يومٌ لا يُنسى من أيام الله – حين اكتمل معنى الشراكة… فكانت الكيكة رسالة قبل أن تكون مناسبة

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

الجمعة 17 يوليو 2026… يوم الإغاثة والتحول والوفاء الإنساني

هناك أيامٌ لا تنتهي بانتهاء أحداثها… بل تبقى حاضرةً في الذاكرة، لأن الله جمع فيها من المعاني ما يجعلها أكبر من مجرد تاريخٍ في التقويم. كان يوم الجمعة… السابع عشر من يوليو 2026. يومًا بدأ برسالة إنسانية عظيمة، وانتهى برسالةٍ إنسانية أعمق. بدأناه بين وجوه المتضررين، نحمل مسؤولية الأمانة، ونشهد كيف يمكن للمؤسسة حين تُحسن رسالتها أن تكون جسرًا بين قلبٍ معطاء وقلبٍ محتاج. كان يومًا من أيام الإغاثة… لكنه كان في جوهره يومًا من أيام الرحمة.

وبين تفاصيل العمل، عرف فريق جاست هيومان أوغندا أن هذا اليوم يحمل مناسبة خاصة؛ ذكرى ميلادٍ وافقت ذلك اليوم. لم يكن الأمر محور اهتمام… فالمشهد كان أكبر. كانت الأولوية للإنسان المحتاج، وللأمانة التي بين أيدينا، وللرسالة التي اجتمعنا من أجلها. فبعد انتهاء برنامج الإغاثة، عدنا إلى الفندق لنكمل مشوارًا آخر من مشوار البناء… رحلة التحول المؤسسي. فالتحول الحقيقي لا يتوقف عند الميدان، بل ينتقل إلى الفكر، وإلى الأنظمة، وإلى الإنسان الذي يحمل الرسالة. وفي طريق العودة، كان في القلب شعورٌ بأن الفريق بذل جهدًا كبيرًا، وأن يومًا طويلًا من الحركة والعطاء يكفيه ما تحقق. فقررت ألا أثقل عليهم ببقية اليوم. قلت في نفسي: لقد أنجزنا ما يكفي… فلنمنح الجميع فرصة للراحة بعد هذا التعب.

وصلنا بعد المغرب… وانتهى اليوم في ظاهره. لكنني لم أكن أعلم أن أجمل فصوله لم تبدأ بعد. بعد صلاة المغرب… كانت المفاجأة. دخل الفريق يحمل كعكةً مميزة أعدوها بعناية، في مشهدٍ لم يكن مجرد احتفال بميلاد… بل كان احتفاءً بالإنسان. توقفت للحظة… فليست قيمة الكيكة في حجمها أو شكلها. وليست قيمة المناسبة في تفاصيلها. القيمة الحقيقية كانت في الرسالة التي حملتها: لقد رأينا جهدك… وقدّرنا تعبك… وأنت واحدٌ من هذه الرحلة. كانت تلك اللحظة تختصر مفهومًا عظيمًا في الإدارة الحديثة: أن الإنسان ليس موردًا يُدار… بل قيمة تُحترم. وأن المؤسسات التي تنجح في التحول ليست فقط التي تطور إجراءاتها وأنظمتها، بل التي تبني ثقافة يشعر فيها الإنسان أنه مُقدَّر.

لقد كانت تلك الكيكة الصغيرة في حجمها… كبيرةً في معناها. كانت تقول إن الشراكة ليست عقودًا فقط. وليست اجتماعات وتقارير. وليست خططًا ومؤشرات أداء. الشراكة الحقيقية هي أن تفرح لفرح شريكك، وأن تشعر بتعبه، وأن تحفظ له لحظةً جميلة وسط طريقٍ طويل. قال أرسطو: “ما نفعله باستمرار هو ما يصنع شخصيتنا؛ فالتميز ليس فعلًا عابرًا، بل عادة.” وهكذا تكون المؤسسات العظيمة… تجعل التقدير عادة. وتجعل الوفاء ثقافة. وتجعل الإنسان محور كل نجاح. وقال بيتر دركر: ” الثقافة المؤسسية تأكل الاستراتيجية على الإفطار.” لأن الخطط مهما بلغت دقتها، لا تصنع أثرًا حقيقيًا إذا لم تحملها قلوبٌ تؤمن بها.

وفي تلك الليلة… لم تكن هناك قاعة احتفال. ولا منصة. ولا كلمات طويلة. كان هناك فريقٌ إنساني أراد أن يقول بطريقته: نحن لا نعمل معك فقط… بل نسير معك. نشاركك الطريق. نحفظ اللحظات الجميلة كما نحمل مسؤوليات العمل. وهنا تظهر عظمة المؤسسات التي تنظر إلى الإنسان قبل المهمة، وإلى العلاقة قبل الإجراء. فربما ينسى الإنسان كثيرًا من الاجتماعات التي حضرها… وكثيرًا من التقارير التي قرأها… لكنه لا ينسى أبدًا موقفًا شعر فيه أن هناك من يقدّره.

لقد كان يوم الجمعة 17 يوليو 2026 لوحةً متكاملة: في بدايته… أسرٌ متضررة وجدت يدًا تمتد إليها. وفي وسطه… فريقٌ يعمل بإخلاص ليحفظ الأمانة. وفي نهايته… شراكةٌ إنسانية تجسدت في كيكة صغيرة حملت معنى كبيرًا. وهكذا أدركت أن التحول المؤسسي ليس فقط أن تصبح المؤسسة أكثر كفاءة… بل أن تصبح أكثر إنسانية. فالمؤسسات التي تبني الأنظمة قد تنجح. أما المؤسسات التي تبني الإنسان… فإنها تترك أثرًا لا يزول. وفي تلك الليلة… لم تكن الشمعة التي أُضيئت فوق الكيكة مجرد احتفال بعمرٍ مضى… بل كانت تذكيرًا بأن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في عمره: أن يكون سببًا في تخفيف ألم. وأن يبني مؤسسة. وأن يزرع علاقة. وأن يترك خلفه أثرًا يقول: كان هنا إنسانٌ أحب الخير… فأحبّه الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top