مكان إلى مكان… بل نقل أمل من قلب إلى قلب. وحين تجتمع زمن الخير، والمؤسسة المنفذة، والفريق الميداني، والمجتمع المستفيد، تتشكل أعظم صور الشراكة الإنسانية. وقد قال بيتر دركر: “المنظمات العظيمة لا تُقاس بما تفعله فقط، بل بالأثر الذي تتركه بعد أن ترحل.” وهذا ما رأيناه… أثرًا سيبقى في ذاكرة الأسر قبل أن يبقى في الصور.

دعاءٌ عند الغروب

ومع اقتراب غروب شمس ذلك اليوم… كان المشهد الأخير هو الأجمل. وقف عبد الرحمن ليجمع القلوب على الدعاء، لا ليُنهي فعالية، بل ليختم رسالة. رفع يديه إلى الرحمن الرحيم وقال: اللهم ارحم واغفر للوالد الأمير حمد بن خليفة آل ثاني، واجزه عن الخير الذي امتد أثره في الأرض خير الجزاء. اللهم احفظ دولة قطر، وأدم عليها نعمة الأمن والعافية، وبارك في أهلها، واجعل الخير فيهم ممتدًا جيلاً بعد جيل. اللهم بارك لكل من ساهم، ولكل يدٍ امتدت بالعطاء، ولكل قلبٍ حمل همّ المحتاجين. اللهم اجعل “زمن الخير” زمنًا دائمًا، وافتح به أبواب الرحمة على المتضررين، وأبدل خوفهم أمنًا، وحزنهم فرحًا، وحاجتهم فرجًا. ثم خرجت من أفواه المستفيدين كلمة واحدة… آمين. لكنها لم تكن آمين عادية…

 كانت آمين امرأةٍ أرهقها الطريق. آمين أمٍ تخاف على أطفالها. آمين قلبٍ وجد من يسمعه. آمين خرجت من وجعٍ صادق، فصعدت إلى السماء برجاءٍ عظيم. وهنا… يفهم الإنسان أن أجمل ما يمكن أن تتركه الصدقة ليس أثرها في اليد… بل أثرها في الدعاء. فرب دعوةٍ خرجت من قلبٍ مكسور، كانت عند الله أعظم من كل ما قُدم. وهكذا بقيت لافتة: “زمن الخير… دولة قطر” ليست مجرد كلمات على مكان… بل شهادة على أن الخير حين يسكن وطنًا، يصبح رسالة. وحين يسكن القلوب، يصبح نورًا. وحين يصل إلى المحتاجين بكرامة، يصبح أثرًا لا يغيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top